بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمة
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، نحمده - سبحانه وتعالى- هو أهل الحمد والثناء، له الحمد والشكر كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه هو الذي وهب النعم لا نستطيع لها عدّاً ولا حصراً، ولا نطيق لها حمداً ولا شكراً، فله الحمد بما يوافي نعمه ويكافئ فضله، هو - سبحانه وتعالى- المستحق للحمد والشكر والثناء، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين سيّد الأولين والآخرين، وإمام المتقين وقائد الغر المحجلين إلى جنات النعيم، نبينا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين وعلى من تبعهم، واقتفى أثرهم إلى يوم الدين وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.
أما بعد أيها الإخوة الكرام:
سلام الله عليكم ورحمته وبركاته، وأسال الله - جل وعلا - أن يجعل مجلسنا هذا في موازين حسناتنا جميعاً وأن يكتب لنا به أجراً، وأن يجعل لنا فيه نفعاً، وأن ييسر لنا المزيد من لقاءات العلم والإيمان والتذاكر في أمور الدين والدنيا، بما ينفع العبد المؤمن ويكون فيه رضا ربه ومولاه - سبحانه وتعالى-.
وقد سلف لنا في دروس ماضية مرت بنا منذ وقت غير قليل ثلاث جولات سابقة في سنة المصطفى - صلى الله عليه وسلم - واليوم نفرد هذا اللقاء لنوع من أنواع التصنيف في الحديث الشريف، وكثرة الأنواع والكتب والمصنفات دليل العناية والاهتمام، وسأحاول نظراً لما أبداه بعض الإخوة من صعوبة مثل هذه الموضوعات على غير طلبة العلم، سأحاول أن أسهل وأبسط الموضوع قدر المستطاع إضافة إلى التعرض إلى جوانب تفيدنا جميعاً إن شاء الله، سواء من كان مختصاً أو غير مختص، وسيكون الموضوع على النحو التالي:
 معرفة علم التخريج
 فوائد علم التخريج ومنافعه
 الدلالات العامة لعلم التخريج
 من كتب علم التخريج
معرفة علم التخريج
التخريج لغة:
فأصل الاشتقاق اللغوي لهذه الكلمة وهو الفعل الثلاثي " خرج "، والخروج نقيض الدخول، والمخرج موضع الخروج، وعندما يقال - على سبيل المثال - خرج فلان من مكان إلى مكان أي أنه تغير من حالة إلى حالة أو من وضع إلى وضع.
من المعاني المتعلقة بالتخريج
1- التخرج والتدريب:
في كلام العرب يقولون: " فلان خرِّيج فلان " إذا كان يتعلم منه، ونحن الآن نقول: " فلان خرِّيج جامعة أم القرى، أو خرِّيج جامعة الرياض أو هكذا "، هذه التسمية تعني أنه تعلم في هذه الجامعة أو خريج فلان من العلماء أي تعلم عنده والصلة اللغوية أيضاً غير بعيدة؛ فإن هذا المتعلم يكون قد خرج من حد الجهل إلى حد العلم بواسطة العالم أو بواسطة هذه الجامعة.
2- الاستخراج:
فالاستخراج معناه الاستنباط، يقولون: استخرج كما يأتي في اختبارات الطلاب في المدارس استخرج فوائد هذا الحديث، أو استخرج ما يستفاد من الآيات.. ما معنى الاستخراج هنا؟ أي الاستنباط، ومعناه أيضاً غير بعيد عن اللغة، فهو إخراج المعنى أو إخراج المعنى الدقيق من عامة اللفظ أو من عامة المسألة المعروضة، والآن يقولون مثلاً - استخراج النفط، فهو البحث والتحري ثم الاجتهاد والعمل للوصل إلى المطلوب.
3- الإخراج:
وإخراج الشيء أيضاً الاستنباط فيه بمعنى الإخراج، وفيه أيضاً معنى الإبراز والظهور، لو قلت مثلاً - فلان خرج من المسجد، فمعنى ذلك أنه ظهر خارج المسجد بعد أن كان غير ظاهر بمن هو في خارج المسجد، والاستنباط إذا استنبطت المسألة؛ فإنك أخرجتها أظهرتها بعد أن كانت خافية غير ظاهرة.
4- الظهور والبروز:
ولذلك دوران هذا الكلمة في اللغة على الظهور والبروز؛ لأن الخارج من كل شيء هو الظاهر، مثلاً الآن أخرجت يدي من الكُمّ أو من الثوب فهي التي ظهرت واستتر باقيه، ولذلك سمي يوم القيامة " يوم الخروج " لأنه يخرج الناس فيه فيخرجون من الأرض ويظهرون بعد أن كانوا تحت أطباق الثرى.
5- الخروج:
وهو يعني الإخراج السهل أما الاستخراج؛ فإنه أكثر صعوبة، فعندما تقول أخرج الشيء غير استخرج، لأنا نعلم أن في اللغة أن زيادة المبنى زيادة في المعنى، فلو قلنا فلاناً كسر القلم معناها غير معنى قولنا فلان كسر القلم، فكسر ربما كسره من طرف واحد أو كسر واحد! لكن كسر تدل على زيادة حدوث هذا الفعل، وهكذا فالاستخراج أكثر صعوبة وأشد خفاء.
6- الانفصال:
ونعلم أيضاً أن إخراج الشيء من الشيء من لوازمه انفصاله من مكان إلى مكان آخر، فلذلك كل خروج ناشئٌ عن انفصال، فإذا خرجت من المسجد إلى الخارج ظهرت في الخارج وانفصلت من المسجد، وهكذا نجد أن هذا المعنى يتعلق بهذا الاستخراج والإظهار الذي يتضح له الأمر بعد خفاءه.
7- اجتماع الضدين:
وهو من المعاني العامة التي يبدو عليها معنى التخريج في اللغة معنا آخر وهو غير قريب لما نحن بصدده إذ معنى التخريج في اللغة أو أحد معانيه الأصلية - عندما نتحدث دائما عن معنى أصل الكلمة وليس عن فروعها؛ لأن هناك اشتقاقات كثيرة للكلمة - اجتماع الضدين في شيء واحد، قال صاحب اللسان: "وعام فيه تخريج أي فيه خصب وجدب اجتمع الخصب والجدب فيه وأرض مخرجة كمن فشا نبتها في مكان دون مكان فيقولون أرض مخرجة بهذا المعنى، وخرَّج الوجه تخريجاً إذا كتب بعضه وترك بعضه، والخروج لونان من بياض وسواد ".
