بسم الله الرحمن الرحيم
11) عدم التجسس من أجل النقد - فإذا ظهرت مخالفة انتقدت - فلا نبحث وننقب؛ لأن هذا يجعل النقد كله مبني على أوهام وظنون، ولأن هذا الأمر يؤدي إلى هتك أعراض المسلمين، وجلب الأذى لهم، ولأنه كما سبق أن من القواعد المقررة حفظ الضرورات الخمس ( العرض، والدين، والنسب، والمال، والعقل ) فلا بد أن يعرف في البداية أن أعراض المسلمين محرمة، والنيل منها لا يجوز في أي حال من الأحوال.
فقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في خطبة الحاجة على مسمع ما يزيد عن مئة ألف من المسلمين في خطبة الوداع: " إن دمائكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم..."، وقال ابن عمر وهو ينظر إلى الكعبة: "ما أعظمك وما أعظم حرمتك، والمؤمن أعظم حرمة عند الله منك " حسنه الألباني في صحيح الترغيب ص2339.
12) الأمانة العلمية في نقل كلام الخصم أثناء النقد؛ لأن من ديدن أهل البدع والأهواء أنهم يذكرون مالهم ويكتمون ما عليهم، فترى أحدهم إذا أراد أن يؤلف أو يرد لجأ إلى أسلوب التحريف الذي يفسد الحق في مقالات أهل العلم وهذا إجحاف واعتساف، وبُعد عن الإنصاف.
قال العلامة محمد بن إبراهيم الوزير - رحمه الله -: "واعلم أن ترك كلام الخصم ظلم ظاهر، وحيف عليه واضح؛ لأنه إنما تكلم ليكون كلامه موازياً لكلام خصمه في كفة الميزان الذهني، وموازياً له في جولة الميدان الجدلي؛ لأن المنفرد يرجح في الميزان وإن كان خفيفاً، ويسبق في الميدان وإن كان ضعيفاً، وهذا كله إذا كان للخصم كلام يحفظ، واختيار يصح أن ينقض، فمن العدل بيان قوله وحكاية لفظه، وأما إذا لم يكن له مذهب البتة، وإنما وهم عليه في مذهبه، ورمي بما لا يقل به؛ فهذا ظلم على ظلم، وظلمات بعضها فوق بعض"().
13) ألا يكون النقد مستنداً إلى كلام الأقران فقط فإذا كان كذلك فإنه لا يعبأ به.
قاعدة السلف: "كلام الأقران يطوى ولا يروى"، وعن ابن عباس: "خذوا العلم في حيث وجدتم، ولا تقبلوا قول الفقهاء بعضهم على بعض فإنهم يتغايرون تغاير التيوس في الزريبة".
قال الذهبي: "كلام الأقران بعضهم في بعض لا يعبأ به لا سيما إذا لاح لك أنه لعداوة أو لمذهب أو لحسد، وما ينجو منه إلا من عصم الله، وما علمت أن عصراً من العصور سلم أهله من ذلك سوى الأنبياء والصديقين، ولو شئت لسردت من ذلك كراريس"().
14) لا بد أثناء النقد والرد على المخالف من الجمع بين الشدة والقوة - التي تتمثل في العلم بالحق، والجهر به والعمل به - وبين الرحمة والرفق بالخلق.
فقد روى عن أبي أمامة الباهلي لما رأى سبعين رأساً من الخوارج، وقد جزت تلك الرؤوس، ونصبت على درج دمشق "سبحان الله ما يصنع الشيطان ببني آدم، كلاب جهنم، شر قتلى تحت أديم السماء، وبكى قائلاً: " بكيت رحمة حين رأيتهم كانوا من أهل الإسلام".
15) أن النية الحسنة وإرادة الخير لا تكفي وحدها في حماية صاحب الخطأ والانحراف من النقد، فالخطأ أياً كانت نية فاعله فهو خطأ لا بد أن يصحح ويغير، لذا قال بن مسعود - رضي الله عنه -: "وكم من مريد للخير لن يصبه".
16) العدل في النقد: تمثله منهج الذهبي في النقد، ووصف الآخرين وهو منهج علمي دقيق، وهو منهج أهل السنة والجماعة نابع من قوله - تعالى - :{((َلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى ))(8) سورة المائدة وقوله - تعالى -: ((وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ ))(85) سورة هود، والذي يراجع سير أعلام النبلاء يجد هذا النفس وهذا المنهج واضح.
قال الذهبي عن المأمون - الذي تبنى فتنة القول بخلق القرآن، وامتحن أهل السنة بذلك -: "وكان من رجال بني العباس حزماً وعزماً، ورأياً وعقلاً، وهيبة وحلماً، ومحاسنة كثيرة في الجملة".
