بسم الله الرحمن الرحيم
لا يكاد يخلو المرء منا من أن يُعتدى أو يخطأ عليه في حياته، إما في بدنه أو ماله أو عرضه أو غير ذلك.
وما أكثر ما يحصل البغي والعدوان في مقابلة ذلك حتى من بعض أهل الخير والصلاح، وقد جاء القرآن هاديا وموجها في هذا.
فالأحوال – في مقابلة ذلك الاعتداء - ثلاثة:
1.القصاص: و هذا جائز.
2.الظلم: وهذا ممنوع.
3.العفو: وهذا مندوب، ولكن يقيد بما إذا كان فيه إصلاح.
فطريقـة القرآن إباحة الاقتصاص من المعتـدي ومقابلتـه بمثل عدوانـه وهذه الحالة الأولى.
والنهي عن ظلمه، وهذه الثانية.
والندب إلى العفو والإحسان، وهذه الثالثة.
وجمعت هذه المراتب الثلاث في قوله - تعالى -: (وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ) (الشورى:40).
وهذا التوجيه السامي وارد في آيات كثيرة كقوله (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ) (النحل:126)، ولما كان القتال في المسجد الحرام محرماً قال – تعالى -: (فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ) (البقرة:91) (فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوَانَ إِلا عَلَى الظَّالِمِينَ(193)الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ) (البقرة:193-194) وهو كل ما حرمه الله وأمر باحترامه، فمن انتهكه فقد أباح الله الاقتصاص منه بقدر ما اعتدى به لا أكثر، وقوله: (فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ) (البقرة:194).
وقال – سبحانه -: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنْثَى بِالأُنْثَى..) (البقرة:178) (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ..) (المائدة:45) (لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلا مَنْ ظُلِمَ) (النساء:148).
وفي النهي عن مقابلة العدوان بالظلم قال – تعالى -: (وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا) (الإسراء:33) والآيات في هذا المعنى كثيرة والله أعلم.
انظر: القواعد الحسان – مع تصرف وزيادة – وتعليقات الشيخ ابن عثيمين عليها، وإنني أنصح إخواني بسماع تلك التعليقات لما فيها من التهذيب والتحرير، كما في كلامه على قصة الغرانيق ورأيه في ذلك مثلا، بل ربما ناقش شيخه وخالفه كما في تحقيقه لقوله – تعالى -: (حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ) (يوسف:110).
صح عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: "من أراد العلم فليثور القرآن، فإنه فيه علم الأولين والآخرين".