المعنى أيضاً من المعاني اللغوية فيه بعد عما نحن بصدده، لكن قد يتكلف له في بعض المعاني فنقول فيه قرب من معنى الظهور والانفصال والاستخراج الذي ذكرناه بمعنى الاستنباط؛ لأنك لو استخرجت المسألة مسألة واحدة من حديث - على سبيل المثال - فإنك قد أظهرتها، بينما قد خفي غيرها فقد ظهر شيء وخفي شيء آخر كأنه ضرب من اجتماع المتضادين في باب واحد أو في إطار واحد.
8- التوجيه:
الذي يذكر في المسائل إذا ذكر مثلاً حديث، قالوا ما توجيهه؟ أي ما تخريجه؟
(لا يدخل الجنة قتات أي نمام) ما تخريج هذا؟ أي ما توجيهه؟ معناه لا يدخلها طيب، لو كان مؤمناً ألا يدخل الجنة؟ بلى يدخل الجنة، لكن ما معنى الحديث؟ أنه لا يدخلها مع الأولين الداخلين، بل تكون النميمة سبباً في عقوبته وتأخيره عن دخول الجنة والسبق إليها.
وأيضاً يقولون: " فلان خرَّج المسألة " أي وجهها بعد أن كان خافياً، فإذا هذا بإجمال المعنى اللغوي للتخريج وهو جائز للاجتماع بين متضادين في موضع واحد، أو من الخروج وهو الظهور والإبراز بعد الخروج والانفصال.
التخريج اصطلاحا عند الفقهاء:
يقولون تخريج المسائل على أصول المذهب ويعنون به، مثلاً يقولون: "خرّج فلان مسائل على مذهب أبي حنيفة " أي هي ليست من قوله ولم يذكرها، لكن المتأخر جاء إلى أصول مذهبه والقواعد التي استنبطت من مذهبه، فحكم بمسائل لم يسبق للإمام أن حكم فيها لكن على نفس القاعدة وبنفس الأصل.
استخدامات كلمة " التخريج " عند المحدثين:
أ - الإخراج من بطون الكتب والأجزاء:
إخراج المحدث للأحاديث من بطون الأجزاء والمشيخات والكتب ونحوها، وسيأتي من مروياته نفسها أو من مرويات شيوخ أو بعض أقرانه، وهذا ضرب من الضروب وهو الذي قد يطلقون عليه في بعض الأحوال معنى من معاني المستخرجات.
ب -رواية الحديث:
التخريج والإخراج بمعنى رواية الحديث، ألسنا نقول اليوم هذا الحديث: " أخرجه البخاري "؟ ما معنى أخرجه البخاري؟ المقصود أنه رواه بسنده في كتابه، فهذا ضرب أيضاً من معاني الإخراج أو التخريج، فيقولون: " أخرج البخاري الحديث في صحيحه " أي رواه بسنده، و" أظهر طريقه وأظهر لفظه "، فله أيضاً تعلق بالمعنى اللغوي.
ج - الاستخراج على منوال الكتب المشهورة:
وهي المستخرجات المعروفة المشهورة عند المحدثين وهي بأن يأتي إمام من أئمة الحديث إلى كتاب مشهور معتمد متداول بين الناس، فيأتي إلى هذه الأحاديث في كتاب مشهور معتمداً متداولاً بين الناس، فيأتي إلى هذه الأحاديث بنفسها وعينها فيرويها بسنده هو حتى يتفق مع المصنف المشهور كالبخاري أو مسلم، حتى يتفق معه في شيوخه أو شيوخ شيوخه أو من هم على شرطه، كما قال علماء الحديث: " أن لا يترك لقاءً أدنى إلا إذا لم يجد له طريقاً إلا في اللقاء الأعلى ".
د - الساقط من الكلام:
وأيضا في المعاني التي يستخدمونها التخريج بمعنى تخريج الساقط من الكلام من الكلام عند النسخ، لم يكن هناك في السابق طباعة ولا آلات تصوير، كما منّ الله علينا في هذه الأزمنة مع ما نحن فيه من ضعف الهمة وقلة التحصيل في العلم.. في السابق كانوا إذا أراد أحدهم أن يقتني كتاباً؛ فإنه لا طريق له إلا أن ينسخه كاملاً تاماً من أولـه إلى آخره، فعندما ينسخ الكتاب مع طول الكتاب - مع غفلة الذهن في بعض الأحيان، ومع الإجهاد والتعب في أحيان أخرى - قد يسقط منه سطر أو كلمة، فماذا يصنع؟ يعمل لها تخريجاً - يعني الإلحاق - ماذا كانوا يصنعون؟ كانوا يصنعون علامة مثل رقم سبعة، ثم إذا جعلها إلى اليسار فمعنى ذلك " انظر إلى اليسار ستجد الكلمة الساقطة في الهامش ". وإذا جعلها إلى اليمين فمعنى ذلك أنها مخرجه في الجانب الأيمن.
وربما يجعل لها تخريجاً يعني مستقلاً، إذا كان الساقط كلاماً كثيراً، فهذا أيضاً أطلق عليه علماء التخريج، والمقصود به تخريج الساقط من الكلام عند النسخ وبيان كيفية كتابته وطريقة الحاقه بالأصل وتصحيحه؛ لأنه إذا كتب الكلام في غالب الأحوال يكتب في آخره كلمه صح، أي هذا الكلام صحيحاً في هذا الموضع وينبغي أن يكون بين هذا الكلام وذاك الكلام.
المعنى العام للتخريج في اصطلاح المحدثين:
"عزو الأحاديث إلى مخرجيها من أئمة الحديث في كتبهم المسندة الأصلية مع الحكم عليها"
وهذا التعريف يشمل جانبين اثنين سيأتي تفصيل مؤخر لهما.
أولاً: معرفة مكان وجود الحديث الذي قلنا فيه عزو الحديث إلى مخرجيها.
ثانياً: معرفة درجة الحديث هل هو صحيح أو حسن أو ضعيف؟ هل هو على هذه المرتبة أو في هذه المرتبة؟
ونعود مرة أخرى إلى التعريف حتى نتبين بعض المعاني المهمة فيه.
