بسم الله الرحمن الرحيم
عن جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "إن من أحبكم إلي، وأقربكم مني مجلساً يوم القيامة، أحاسنكم أخلاقاً، وإن أبغضكم إلي، وأبعدكم مني يوم القيامة، الثرثارون، والمتشدقون، والمتفيهقون". قالوا: يا رسول الله قد علمنا الثرثارون، والمتشدقون، فما المتفيهقون؟ قال: "المتكبرون".
[رواه الترمذي وقال: حديث حسن... رقم الحديث: 2019]
معاني الألفاظ:
الثرثارون: كثيرو الكلام تكلفاً.
المتشدق: الذي يتطاول على الناس بكلامه، ويتكلم بملء فيه تفاصحاً وتعظيماً لكلامه.
المتفيهق: الذي يملأ فمه بالكلام، ويتوسع فيه، ويغرب به تكبراً، وارتفاعاً، وإظهاراً للفضيلة على غيره.
أحكام فقهية ودروس مستفادة من الحديث:
1 - أكمل المؤمنين إيماناً، وأقربهم من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مجلساً يوم القيامة أحاسنهم أخلاقاً.
2 - أبغض الناس إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبعدهم منه مجلساً يوم القيامة المتشدقون، والمتفيهقون، والثرثارون.
3 - الكبر والإعجاب بالنفس من الكبائر التي يمحق الله فاعلها.
4 - التفيهق، والتشدق، والبذاءة علامة مميزة في فرق الضلالة.
5 - الحث على التواضع، وخفض الجناح للمؤمنين، والنهي عن إيذائهم بالقول أو الفعل.
6 - وجوب التزام سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قولاً، وعملاً.
7 - على المسلم أن يتجنب اللعن والطعن، ويحفظ لسانه من كلام السوء.
من الدروس المستفادة من الحديث:
تمر الأمة الإسلامية اليوم بأزمة أخلاقية حادة، يلحظها من نوّر الله بصيرته بنور الإيمان، وشرح صدره للإسلام؛ فيضيق منها صدره، وتنقبض نفسه حزناً وألماً لهذا الانحطاط الأخلاقي الذي لا يكاد يعرف عند كثير من أهل الجاهلية في جزيرة العرب قبل البعثة المحمدية، ولا غرابة في ذلك، ولا مبالغة في القول؛ إذ أنها لم تعرف ما فُتح على الناس اليوم من الخزائن والفتن، ولم تكن تمتلك في حينها من وسائل الإعلام ما يمتلكه الناس في زماننا من وسائل إعلامية هابطة، مرئية، ومسموعة، ومقروءة... وهل كان الإنسان قبل زمننا هذا يمتلك الصحف والمجلات والأفلام الخليعة؟! وهل كان يعرف مراكز السينما، وحانات الخمر، وأجهزة البث التي تجلب الفجور والفسالة من كل حدب وصوب؟! وقد دخلت معظم البيوت، وحتى بيوت كثير من الذين يُحسبون على الدعوة الإسلامية.
ليس غريباً ولا عجيباً أن تنتج البيئة التي تنتشر فيها هذه الأشياء المتفيهقين والمتشدقين والثرثارين؛ لكن المذهل والعجيب أن يُصدّق هؤلاء، ويجدوا لهم الأتباع ويقدر لهم التمكين والظهور، ويُنبذ الصلحاء، ويحتقر الشرفاء، ويهمل العلماء!.
هذه حال أمتنا الإسلامية اليوم؛ فإلى الله نشكو وحشتنا، وذهاب الإخوان وتشتتهم، وقلة الأعوان، وظهور البدع، وإلى الله نشكو عظيم ما حل بهذه الأمة من محاربة للفضيلة، وتشجيع للرذيلة، وظهور البدع، وانقماع السنة.
التفيهق والتشدق علامة مميزة للمبتدعة وأهل الأهواء:
ما من نبي من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام إلا وابتلاه الله بهذه الفئة من أهل الأهواء والضلالة، وقد تتمثل هذه الفئة بالحكّام؛ كما هي حال فرعون، والنمرود مع موسى وإبراهيم... أو بمن هم دونهم؛ كما حدث للوط، وشعيب، وصالح مع أقوامهم. وكذلك الحال مع خاتم الأنبياء والمرسلين - صلى الله عليه وسلم -؛ حيث خرج الأسود العنسي، ومسيلمة الكذاب اللذان ادعيا النبوة. هكذا كان تفيهقهما وتشدقهما: إذا التشدق والتفيهق والثرثرة أنواع وأنواع.
