بسم الله الرحمن الرحيم
روى الإمام محمد بن إسماعيل البخاري - رحمه الله - في صحيحه، عن النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ - رضي الله عنهما - عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنّه قال: "مَثَلُ الْقَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللَّهِ وَالْوَاقِعِ فِيهَا كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ، فَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَعْلاهَا، وَبَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا، فَكَانَ الَّذِينَ فِي أَسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقَوْا مِنَ الْمَاءِ مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ، فَقَالُوا: لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا فِي نَصِيبِنَا خَرْقًا، وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا، فَإِنْ يَتْرُكُوهُمْ وَمَا أَرَادُوا هَلَكُوا جَمِيعًا، وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ نَجَوْا وَنَجَوْا جَمِيعاً".
معاني المفردات
· حدود الله: المراد بالحدود هنا: ما نهى الله عنه، وأصل الحدِّ في اللغة: المنعُ والفصلُ بين الشيئين، ومنه: حدّ الدار وهو ما يمنع الغير من الدخول فيها، والحدادُ: الحاجبُ والبواب.
· استهموا: اقترعوا، والسهم في الأصل: واحد السهام التي يُضْرب بها في المَيْسَر، ثم أُطلق على ما يأخذه الفائز في الميسر، ثم كثُر حتى سُمي كلّ نصيبٍ سهماً.
· الخرق: هو الشق أو الثقب.
· أخذوا على أيديهم: أي منعوهم.
معنى الحديث
هذا مثل عظيم يُشبّه فيه الرسول - صلى الله عليه وسلم - حال الناس وموقفهم مما يكون في المجتمع من منكرات بحال قوم ركبوا سفينة فاقتسموا أماكنَهم فيها بطريق القرعة، فكان من نصيب بعضهم الجزء الأعلى من السفينة، وكان من نصيب الآخرين الجزء الأسفل منها، وكان الذين في الأسفل يصعدون لأعلى السفينة ليستقوا الماء، فكان الذين في أعلى السفينة يتأذَّون منهم؛ إذ ربما أصابهم شيء من رشاش الماء أو أُقلقوا وقت راحتهم أو غير ذلك، فلما رأى أهل السفل تأذِّي أهل العلوّ بهم عزموا على أن ينقبوا في نصيبهم نقباً يحصلون منه على الماء دون الحاجة إلى إيذاء من فوقهم، ولم يدر هؤلاء أن هذا الخرق الصغير سيؤدي - إن تُرِك - إلى هلاك الجميع، فيكون الخرقُ الصغير قبراً كبيراً.
ويبين الرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم - أن الأمر لا يخلو حينئذ من إحدى نتيجتين: إما أن يقوم أهل العلو بواجبهم في منع هذه الكارثة فينجو الجميع، وإما أن يتركوهم وشأنهم بدعوى أن هذا نصيبهم يفعلون فيه ما يشاءون، وحينئذ تكون النتيجة الحتمية هي هلاك الجميع.
والحديث الشريف يبين أنه هكذا تكون حال الناس في المجتمع، فإنه لا يخلو مجتمع من بعض صور المنكر والفساد التي يُقْدِم عليها ضعافُ الإيمان، وقد يلتمس بعضُهم لنفسه مسوّغاً في ما يفعل، كأن يقول: هذه حرية شخصية، وأنا حر.. أصنع في ملكي ما أشاء، فإن قام أهل الرشد بواجبهم في إنكار هذه المنكرات، والأخذ على أيدي الظالمين، صَلُح المجتمع، ونجا الجميع من غضب الله - عز وجل -، وأما إن تقاعسوا عن هذا الواجب، وغلبت كلمة المداهنين، فإن العقوبة الإلهية تعمّ الجميع، وتلك سنة إلهية لا تتغير.
ومصداق ذلك قوله - تعالى -: (وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) (الأنفال: 25). وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يَعُمَّهم الله بعقاب" أخرجه أبو داود والترمذي.
مما يُستفاد من الحديث
1- وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد تضافرت الأدلة على ذلك، كما قال - تعالى -: (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)(آل عمران: 104). وقال - صلى الله عليه وسلم -: "من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان" أخرجه مسلم.
2- إثبات العمل بالقرعة، والعمل بالقرعة ثابت بالكتاب والسنة؛ قال - تعالى -: (ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ) (آل عمران: 44).
3- وفي الحديث وجوب صبر الجار على أذى جاره، لا سيما إذا خشي وقوع ما هو أشد منه ضرراً.
4- وفيه لفت النظر إلى أهمية استعمال الداعية والمربي للأمثلة التي تُقرّب مراده من أفهام السامعين.