العزو هو ما يكون فيه إحالة تفصيلية أو إجمالية، فقد نقول: " أخرجه البخاري ونمضى لا نحدد الكتاب فينصرف عند غالب العلماء وصنيع أهل العلم عند كتابه الصحيح المشهور، لكن قد تعزو فتحدِّد وتقول أخرجه البخاري في صحيحه، ثم تمضي - وقد تفصِّل أكثر - وتقول: " أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الطهارة، باب كذا وكذا "، فإذن كل ذلك ضرب من العزو، وهو الإحالة، سواء كانت مجملة أو كانت تفصيلية، كل ذلك يدخل في معنى العزو، إلى أي كتب تعزو؟ في التعريف إلى مخرجيها من أئمة الحديث، في كتبهم المسندة الأصلية، فإذا أحلنا وعزونا إلى كتب غير مسندة، فليس هذا حقيقة تخريج ولا عزو بالمعنى الاصطلاحي الذي كان مستخدماً عند المتقدمين؛ وإن كان عزواً فإنه لا يسمى تخريجا.
الكتب المسندة الأصلية
ما معنى الأصلية؟ هي التي وضعت للرواية مروية بالأسانيد وليست كتباً للجمع، فلا يدخل في هذه الكتب الأصلية مثل الكتب التي تعتني بالجمع لأحاديث ذات صفة معينة، مثل الجمع بين الصحيحين، أو كتاب يجمع فيه مؤلفه عدد من الكتب، أو الكتب المختصرة التي تقوم بحذف للأسانيد للتقريب وللتسهيل للطلاب، أو التي توصف بالموضوعية في نفس الوقت والتي وضعها بعض العلماء لما رأوا تقاعس الهمم وتقريب الحديث أو تقريب ما ينفع الناس إليهم، فصنع البغوي [مصابيح السنة] مجرداً من الأسانيد ليس فيه إلا الصحابي الراوي، وكما صنع النووي - رحمه الله - في كتابه [رياض الصالحين] على سبيل المثال.
فلا يصح أن تخرِّج حديث فتقول: " انظر رياض الصالحين باب كذا "! فهذا قصور في التخريج، والعزو لا بد إلى كتب أصلية.
كذلك لا يكون تخريج إلى كتب ليست هي أصلية في الرواية كما قد يأتي إنسان فيقول ذكره مثلاً - ابن الجوزي في تفسيره، هذا ليس بتخريج؛ لأن الأحاديث التي ذكرها ابن الجوزي في تفسيره ليست أصلية، أي ليست بالرواية ولم تكن بالرواية وذِكْر الأسانيد، وكثيرة هي الكتب العملية المختلفة في جوانب شتى من العلوم فيها ذكر للأحاديث، لكن ذكرها ليس منوطاً بأساسيات الكتب المتخصصة في الرواية الحديثية، وهذه الكتب يستثنى منها كتب المتقدمين في القرون الثلاثة الأولى؛ فإنهم كانوا يسندون في كل شيء حتى كتب الأدب كانوا يروونها بالأسانيد، وعن فلان وعن فلان أن فلانا قال.. ويذكر لك الأبيات أو القصيدة، لكن إذا عزونا حديثاً إلى كتاب فقه، وإلى كتاب تفسير أو إلى كتاب عقيدة، أو إلى كتاب كذا وكذا.. فلا يسمى ذلك عزوا؛ لأن غالب تلك الكتب لا تذكر الأحاديث بأسانيدها، ولا تشترط فيها عين ألفاظها وليست هي كتب حديثية بالمعنى المعروف على هذا النحو، ثم قد بين ذلك العلماء، منهم المناوي في فيض القدير حيث قال: "ولا أكتفى بعزو الحديث إلى من ليس من أهله وإن جل علماء المفسرين وإن كانوا في التفسر مشهورين أو المقدمين لكن هم ليسوا بالضرورة أن يكون واحد منهم في الحديث أو هو من علماء الحديث "
ثم بيّن عزو هذا الأحاديث إلى مخرجيها من أئمة الأحاديث أو مصطفى الجوامع والسنن والمسانيد والسيوطي في [مناهل الصفا] قال: وراجعت الأصول المعتمدة والجوامع.
الحكم ثمرة مهمة من ثمار التخريج، أي لو قلت لك باستثناء بعض الكتب التي اتفق على صحتها كالبخاري ومسلم، إذا قلنا: " أخرجه الإمام أحمد في مسنده " وليس في هذا ما يدل في الصحة أو الضعف أو الـحُسن، وإذا أحلنا إلى غيرهم من الكتب، سواء كانت مشهورة أو غير مشهورة؛ فإن ذلك لا يدل على معرفة درجة الحديث وهو الأمر المهم الذي نحتاج إليه.
ولذا فقد تكلم أكثر العلماء ممن اشتغلوا بالتخريج بهذا لمعنى، ومن ذلك ما قاله الإمام العراقي في تخريجه لأحاديث (إحياء علوم الدين) قال في مقدمة كتابه، عندما أشار إلى صحة الحديث أو حُسنه ثم قال: " فإن ذلك هو المقصود الأعظم عند أبناء الآخرة وعند كثير من المحدثين".
وقال ابن كثير أيضاً في تخريجه أحاديث مختصر ابن الحاجب: " ولا تتم فائدة الكتاب إلا بمعرفة سقيمها من صحتها - يعني الأحاديث - وقد أذكر سند الأحاديث لأعرف حال صحته من سقمه وما لا أعرف له سنداً بالكلية كقليل من أحاديث الكتاب سألت عنه مشايخي في الأحاديث ونبهت عليه".
وبمثل هذا القول أيضاً قال ابن المنقر في (خلاصة البدر المنير) قد بينها في الكتاب المذكور الأحاديث على حسب أنواعها من الصحة والحسن والضعف.
أيضا الشيخ محمد بن ناصر الدين الألباني أطال النفس في مسألة التصحيح في مقدمة كتابه [إرواء الغليل في شرح حديث منار السبيل] وبيَّن أن مثل هذا العصر أحوج إلى التنصيص على درجة الحديث ما يحكم عليه بالحسن والصحة والضعف أكثر مما سبق؛ لأن من سبق ربما أحلته إلى الكتاب رجع إليه فيعرف الأسانيد مما يتعلق بالصحة والضعف، وحال الرجال تطبيقاً وجرحاً، لكن في عصرنا الحاضر وعصر المتأخرين قلّ من يعرف ذلك، فاحتاج طلبة العلم وعامة الناس إلى تفصيل القول في هذا الجانب.