ثم ابتلي ورثة الأنبياء أيضاً بمثل ما ابتلي به أنبياؤهم، كالذي حدث للإمام أحمد بن حنبل، وشيخ الإسلام ابن تيمية وغيرهم كثير على مدى التاريخ الإسلامي، ومن قبلهم صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ورضي الله عنهم؛ فالخوارج كان من تشدقهم وتفيهقهم أن كفروا صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وذموا من مدحه الله ورسوله، واتفق السلف الصالح على مدحهم والثناء عليهم، ومدحوا من اتفق السلف الصالح على ذمه واحتقاره، كعبد الرحمن بن ملجم - قاتل علي رضي الله عنه -. ورأوا أن قتل علي هو الصواب!! وفعل ابن ملجم - قبحه الله - قربة إلى الله!! وقالوا - أي الخوارج - في شأنه نزل قول الله - تعالى -: {ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله} [البقرة: 207]. وأما الآية التي قبلها: {ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا} [البقرة: 204] فإنها نزلت في شأن علي - رضي الله عنه -! وهذا من تشدقهم وثرثرتهم - قاتلهم الله -. [1]
وقد أنشد عمران بن حطان الخارجي في مدح ابن ملجم شعراً؛ فقال:
يا ضربة من تقي ما أراد بها *** إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا
إني لأذكره يوماً فأحســـبه *** أوفى البريـــــة عند الله ميزانــا
ومثل ذلك كان منهج المعتزلة؛ فقد مدحوا المبتدعة وأهل الأهواء، وذموا أهل السنة الملتزمين بكتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -.
تكلم واصل بن عطاء المعتزلي يوماً؛ فقال عمرو بن عبيد: ألا تسمعون؟ ما كلام الحسن وابن سيرين عندما تسمعون إلا خرقة حيض ملقاة.
وروي أن زعيماً من زعماء أهل البدعة كان يريد تفضيل الكلام على الفقه؛ فكان يقول: إن علم الشافعي، وأبي حنيفة، جملته لا يخرج من سراويل امرأة. [2]
وقيل لعمرو بن عبيد: كيف حدث الحسن عن سمرة في السكتتين ؟ فقال: ما تصنع بسمرة؟ قبح الله سمرة. وله من هذا التطاول والبذاءة على الصحابة وغيرهم من علماء السلف الشيء الكثير.
ومثل ذلك أيضاً كان منهج الرافضة، وغلاة المتصوفة، وقد صنفت كتب كثيرة في بيان شغبهم، وتشدقهم، وطعنهم فيمن اشتهر من أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - بالصلاح، والتقوى، والعلم، والعمل بالكتاب والسنة.
وخلاصة القول: أن المبتدعة، وأهل الأهواء يتفيهقون ويجتهدون في ذم وطعن العلماء العاملين والملتزمين بمنهج السلف الصالحين... ويمدحون ويثنون على من وافق أهواءهم.
وسائر هذه الفرق المبتدعة أحدثت الفساد والشغب بوجوه مختلفة من إيقاع العداوة والبغضاء بين المسلمين، وتفريق الصف، وإثارة الفتنة، وسفك الدماء، ولبس الحق بالباطل.
وإن كنت أيها العاقل والأخ الفاضل مطلعاً على أحوال المسلمين اليوم قلت: (ما أشبه الليلة بالبارحة). ولكي لا يلتبس عليك الأمر، ادع الله بما دعاه به رسوله - صلى الله عليه وسلم -: "اللهم فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، رب جبريل، وميكائيل، وإسرافيل، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم".
قال - تعالى -: {يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه وأنه إليه تحشرون} [الأنفال/ 24]. وقال - تعالى -: {يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقاناً ويكفر عنكم سيئاتكم ويغفر لكم والله ذو الفضل العظيم} [الأنفال/ 29].