وقال عن الجاحظ: "العلامة المتبحر ذو الفنون، وكان أحد الأذكياء، وكان ماجناً قليل الدين له نوادر".
وقال عن ابن العميد: "كان عجباً في الترسل والإنشاء والبلاغة، يضرب به المثل، ويقال الجاحظ الثاني، وقيل بدأت الكتابة بعبد الحميد، وختمت بابن العميد، وكان مع سعة فنونه لا يدري بالشرع".
قال شيخ الإسلام: "والكلام في الناس يجب أن يكون بعلم وعدل، لا بجهل وظلم، كحال أهل البدع"().
ومن صور هذا العدل تضعيف الناقد لأقاربه، فإن المنهج أغلى من أولئك الرجال وأبقى:
قال شعبة: "لو حابيت أحداً لحابيت هشام بن حسان كان ختني ولم يكن يحفظ"()
وسئل علي ابن المديني عن أبيه فقال: "اسألوا عنه غيري!! فقالوا: سألناك! فأطرق ثم رفع رأسه وقال: هذا دين، أبي ضعيف"()
وقال عبيد الله بن عمرو: قال لي زيد بن أبي أنيسة: لا تكتب عن أخي فإنه كذاب"()
وقال أبو داود السجستاني: " ابني عبد الله كذاب ".
ومن صور هذا العدل أيضاً تضعيف الناقد لرواية بعض أئمة العلم أهل الجلالة والفضل:
فإمامتهم ومهابتهم لم تمنع من تضعيف حديثهم إذا لم يكونوا أهل ضبط وإتقان، وليس هذا إلا لأهل الإسلام، بل لأهل السنة خصوصاً، فغيرهم قدسوا علماءهم تقديساً أعمى، بل أوصلوهم إلى مرتبة الربوبية() كما قال الله : ((اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللّهِ ))(31) سورة التوبة.
قال الذهبي عن نعيم بن حماد المروزي أحد الأئمة الأعلام:" على لين في حديثه، وقال عنه: "نعيم من كبار أوعية العلم، لكنه لا تركن النفس في رواياته".
ومن صور العدل أيضاً: تضعيف الناقد لبعض الصالحين:
قال الإمام مالك: "إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم، لقد أدركت سبعين عند هذه الأساطين - وأشار إلى مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقولون قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فما أخذت عنهم شيئاً، وإن أحدهم لو ائتمن على بيت مال لكان به أميناً، إلا أنهم لم يكونوا أهل هذا الشأن، ويقوم علينا محمد بن مسلم بن شهاب وهو شاب فنزدحم على بابه"().
قال ربيعة بن عبد الرحمن: "إن من إخواننا من نرجو بركة دعائه، ولو شهد عندنا بشهادة ما قبلناها"().
وقال أيوب السختياني: "إن لي جاراً - ثم ذكر من فضله - ولو شهد عندي على تمرتين ما رأيت شهادته جائزة"()
وقال ابن المبارك: "ما أدري فيمن رأيت أفضل من عبَّاد بن كثير في ضروب من الخير، فإذا جاء الحديث فليس بشيء"()
بل إن من تمام عدل أهل السنة والجماعة وإنصافهم لغيرهم أنهم أعدل من المبتدعة مع بعضهم البعض، لأن المبتدعة أهل أهواء وشهوات، وإلى هذا أشار شيخ الإسلام بقوله: "والرافضة منهم من هو متعبد متورع زاهد، لكن ليسوا في ذلك مثل غيرهم من أهل الأهواء، فالمعتزلة أعقل منهم وأعلم وأدين، والكذب والفجور فيهم أقل منه في الرافضة, والزيدية من الشيعة خير منهم، وأقرب إلى الصدق والعدل والعلم، وليس في أهل الأهواء أصدق ولا أعبد من الخوارج، ومع هذا فأهل السنة يستعملون معهم العدل والإنصاف، ولا يظلمونهم، فإن الظلم حرام مطلقاً كما تقدم، بل أهل السنة لكل طائفة من هؤلاء خير من بعضهم لبعض، بل هم للرافضة خير وأعدل من بعض الرافضة لبعض"()
ومن جميل ما سطره يراع الحافظ الذهبي - رحمه الله - قوله: "غلاة المعتزلة، وغلاة الشيعة، وغلاة الحنابلة، وغلاة الأشاعرة، وغلاة المرجئة، وغلاةالجهمية، وغلاة الكرامية؛ قد ماجت بهم الدنيا، وكثروا وفيهم أذكياء وعباد وعلماء، نسأل الله العفو والمغفرة لأهل التوحيد، ونبرى إلى الله من الهوى والبدع، ونحب السنة وأهلها، ونحب العالم على ما فيه من الاتباع والصفات الحميدة، ولا نحب ما ابتدع فيه بتأويل سائغ، وإنما العبرة بكثرة المحاسن"()
___________________________