متى وكيف نشأ علم التخريج؟
علم التخريج من علوم الحديث المتأخرة بالنسبة لغيرها؛ وذلك لأن الحاجة إليه جاءت متأخرة أيضاً، المتقدمون من المحدثون كانوا يروون الأحاديث بأسانيدهم ويحفظون الطرق والأسانيد والاختلاف بينها، فلما صنفوا الكتب صنفوها على هذا النحو أسندوا الأحاديث وأسندوا الآثار بل وأسندوا فتاوي التابعين وأسندوا حتى أقوال الأئمة ومن جاء بعدهم، فلم يكن هناك حاجة لمن يطالعون هذه الكتاب إلى أن يبحث إلى شيء آخر، فإنما أمامه الأسانيد وعنده أسماء الرجال وعلم أحوال الرجال متوفر في ذلك العصور.
لكن لما اتسعت الدائرة اتسعت دائرة الإسلام وتوسعت دوائر التصنيف، فاحتاج الناس إلى كتب في الفقه، وكتب في العقيدة، وكتب في اللغة، وكتب في أصول الفقه، وكتب في التربية والسلوك والرقائق.. فكل من كتب في أي ضرب من ضروب العلم في علوم الشريعة واللغة لا بد وأن يستشهد بالقرآن الكريم وبأحاديث الرسول - عليه الصلاة والسلام -، ولو أن مستشهداً بآية أو حديث توسع عند استشهاده بها أو عند استشهاده ذكر المصدر والمرجع والمعنى وبيان الغريب والصحة والضعف لخرج عن مقصود كتابه، لو أنه - مثلاً - مستشهداً في اللغة على مسألة من المسائل أراد أن يقول مثلاً كما هو معلوم أن هناك لهجات العرب واللغات عما يسمون لغة: " أكلوني البراغيث " يستشهدون لها بحديث النبي - عليه الصلاة والسلام -: (يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار).
وهذه اللغة فيها يثنّى فعلوا ويجمع بناءً على تثنية الفاعل وجمعه، فإذا استشهد بهذا الحديث، ثم قال: " أخرجه البخاري بباب كذا وكذا.. و معنى يتعاقبون كذا وكذا "، فظل يشرح الحديث خرج الكتاب عن مقصود اللغة إلى أمر آخر، أو إذا كان في الفقه فذهب أيضاً يفصل في الحديث كلام عن الرجال وكذا لحصل خروج عن المقصود كذلك، فلما احتاجوا الاختصار في هذه الكتب والاقتصار على المقصود منها في العلوم، جاء بعض علمائهم بهذه الأحاديث مجردة عن التخريج مجردة عن التصحيح والتضعيف.
وكثر هذا النوع من التصنيف حتى صنف بعض العلماء بعد ذلك ما يسمى بكتب الفقه المجردة، أي التي تقتصر على المبادئ وأحكام المسائل دون ذكر الأدلة، وهذا لا يدل على أنه لم يكن عندهم أدلة تجريد، ولكن حتى يكون هناك متون تسهل حفظها من غير الدليل والتفريع، وبعد ذلك يتعلم طالب العلم ما يتعلق بالأدلة والتفصيل، ولكن ظهرت مشكلة بعد ذلك هو أنه إذا وجدت كتب في علوم شتى من لغة وفقه وتفسير.. فغيرها فيهما نصوص من حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويقرأها القارئ من غير أهل العلم بالحديث فلا يعرف موضعها من كتب السنة ولا يعرف موقعها من الصحة والضعف ولا يعرف بعض معاني غريبها ولا يعرف ألفاظ رواياتها.. فحينئذ وجدت الحاجة إلى بيان ذلك لمن أراد أن ينتفع بهذه الكتب ما دام ليس من أهل الحديث وليس من طلابه، فهو إذن لم يعرف هذا وخاصة في أمور الفقه، لو كانت المسألة أو الحكم الذي استنبطه إمام أو عالم مبني على حديث ضعيف وضعفه غير منجبر ووجد في المسألة حديث أكثر صحة يصير علمك بهذا التخريج سيجعلك تعرف أن هذا الحكم الذي قاله الإمام مرجوح وليس براجح كقول غيره الراجح على قوله، فإذن لمّـا احتاج الناس إلى ذلك بدأ العلماء يأخذون الكتب التي اشتهرت بين الناس وتداولوها كثرة وراجت بينهم، إما لجلالة مصنفيها وتقدمهم في تلك العلوم وإما لحسن تأليفهم وجودة تصنيفاتهم، لما جاءت هذه الكتب جاء بعض أهل الحديث فعمدوا إلى هذه الكتب فأخرجوا أحاديثها وفصلوا الكلام في عزوها ثم عقبوها بالكلام جرحاً وتعديلاً وتصحيحاً وتضعيفاً حتى يكتمل انتفاع كل أهل علم بكتبهم بناء على ما يستفيدون، ولذلك تنوع الكلام في علم التصنيف في علم التخريج كتب التفسير وكتب حديث وكتب الفقه وكتب العقيدة واللغة إلى غير ذلك كما سيأتي ذكر بعضه.
فوائد علم التخريج بالنسبة للحديث
أهم فائدة هي التي ذكرناها في سياق الحديث أهم فوائد علم التخريج هي:
1- معرفة درجة الحديث
2- معرفة الأخطاء بوجه عام
لأن التخريج فيه تتبع للطرق وجمع للروايات، ولذلك قال العلماء الإطلاع على علة الخبر من فوائد التخريج، لما تجمع الطرق، وكما قال على بن المديني: " الباب إذا لم يتبين طرقه لم يُجمع خطأه ".
قد يكون خطأ عند بعض الرواة أو تقديم وتأخير يظهر عنده ما نبحث عن الأحاديث وفي جمع رواياته سيظهر مثل هذا الخطأ.
3- الإطلاع على علة الخبر بانكشاف الغلط
قال الحافظ ابن حجر - رحمه الله - في كلامه استطراداً على حديث (يا أبا عمير ما فعل النغير) - حديث الطائر صنف فيه بعض العلماء كتاباً مستقلاًَ في فوائد هذا الحديث الفوائد المستنبطة فيه - قال ابن حجر في تعليقه على هذا الحديث: " الإطلاع على علة الخبر بانكشاف غلط الغالط وبيان التدليس وتوصيل المعاني وفوائد أخرى تتعلق بهذا ".