من خادن الأشرار لم يسلم من الدخول في جملتهم:
واعلم أيها العاقل والأخ الفاضل أنك في زمان قصرت فيه المسافات، وتعددت فيه المسالك والطرقات، وتنوعت الأفكار والطروحات، وما أراك إلا على سفر؛ امتثالاً لقول المصطفى - صلى الله عليه وسلم -: "كن في الدنيا: كأنك غريب أو عابر سبيل"، فلابد لك من الزاد، والراحلة، والرفيق. وليكن زادك تقوى الله - عز وجل - فإنه خير الزاد، وانظر في أي ركاب تضع رجلك، ثم اسبر حال الصديق الذي لا غنى لك عن صحبته، فإن من عاشر الاثنين يعد منهم. وورد عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "الرجل على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل". [3]
وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: إنما مثل الجليس الصالح وجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير؛ فحامل المسك إما أن يحذيك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحاً طيبة. ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد منه ريحاً منتنة". [4]
فما أحراك بالتعرف على حال المتشدقين، وأهل الأهواء وهجرهم، وعدم الأخذ منهم فضلاً عن تكريمهم، أو الثقة بهم، أو إضفاء ألقاب التكريم عليهم، فإن لك باتباع سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والسلف الصالح أسوة حسنة؛ فتأمل قولهم، وتحذيرهم من أهل الأهواء والثرثارين المتشدقين.
قال عمرو بن العاص - رضي ا لله عنه -: "موت ألف من العلية خير من ارتفاع واحد من السفلة".
وعن عائشة - رضي الله عنها - قالت: "من أتى صاحب بدعة ليوقره، فقد أعان على هدم الإسلام".
وعن الحسن البصري قال: "لا تجالس صاحب هوى، فيقذف في قلبك ما تتبعه عليه فتهلك، أو تخالفه فيمرض قلبك". [5]
وعن ابن سيرين أنه قال: "إني أرى أسرع الناس ردة أصحاب الأهواء". [6]
وعن يحيى بن أبي كثير قال: "إذا لقيت صاحب بدعة في طريق؛ فخذ في طريق آخر".
وعن العوام بن حوشب أنه كان يقول لابنه: "يا عيسى أصلح قلبك، وأقلل مالك". وكان يقول: "والله لأن أرى عيسى في مجالس أصحاب البرابيط [العود والمزهر]، والأشربة، والباطل، أحب إلي من أن أراه يجالس أصحاب الخصومات".
وعن الفضيل بن عياض: "اتبع طرق الهدى، ولا يضرك قلة السالكين، وإياك وطرق الضلالة، ولا تغتر بكثرة الهالكين". [7]
وقال أيضاً: "من جلس مع صاحب بدعة لم يعط الحكمة". [8]
وعن مقاتل بن حيان قال: "أهل هذه الأهواء آفة أمة محمد - صلى الله عليه وسلم -: إنهم يذكرون النبي - صلى الله عليه وسلم - وأهل بيته، فيتصيدون بهذا الذكر الحسن - عند الجهال من الناس -؛ فيقذفون بهم في المهالك. فما أشبههم بمن يسقي الصبر باسم العسل. ومن يسقي السم القاتل باسم الترياق، فأبصرهم... فإنك إن لا تكن أصبحت في بحر الماء؛ فقد أصبحت في بحر الأهواء، الذي هو أعمق غوراً، وأشد اضطراباً، وأكثر صواعقاً، وأبعد مذهباً من البحر وما فيه، ففلك مطيتك التي تقطع بها سفر الضلال اتباع السنة. [9]
وقال أبو حاتم بن حبان: "العاقل يلزم صحبة الأخيار، ويفارق صحبة الأشرار؛ لأن مودة الأخيار سريع اتصالها، بطيء انقطاعها، ومودة الأشرار؛ سريع انقطاعها، بطيء اتصالها. وصحبة الأشرار تورث سوء الظن بالأخيار، ومن خادن الأشرار لم يسلم من الدخول في جملتهم. [10]
يستدل على عقل الرجل بقوله:
اللسان عنوان الإنسان، وكلامه دليل على عقله، قال أحد الحكماء: " يُستدل على عقل الرجل بقوله، وعلى أصله بفعله".
وقال آخر: "ثلاثة أشياء تدل على عقل فاعلها: الكتاب يدل على عقل كاتبه، والرسول يدل على عقل مرسله، والهدية تدل على عقل مهديها".