4- الإعانة على فهم الحديث
فنحن نعرف أن بعض الأحاديث فيها اختصار وبعضها رويت بالمعنى وبعضها فيه زيادة في الألفاظ تدل على توضيح المراد، وهذا كله لا يقع إلا بالتخريج إذا خرج الحديث وجمعت رواياته حينئذ يمكن فهم المعنى كله.
5- تعارض الجمع بين الأحاديث
أحياناً يظهر مسائل ظاهرها التعارض وأحاديث ظاهرها التعارض وهي غير قليلة قد جمع الإمام الطـحاوي كتاباً كاملاً فيها وسماه [مشكل الآثار] في معناها، أو فيها نوع من التعارض مـع بعض الأحاديث وربما مع بعض الآيات، فإذا جمعت الروايات أمكن أن يظهر المعنى الذي يتضح به أن هذه الأحاديث يمكن الجمع بينهما دون تعارض، لذلك قال ابن دقيق العيد - رحمه الله - قال: " إذا اجتمعت طرق الحديث يستدل في بعضها على بعض ويجمع ويظهر به المراد ".
6- الترجيح عند التعارض
إذا تعارضت الأحاديث لم نستطيع الجمع بينها، عندئذ يمكن تخريج الصحيح والضـعيف، ومنها أيضاً الكلام أو العلم بمراتب الرواة، عند هذا أيضاً يظهر لنا عندما نجمع الروايات في التخريج يظـهر الراوي الذي فيه تفرُّد والراوي الذي فيه جهالة يروي عنه الحديث أو لم يروي عنه حديثـاً وجه إلا هو إلا واحد فهو مجهول من هذا الوجه.
7- بيان أحوال المتن
عندما نجمع الروايات يظهر إذا كان في المتن إدراج أو إذا كان في المتن اضطراب أو نحو ذلك.
الفوائد العامة
أ ـ إدراك عظمة جهود علماء الأمة
ومعرفة الخير العميم الذي ساقوه إلينا عندما وضعوا هذه التصانيف وخلفوا الثروة العلمية الحديثة، التي لولا فضل الله - عز وجل - علنيا بأن هيأهم وسخرهم أن يضعوها لكنا نخبط خبط عشواء، وأضعنا شيئاً مما نفتقره إليه في أمور ديننا ودنيانا، فلو تأملنا واستعرضنا كثيراً من بعض كتب التخريج؛ فإننا نرى عجباً عجاباً وعلماً غزيراً، وحافظة غريبة، وجهداً مضنياً، وإطلاعاً واسعاً، ودقة متناهية و تحرياً مفرطاً.. نرى صورة من الصور التي ينبغي أن نستفيد منها، نشكر علمائنا وأئمتنا ونعرف لهم قدرهم وحقهم ونستفيد من ذلك فائدة، أن ننسج على منوالهم وأن نسير على آثارهم، وأن يكون فينا بعض ما كان عندهم من جهد وهمة وإخلاص وبحث ليس كما يحصل الآن، كل يوم تقذف المطابع بكتب جديدة ليس فيها الا جمال الألوان وحسن العنوان وبعض الفوائد القليلة التي تكررت في كتب غيرها. وربما وجدنا بعض الكتب فيها من المعلومات وما هو خطأ من الناحية العلمية؛ لأن صاحبه لم يكلف نفسه ليصل إلى المعلومة الصحيحة.
ب ـ ضرورة الاعتماد على الدليل
وهذه منهجية عامة عند المسلمين، فان المسلم لا يقلد دينه للرجال فضلاً على أن يقلد دينه للهوى والمزاج والظروف، كما نسمع اليوم كل من جاءته مسألة في ضرورة الأحكام كل من عرضت له هذه المسألة استشهد على الفتوى استشهاداً باطلاً، وليقول بعد ذلك، قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لوابصة بن معبد: (استفت قلبك وإن أفتاك الناس وأفتوك)
فكثرت فتاوي القلوب الضالة يكون القلب ضالاً مشرئباً بالأهواء، مليئاً بالسواد والظلمة.. فما تأتي فتوى منه الا فتوى إنحراف.. كذلك نسمع اليوم ساعة لقلبك ولضرورات الأحكام، والإسلام دين العصر وكذا، أين آثارك من آيات القرآن أين دليلك من أحاديث المصطفى - صلى الله عليه وسلم - لا شيء من ذاك، بينما العلماء يعلموننا بهذا العلم أننا وان استشهدنا بحديث لرسول الله أو بأثر عن صحابي من الصحابة فاننا لا نقنع لمجرد أن ياتينا به، بل نفصل القول لمصدره وفي طريقه وفي ألفاظه وفي معانيه وفي درجة صحته أو ضعفه أو إلى غير ذلك مما هو معلوم.
فهذه منهجية تاهت أو ضاعت أو ضعفت في واقع مجتمعنا اليوم بين عامة الناس بل حتى بين بعض أو كثير من طلبة العلم، فهذا العلم بين لنا أن هذا المحور مهم ولابد منه.
كتب التخريج
أهم كتب التخريج هي الكتب التي عنيت بكتب الفقه، فكتب الفقه الذي خرج العلماء أحاديثها هي أهم كتب التخريج وذلك لأن الفقه هو الذي عليه مدار حياة الناس، والتي تبين أحكام الوضوء والطهارة والغسل والجنابة والزكاة والصوم، فعندما يرجع علماء الحديث إلى هذه الكتب يجدوا فيها الأدلة فما حجه هذه الأدلة أين مواضعها، لذلك أكثر كتب التخريج كانت كتب التخريج كانت متعلقة بكتب فقهية وهي أكثر كتب التخريج شهرة وأوسعها من الناحية العلمية، بعد ذلك كتب تخريج مصادر التفسير، وبعد ذلك كتب تخريج للعلوم الأخرى مثل التربية والسلوك وأصول الفقه وأحاديث اللغة، يعني لو استشهد مستشهد على مسألة لغوية بحديث فيه ضعف ماذا يحصل؟ ليس هناك مشكلة حلال أو حرام لغوية، إضافة إلى أنه أحياناً عند النحويين إذا جاء في المسألة فقال: في المسألة قوله فكان فيها رفع لموضع نصب، قال راداًَ لك: المسألة فيها قولان، وإذا نصب في موضع فيه الرفع قال لك المسألة فيها قولان، فهم يحسنون تخريج أنفسهم من الورطات بما وقع من الاختلاف من أئمة اللغة وليس الأمر مهم من ناحية تخريج الحديث.. لذلك قل فيه التصنيف وقل اهتمام للعلماء، لكن كتب الفقه التي فيها حلال وحرام والواجب والمندوب والمكروه هي التي عليها العمدة.
أولاً: كتب الفقه
من الكتب المختصة بالمذهب الحنفي
[نصب الراية لأحاديث الهداية]
كانت كتب الفقه دائرة في كثير منها على المذاهب الفقهية التي اشتهرت بين الأئمة والمذاهب الأربعة فقد كان التصنيف أيضاً على هذا النحو، هناك كتب تخريج عنيت بأحاديث كتب الفقه الحنفي، وكذا كتب الفقه الشافعي والمالكي والحنبلي أيضاً، من أشهر الكتب في ذلك وأكثرها توسعاًً وإفادة كتاب [نصب الراية لأحاديث الهداية] ومؤلفه جمال الدين عبد الله بن يوسف الزيلعي - متوفى سنه 762 هـ - وهو أحد أعلام علم التخريج المشتهرين، وكتبه أصبحت عمدة في هذا التصدير الغني، ودار عليها كثير من العلماء داروا عليها ونقلوا منها ولخصوها وغير ذلك مما سرد بعض منه.. الكتاب الأصلي "كتاب الهداية للإمام المغناني الحنفي"
وهذا الكتاب لماذا اختاره الزيلعي؟ حتى يخرج أحاديثه اختار هذا الكتاب؛ لأن هذا الكتاب كما قلنا مما اشتهر واعتمد في مذهب الحنفية وصار من الكتب المهمة عندهم، فلذلك اعتنى به وجاء ليخرج أحاديثه وسمى الكتاب كما قلنا [نصب الراية] هذا الكتاب اشتهر حتى ألفت كثير من الكتب شرحت هذا الكتاب ودارت حوله ونسجت على أحواله نسجاً وتشريحاً وتفصيلاً كتب كثيرة في فقه الحنفيه، فلما اشتهر وصار كتابا مرجعيا يأخذ الناس عنه جاء الزيلعي فخرَّج أحاديثه، ومزايا هذا الكتاب كثيرة جداً.
منهج كتاب نصب الراية
يأتي للكتاب الأصلي الذي هو الهداية، فيقرأه كلما جاء إلى حديث أو أثر أخرجه وكتبه، ثم تكلم عليه فلن تجد فيه كلام إنما تجد في هذا الكتاب نصوص وأحاديث وآثار والكلام عليها.
من المزايا العامة للتخريج
الميزة الأولى: التوسع في استيعاب الرواة من الصحابة
إذا جاء حديث مكتوب في الحديث ثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يمسح على الخفين وليس مذكوراً الراوي، فيقول هنا الزيلعي قيل 70 من الصحابة وقيل 40 من الصحابة قالوا إنا نذكر ممن بلغني العلم به من هذه الروايات، ثم ظل يذكر روايات هذه الحديث من الصحابة حتى ذكر تخريج هذا الحديث عن 43 صحابياً، يقول: " روى هذا الحديث عمر، ومن عمر أخرج كذا وكذا وكذا " إذن يجمع ويستقصي من روى هذا الحديث من الصحابة.
الميزة الثانية: التوسع في ذكر المصادر
فيذكر كتب الأصول كالكتب السنة والمسانيد والمعاجم والأجزاء، ويذكر الكتب المصنفة في المواضيع المخصصة كالزهد والجهاد أو غيرها، فتجد أنك تقف من خلال تخريجه على وجود حديث في عشرات من الكتب والمصادر المتقدمة في العصور الأولى والكتب للعلماء ممن جاء بعد المتقدمين.
الميزة الثالثة: يسوق الراويات والأحاديث إما بأسانيدها كاملة وإما بجزء من الإسناد
وهذا هو المهم في معرفة ما يتعلق برجال الحديث، إما أن يسوق الحديث كله، وإما أن يسوق جزء من الإسناد، وهو الذي يحتاج إليه في الكلام على رجال الحديث الأمر.
الميزة الرابعة: يحرص على جمع ألفاظ الحديث والروايات المختلفة التي جاء بها الحديث
الميزة الخامسة: يذكر ما يتعلق برجال الحديث جرحاً وتعديلاً
فيصدر من خلال ذلك في أغلب الأحيان الحكم بصحة الحديث أو ضعفه، ولا يكتفى بذلك بل يتعرض للتضعيف والتصحيح بنقد المتون، فيذكر الاضطراب ويذكر ما يكون في الإشكال في الحديث وغير ذلك من الأمور، ويتعرض حتى للناسخ والمنسوخ مما يفتقر في معرفة ثبوت الحديث وصحة أخذ الحكم منه أو ضعفه، بل لا يكتفي بذلك بل يتعرض للتضعيف والتصحيح بنقد المتون منه.
الميزة السادسة: ذكر الأحاديث المستأنسة في نفس الباب
بعد ذلك ماذا يصنع الإمام الزيلعي - رحمه الله - بعد أن يخرج هذا الحديث من المزايا كله يعقد فصلاً صغيرا يقول: " وفي الباب أحاديث " أي أن هناك أحاديث تدل على المعنى نفسه، ويستنبط منها الحكم مثل الذي كان يستنبط منها صاحب الهداية، فيذكر هذه الأحاديث ويخرجها على نفس النسق السابق.
الميزة السابعة: ذكر أحاديث الخصوم
والخصوم بهذا الاصطلاح يعني به أحاديث المذاهب الأخرى، هذه مسألة - مثلا - قالها الأحناف بالجواز، أو مثلاً قالوا فيها بمسألة الفجر يقولون هم بالإسفار أي تأخير الفجر إلى وقت الإسفار، وغيرهم يقولون بتغليس، أي تقديم الفجر في وقت الظلمة، فيأتي فيقول: " حديث الخصوم من مالكية وشافعية وحنابلة وغيرهم، فيذكر أحاديث ويخرجها بنفس الطريقة السابقة فأصبح الكتاب حينئذ موسوعة تخريجية للأحاديث المستشهد بها في الفقه على المذاهب الأربعة.. وكان في هذا الكتاب منصفاً غاية الإنصاف، فإذا كان الحديث صحيحاً عند المذهب الشافعي وضعيف عند المذهب الحنفي لا يصحح حديث الأحناف؛ لأنه حنفي، ويضعف حديث الشافعي لأنه ليس بالشافعي كلا، وإنما رجح كثيرا من الأحاديث التي تخالف كتاب الحنفية وضعف أيضاً كثير من الأحاديث التي يستشهد بها عند مذهبهم. وكان في كل ذلك على أدب جمّ، وأسلوب حسن في عرض هذه المسائل العلمية، وليس في وقتنا ولا أظنه مفيداً أن نستعرض أمثلة؛ لأنها لا تتضح.