وإذا كانت الأشياء تتبين بضدها؛ فإليك نبذة من أقوال الكملة من أولي الأحلام والنهى:
فعن سعيد بن المسيب قال: "وضع عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - للناس ثمانية عشر كلمة كلها حكم، قال: (ما كافأت من يعصي الله فيك بمثل أن تطيع الله فيه، وضع أمر أخيك على أحسنه حتى يأتيك منه ما يغلبك، ولا تظنن بكلمة خرجت من مسلم شراً وأنت تجد لها في الخير محملاً، ومن تعرض للتهمة فلا يلومن من أساء به الظن، ومن كتم سره كانت الخيرة في يديه، وعليك بالصدق وإن قتلك الصدق، ولا تعرض لما يعنيك، ولا تسأل عما لم يكن، فإن فيما كان شغلاً عما لم يكن، ولا تطلبن حاجتك إلى من لا يحب لك نجاحها، ولا تصحبن الفاجر فتعلم فجوره، واعتزل عدوك، واحذر صديقك إلا الأمين، ولا الأمين إلا من خشي الله، وتخشع عند القول وذل عند الطاعة، واعتصم عند المعصية، واستشر في أمرك الذين يخشون الله، فإن الله - تعالى - يقول: {إنما يخشى الله من عباده العلماء}). [11]
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -: "وأنا في سعة صدر لمن يخالفني: فإنه وإن تعدى حدود الله فيّ بتكفير، أو تفسيق، أو افتراء، أو عصبية جاهلية؛ فأنا لا أتعدى حدود الله فيه، بل أضبط ما أقوله، وأفعله، وأزنه بميزان العدل، وأجعله مؤتماً بالكتاب الذي أنزل الله، وجعله هدى للناس، حاكماً فيما اختلفوا فيه... وذلك أنك ما جزيت من عصى الله فيك بمثل أن تطيع الله فيه {إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون}... وقال - تعالى -: {وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئاً إن الله بما يعملون محيط}". [12]
وقال الأستاذ محمد عبد الغني النواوي: "وأقل ما أطلبه من إخواني أن لا يكونوا عوناً لأهل الباطل ضدي، إن لم يدافعوا عني، وحسبي أني لهم منذر، وعليهم أغار، وعن حقوقهم أدافع". [13]
فأين الثرى من الثريا؟! وأين كلبك والغزال؟! فما كل ما يعلم يقال. ولكن...
لكل مقام مقال:
فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: "حفظت من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعائين: فأما أحدهما فبثثته، وأما الآخر فلو بثثته قطع هذا البلعوم". [14]
وعن عائشة - رضي الله عنها - قالت: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "يا عائشة لولا قومك حديث عهدهم بكفر لنقضت الكعبة؛ فجعلت لها بابين: باب يدخل الناس، وباب يخرجون" ففعله ابن الزبير. [15]
ومما في هذا الحديث من الفوائد التي ذكرها ابن حجر - رحمه الله -: ترك المصلحة لأمن الوقوع في المفسدة، وترك إنكار المنكر خشية الوقوع في أنكر منه. [16]
وكان عبد الله بن الحسن من خطباء بني هاشم، فقال لابنه إبراهيم: "أي بني إني مؤد إليك حق الله في تأديبك، فأد إلي حق الله في حسن الاستماع... أي بني كف الأذى، وارفض البذاء، واستعن على الكلام بطول الفكر في المواطن التي تدعوك نفسك فيها إلى القول؛ فإن للقول ساعات يضر فيها الخطأ، ولا ينفع فيها الصواب" اهـ. [17]
وقال الشاعر:
تحنن علي هـــــــداك المليك *** فـــإن لكـــل مقام مقالا
حفظ اللسان:
يجب على المسلم أن يعود نفسه على النطق بالخير، والقول الحسن، ويجتنب البذاءة وكثرة الكلام، فإنه من السهل على الإنسان أن يستعير كل شيء ليتجمل به، ماعدا اللسان، فلا ينبيء إلا عما يعوده صاحبه. قال - عليه الصلاة والسلام -: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت". [18]
وفي حديث معاذ بن جبل - رضي الله عنه - قال له - عليه الصلاة والسلام - في التحذير مما يمكن أن يجنيه اللسان: "ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟ " قلت: بلى يا رسول الله، "فأخذ بلسانه ثم قال: كف عليك هذا"، قلت: يا نبي الله... وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ فقال: "ثكلتك أمك يا معاذ... وهل يكب الناس في النار على وجوههم - أو قال - على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم". [19]
وعن أبي هريرة - رضي الله عنه -، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يلقي لها بالاً، يرفعه الله بها درجات، وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالاً؛ يهوي بها في جهنم". [20]
وكان عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - يحلف بالله الذي لا إله إلا هو ما على الأرض شيء أحوج إلى طول حبس من لسان. [21]
وعن الأحنف بن قيس قال: قال عمر بن الخطاب: "يا أحنف من كثر كلامه؛ كثر سقطه، ومن كثر سقطه، قل حياؤه، ومن قل حياؤه، قل ورعه، ومن قل ورعه، مات قلبه". [22]
ليس المؤمن بالطعان:
ذكرت فيما تقدم أن أهل الأهواء والمنحرفين سمتهم الطعن والشتيمة والتشدق والثرثرة، أما السلف وأتباعهم فليس هذا من شأنهم، إذ انهم يمتثلون سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حيث قال: "ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش ولا البذيء". [23]
وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قيل يا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -... ادع على المشركين. قال: "إني لم أبعث لعاناً وإنما بعثت رحمة". [24]
وعن أنس - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ما كان الفحش في شيء إلا شانه، وما كان الحياء في شيء إلا زانه". [25]
وعن أنس - رضي الله عنه - قال: لم يكن النبي - صلى الله عليه وسلم - سباباً ولا فحاشاً ولا لعاناً، كان يقول لأحدنا عند المعتبة: "ماله ترب جبينه". [26]
وكان إذا أراد أن ينبه على عيب يقع فيه أحد من الصحابة قال: "ما بال أقوام يفعلون كذا... ".
والأحاديث في هذا الموضوع كثيرة، ورحم الله من قال:
وللخير أهل يعرفون بهديهم *** إذا اجتمعت عند الخطوب المجامع
وللشر أهل يعرفون بشكلهم *** تشير إليهم بالفجور الأصابــــــع
ختاماً أيها العاقل والأخ الفاضل... إن لكل امرىء من أمره ما تعود، ومن تربى على النذالة وفي الشوارع، ليس كمن تربى في القصور[27]، ومن تعبد ربه في الخنادق وتحمل المخاطر، ليس كمن تعبد عند القبور.
سارت مشرقة وسرت مغرباً *** شتان بين مشرّقٍ ومغرّب
قال - تعالى -: {وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن إن الشيطان ينزغ بينهم إن الشيطان كان للإنسان عدواً مبيناً} [الإسراء: 53].
----------------------------------------
[1] انظر الاعتصام للشاطبي 2/238.
[2] المصدر السابق 2/239.
[3] رواه أبو داود - رقم الحديث: 4833، والترمذي برقم: 2379.
[4] رواه البخاري - كتاب الذبائح - باب المسك [الفتح 9/660]، ومسلم - كتاب البر والصلة، رقم الحديث: 2628.
[5] انظر الاعتصام للشاطبي 1/ 84 - 86.
[6] المصدر السابق.
[7] المصدر السابق.
[8] المصدر السابق.
[9] المصدر السابق.
[10] روضة العقلاء ونزهة الفضلاء صفحة: 100، تحقيق محمد حامد الفقي وآخرين.
[11] المصدر السابق، صفحة: 90.
[12] مجموع الفتاوى 3/245 - 246.
[13] رؤية إسلامية في الصراع العربي الإسرائيلي 1/18.
[14] صحيح البخاري، كتاب العلم - باب حفظ العلم.
[15] المصدر السابق، باب من خص بالعلم قوماً دون قوم.
[16] فتح الباري 1/225.
[17] البيان والتبيين للجاحظ، ص: 176.
[18] صحيح البخاري، كتاب الرقائق، باب حفظ اللسان.
[19] رواه الترمذي.
[20] صحيح البخاري - كتاب الرقائق، باب حفظ اللسان.
[21] جامع العلوم والحكم، صفحة: 261.
[22] روضة العقلاء ونزهة الفضلاء، صفحة: 44.
[23] صحيح الأدب المفرد للألباني، رقم الحديث: 237.
[24] رواه مسلم، كتاب البر والصلة والآداب.
[25] رواه الترمذي: 1975، وانظر رياض الصالحين - باب النهي عن الفحش وبذاء اللسان.
[26] صحيح البخاري، كتاب الآداب، باب: لم يكن النبي - صلى الله عليه وسلم - فاحشاً ولا متفحشاً.
[27] أعني من تربى على الشهامة والعفة والحياء في أهل البيوتات الكريمة.