الميزة الثامنة: استيعاب جميع أحاديث الكتاب الصريحة أو المضمنة:
استخرج الزيلعي جميع ما في كتاب الهداية من الأحاديث سواء كانت مرفوعة أو غير مرفوعة، أو ما ذكر صراحة أو إشارة، فأي حديث أو شيء منه في هذا الكتاب أخرجه.
الميزة التاسعة: ورود أقوال كثيرة للعلماء من كتب غير موجودة
كان الكتاب متضمناً أقوالاً كثيرة من العلماء وردت في كتبهم، وهذه الكتب لم تعد اليوم بين أيدينا.
لخص الإمام ابن حجر - رحمه الله - هذا الكتاب وسماه [البداية في تخريج أحاديث الهداية] وعندما يلخِّص العالم والإمام كتاباً؛ فإنما يشهد ذلك لأهمية ذلك الكتاب ولحسنه وعظمة فائدته، وأراد أن يقربه ابن حجر - رحمه الله - ففعل مثل ذلك الكتاب أو غيره من الكتب، وقال في مقدمة كتابه: " فإنني لما لخصت تخريج الأحاديث الذي تضمنها شرح الوجيز للرافعي، وجاء اختصار جامعاً لمقاصد مع مزيد كثير مما كان ما رجعت عليه تخريج للزيلعي، فسألني بعض الأحباب الأعزاء أن ألخص الكتاب الآخر لينتفع به أهل المذهب كما انتفع أهل المذهب الحنفي! فأجبته إلى طلبه ".
وعندما نقول لخص ابن حجر، لا يعني أن ابن حجر كان مجرد ناسخ ينقل أو كما يحصل الآن في تلخيص الكتب يكتب سطر بدل سطر ويقول لخصت الكتاب، وتلخيص العلماء علم وتلخيص الكتب كتب جديدة؛ فإنه قد ذكرت المصادر أنواع التصنيف أنها على سبع أضرب ومنها تلخيص الكتب وليست تلخيص أي شيء، فالتلخيص إنما هو علم، ولهذا كان ابن حجر - رحمه الله - مفيد في هذا الكتاب زاد بعد التخريجات وتوسع، وذكر على بعض الأحاديث الذي لم يحكم إليها الزيلعي وتفقد الزيلعي في بعض ما وهم فيه أو أخطأ فيه، وأضاف بعض الأبواب والأحاديث التي في الهداية كما صنع لكتاب الفرائض في آخر الكتاب.
من الكتب المختصة بالمذهب الشافعي
1 ـ خلاصة البدر المنير تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في الشرح الكبير للرافعي
وهو من تأليف سراج الدين بن عمر بن علي الملقّم المتوفي سنه (804) هـ
وهذا الكتاب مختص بتخريج الأحاديث الشافعية، له كتاب كبير ومشهور جداً عند الشافعية وهو الشرح الكبير شرح به كتاب [الوجيز] للغزالي، والغزالي له كتب ثلاثة في فقه الشافعي الوجيز والوسيط والكبير، والوجيز شرحه الرافعي ويسمى بالشرح الكبير وصار عمدة للشافعية وكثير من العلماء من قام بتخريج أحاديث هذا الكتاب من أشهر هذه الكتب كتاب [البدر المنير] للملقم، وهو أصل خلاصة [البدر المنير]، توسع فيه كما توسع الزيلعي - رحمه الله -، فلما وجد الكتاب طويلا لخّصه وسماه: [خلاصة البدر المنير]، هذا الكتاب مطبوع بملحقين بتحقيق الشيخ حمدي السلفي والراضي.
وكتاب مطبوع بمجلدين قال فيها بن الملقم في المقدمة يقول الكتاب المذكور - يعني كتاب البدر المنير - الكتاب الأصلي قال: " اشتمل على زبد التأليف والحديث.. أصوله وفروعه وقديمه وحديثه فائدة على مئة تأليف نظرتها وعددتها فيه، أرجو أن باحثه ومحصله يلتقي بأئمته الكبار ولا يفوته المحتاج إلا القادر ".
نذكر مثالاً مختصراً؛ حتى ندرك بعض الأمثلة في كتب التخريج حديث هو: " الطهور ماءه الحل ميتته "
قال ابن الملقم: " رواه مالك والشافعي وأحمد والدارمي والأربعة - أي أصحاب السنن الأربعة - والدارقطني والبيهقي والحاكم، ورواية أبي هريره قال الترمذي: حسن صحيح، وسألت البخاري عنه قال حديث صحيح، وصححه ابن خزيمة وابن حبان ورجح ابن منده صحته، قال البيهقي: فيه خلاف، وإنما لم يخرجه الشيخان في صحيحهما لأجل اختلاف وقع في اسم سعيد بن سلمه.. قال الحاكم: مثل هذا الحديث الذي تداوله الفقهاء من في عصر الإمام مالك إلى وقتنا هذا لا يرد بجهالة هذين الرجلين وهي مرفوعة عنهما بتتبعات بأسانيد، وقلت: وليس بمجهولين كما حررناهما في الأصل الكتاب ".
فانظر كم كتاب ذكر!
ميزة الزيلعي - رحمه الله - في هذا أنه لا يقول رواه مالك فقط، يقول: رواه مالك في كتاب كذا وكذا حتى تستطيع أن تصل الكتاب في مكانه الصحيح.
2 ـ تلخيص الحبيب في تخريج أحاديث الرافعي الكبير
وهو من تأليف شيخ الإسلام ابن حجر - رحمه الله -، وهو مختصر للكتاب السالف الذكر خلاصة البدر المنير، يقول فيه ابن حجر في تلخيصه أنه وقف على تخريج أحاديث كثيرة، [شرح الوجيز] للإمام أبي القاسم الرافعي - رحمه الله -، يقول وقف على تخريجات كثيرة قال فيها الإمام أبو أمامة النقاش وعز الدين - الذي ذكرناه - والزركشي، وعند كل منهم فوائد ليست عند غيره ونظر إلى كل هذه الكتب لخص ما فيها في كتاب سماه: [تلخيص الحبيب في تخريج أحاديث الرافعي الكبير]؛ فإن المتقدمين لم يكونوا لهم فيها تصنيف لا أعرف من المتقدمين ممن اعتنى بالإفراد، ابن عبد البر بن عبد الله في التمهيد على الموطأ ذكر كتب أحاديث الموطأ، والكلام على رجالها أو أصلها ونحو ذلك وما هو مفيد ويعد كلامه في بابه، لكن ما صنف باستقلال حصل من بعض المتأخرين من المعاصرين، فرأوا ذلك النقص في تخريج كتب الفقه الخاصة بمذهب الحنابلة أو المالكية، فصدر في هذا الباب فيما يختص بالمذهب الحنبلي: [إرواء الغليل في تخريج منار السبيل] للشيخ ناصر الدين الألباني، وكتاب [منار السبيل] للشيخ بن بويان ومنار السبيل أصلاً شرح الدليل للكرخي.
[منار السبيل] كتاب للفقه الحنبلي، وجاء الألباني وخرج أحاديثه، وهذا الكتاب من أصول الألباني؛ لأن الألباني في كثير من كتبه يحيل لكتبه الأخرى له، فقد تأتي إلى صحيح ابن ماجه يقول لك ارجع إلى السلسلة الصحيحة!
أكثر كتب الألباني تخريجاته وتعليلاته [إرواء الغليل] و[السلسلة الصحيحة] و [السلسلة الضعيفة] وكثير من الكتب الأخرى على وجه الخصوص، والحقيقة أن كتاب [إروءا الغليل] كتاب فيه نفس حديثي طويل ضاهى به الألباني - حفظه الله - ما كان من علماء الحديث المتقدمين وتوسع توسعاً كبيراً، ورجع للكتب المطبوعة، ونقّب في الكتب المخطوطة، واستند إلى فهارسها التي اصطفاها يوم عكف عكوفاً طويلاً في المكتبة الظاهرية، وأخرج فهرسة للكتب الحديثية الموجودة في المكتبة الظاهرية، فتصفح هذه الكتب ووضع فهارس لأحاديثها، وهذه الفهارس عندما كانت عنده استطاع أن يعزو إلى كتب كثيرة غير متداولة بين الناس، فانتفع بذلك وجاء كتابه واسعا، وقدم مقدمة إضافة يضيق المقام عن ذكرها، لكن فيها فوائد كثيرة، وكان في كتابه شبه قرب من بعض ما عند الزيلعي - رحمه الله - لأن الألباني يضيف بعد التخريج أيضاً يقول: " في الباب كذا وكذا وكذا ويخرج أحاديث أخر في معنى حديث الباب ويفصل القول تفصيلاً حسناً.
وأما المالكية فقد صنع أحد طلبة العلم المتأخرين رسالته العلمية في درجة الدكتوراة [تخريج أحاديث مالك في المدونة] وهو من تأليف الطاهر محمد الدرديري، والمدونة من تأليف الإمام حسنون أشهر التلاميذ، رواه الحافظ في مذهب الإمام مالك، والمؤلف الطاهر محمد الدرديري من المغرب - والمغرب على مذهب الإمام مالك - فجاء إلى هذه المدونة - وهي من أشهر كتب المالكية - فاستخرج أحاديثها وخرجها، وطبعاً كونه من المتأخرين أحسن العرض في هذا الحديث، ثم يقول ثم يتكلم إذا كان الحديث مذكور في بابه يقول بيان رجاله، ثم يقول بيان درجة الحديث فترتيبه واضح ومادته جيدة مفيدة ورائعة.
وبهذا ذكرنا كتاب في كل مذهب من المذاهب، وأكثر كتب المذاهب التي خرجت أحاديثها كتب مذهب الشافعي، وهناك كتب كثيرة منها [تحفة المنهاج] لابن الملقن، وكتب أخرى كثيرة لا مجال لذكرها، الذي ذكرته هو المشهور المتداول بين الناس.
ثانياً: كتب اللتفسير
وتعتبر كتب تخريج أحاديث مصادر التفسير من الأهمية بعد كتب الفقه، من حيث الاحتياج العملي للأحاديث الواردة في التفاسير، مما يحتاج لمعرفتها وصحتها وضعفها خاصة، وأن هذه الكتب تتوسع قليلا في ذكر الأحاديث فتورد أحاديث ضعيفة وغريبة وربما بعضها موضوعة أيضاً، وأكثر الكتب المشتهرة والتي طبعت الآن وتتداول بين الناس نذكر منها كتابين.
1) الفتح السماوي لتخريج أحاديث تفسير القاضي البيضاوي
والقاضي البيضاوي له تفسير اسمه [أنوار التنزيل] جاء زين الدين المناوي المتوفي سنه 1031 هـ صاحب [الفيض القدير] خرّج أحاديث الفتح السماوي، ويأتي ترتيب الكتاب على نفس ترتيب الأصل، ويبدأ بسورة الفاتحة يذكر ما فيها من الأحاديث والآثار ويخرجها حديثاً حديثاً أثراً أثراً، إلا أنه كان في كتابه متميزاً بالآتي:
أولاً: مقتصراً على طرف الحديث أو الأثر
لا يذكر الحديث كله يذكر أوله ثم يبدأ في تخريجه، فتحتاج إلى معرفة الحديث حتى ترجع إلى الكتاب الأصلي وهذا يقلل الإستفادة من الكتاب.
ثانياً: أنه كان مختصراً جداً في التخريج
فلا يتوسع في التخريج ولا يفصل فيه ويقتصر ويقول: " أخرجه أحمد في مسنده، أو أخرجه مثلا - أبو داود والترمذي.. " لا يذكر الكتاب ولا يقول الباب ولا يحدد الموضع، وترك في كثير من الأحاديث الكلام على الصحة والضعف، وأيضا كان في أكثر ما تكلم فيه عن الأحاديث من الصحة والضعف ناقلاً نقلاً واضحاً عن كتاب ابن حجر الذي لخصه عن الزيلعي، فكان ينقل الحرف الواحد وإنما قال ابن حجر، وربما قال لا يقول ابن حجر، والكتاب على كل حالٍ مفيد؛ لأنه جمع كثير من الروايات والأحاديث المذكورة في كتاب البيضاوي وفاته كثير من الآثار لم يخرجها.