بسم الله الرحمن الرحيم
للحديث الضعيف أثره الواضح على الثقافة الإسلامية، و قد تبَدَّى ذلك جلياً ـ وتجاوز حده ـ عند المدارس الفكرية المعاصرة، و الاتجاهات الحديثة العاملة في ميدان الدعوة إلى الله، نسأل الله أن يوفق الجميع للعمل بهدي النبي - صلى الله عليه وسلم - و صالح سلف الأمة و البعد عن الهلكة وحفرة النار، لما روى الثقات عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال (من قال علىّ ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار) و لما روي عن أبي بكر بن سالم عن سالم عن بن عمر رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (إن الذي يكذب عليّ يُبنى له بيت في النار)
و من يتابع ما يصدر من مؤلفات إسلامية حديثة، أو مواضيع في أعمدة الصحف السيارة أو الدوريات أو الأشرطة المشتملة على المواعظ و الفوائد، و كذا نداءات بعض المتوجعين على الدين و أهله الذين يتحدثون في الأجهزة الإعلامية، أو من فوق المنابر، يتبين للمتابع ـ خاصة من يوفقه الله ـ أن في هذا الكم الدعوي الكبير عدم العناية بشروط بث و أداء الحديث الضعيف بعد تحمله، أو فقدان الدقة، غافلين أو متغافلين عاقبة رواية الحديث شديد الضعيف، و أثر أشواكه و مرارة ما يترتب على ذلك على الأجيال، و ما وقع مرة يقع مرات، وما سبب بُعد الفرق المنحرفة عن الجَّادة إلا لأخذهم بالحديث الموضوع و الكذب المختلق المصنوع، فخذلهم الله عن الحق و ساروا في دروب شديدة الظلام، وكثيرون سقطوا في بئر الحديث الكذب و بنوا على ذلك "قِباباً" من الوهم و الخرافة، من قطبية و وتدية و مجلس شورى الحضرة النبوية، و القوسية و الهلامية و المنامية، و البدلاء، و المّعّتِيه و المجانين و الدراويش.... الخ
و سلك بعض إخواننا الدعاة مجهدين أنفسهم في تبليغ الدين الحق ـ وفقهم الله ـ مسالك خطرة في رواية الحديث الضعيف و قد يبلغ بهم ـ من غير احتراز في بعض الأحيان ـ أن يروا الأحاديث الموضوعة، أو الهالكة أو شديدة الضعف. فناسب أن نذكّر أنفسنا و إخواننا الدعاة، بأن سلف الأمة بقدر ما كانت عنايتهم و حرصهم على تبليغ دعوة التوحيد و تثبيت الأمة عبر تاريخها على العقيدة السليمة، و حماية جانب الأدلة من أن يدخل في الأصلين الكتاب و السنة ما ليس منهما، من كلام البشر مما هو من الحكمة و الموعظة ثم يُنسب و يُجعل من كلام النبوة خالياً من ربانيتها و نورها. لقد كانت عناية السلف بدقائق علوم الحديث فائقةً، ودقتهم في تحمله و أدائه شهد بها الأعداء قبل الأصدقاء، و تراث الأمة الإسلامية العظيم ما نال هذا التبجيل و التعظيم إلا لذلك التثبت و التحقق من صدق الدليل، فلا ينبغي للدعاة المعاصرين التفريط في المنهج الحق و لا يحسن منهم قصر العناية عنها، و صب عنايتهم على جوانب دونها، و إنما نَهتَدي في سيرنا بالدعوة إلى الله بما كان عليه سلف هذه الأمة من التقيد في الرواية بالقيود و القواعد المتفق عليها في علوم القرآن الكريم و السنة المطهرة. و قد اشتهر على ألسنة النابهين: (كل خير في اتباع من سلف وكل شرا في ابتداع من خلف).
و مما تميزت به ثقافة هذه الأمة المرحومة أمة المعصوم - صلى الله عليه وسلم - أنها أمة السند المتصل النظيف، فقد جعل السلف السند الهم الأكبر، و رتبته الأولى، قبل النظر في متن الحديث و معناه، قال العلامة عبد الله بن المبارك: (الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء)، وقال سفيان الثوري: (الإسناد سلاح المؤمن، فإذا لم يكن معه سلاح فبأي شيء يقاتل.)
بل ذهب كبار العلماء المحدثين و الفقهاء إلى منع وعدم إجازة الرواية عن طريق الإجازة كطريق من طرق تحمل السنة المطهرة، وعدم التعويل عليها، وذلك من التحري الشديد في أمر كلام رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، و حجتهم بينة و واضحة حيث أن الشيخ المجيز غير محيط بجملة ما في الكتاب المجاز للطالب، و شرطوا أن يقول التلميذ المتحمل للحديث عن الإجازة قرأت على فلان أو أخبرني أو حدثني، قراءة عليه قال في إرشاد الفحول: (وأما إطلاق أخبرني أو حدثني بدون تقييده بقوله قراءة عليه، فمنع من ذلك جماعة منهم ابن المبارك ويحيى بن يحيى وأحمد بن حنبل والنسائي لأن ظاهر ذلك يقتضي أن الشيخ هو الذي قرأ بنفسه. وروي عن الشافعي وأصحابه ومسلم بن الحجاج صاحب الصحيح انه يجوز في هذه الطريقة أن يقول: اخبرنا ولا يجوز أن يقول حدثنا قال الربيع قال الشافعي إذا قرأت على العالم فقل أخبرنا وإذا قرأ عليك فقل حدثنا.)
و تعريفُ الحديث الضعيف المردود: "هو الذي لم يرجح صدق المخبر به" وأسباب ضعف الحديث و تخلفه عن ركب الصحيح فقدان شرط أو أكثر من شروط الحديث الصحيح أو الحسن، قال الإمام العراقي: (كل حديث لم يجتمع فيه صفات الحديث الصحيح، ولا صفات الحديث الحسن، فهو حديث ضعيف) ويكون ذلك إما بقطع في السند، أو طعن في الراوي، و في البيقونية
ومنكر الفرد به راوٍ غدا ** تعديله لا يحمل التفردا
أو الشذوذ، و في البيقونية
و ما يخالف ثقة فيه الملا ** فالشاذ و المقلوب قسمان تلا
أو العلة، إلا إذا جُبر من طريق آخر، إذا كان صالحًا للجبر.
قال الإمام النووي: (إذا رأيت حديثًا بإسناد ضعيف، فلك أن تقول: هو ضعيف بهذا الإسناد، ولا تقل ضعيف المتن لمجرد ضعف ذلك الإسناد، إلا أن يقول إمام لم يرو من وجهٍ صحيح، أو إنه حديث ضعيف مفسرًا ضعفه)
و قد تناول العلماء - رحمهم الله - تعالى - الفرق بين الحديث الذي يقطع به العضو، و يستباح به الفرج أو يحرم، و بين الأحاديث التي لا تصلح و لا تعتمد في الحلال والحرام، قال الإمام اللكنوي: «وليعلم أن الأحكام وغير الأحكام، وإن كانت متساوية الأقدام في الاحتياج إلى السند - وما خلا عن السند فهو غير معتمد ـ إلا أن بينهما فرقًا من حيث إنه يشدد في أخبار الأحكام من الحلال والحرام، وفي غيرها يقبل الإسناد الضعيف بشروط صرح بها الأعلام» كل ذلك يدل على اليقظة الشديدة في التعامل مع الحديث الضعيف، و عدم التساهل في أمره، و جعله كالحديث الصحيح، لا بد من التمييز الشديد، لما بينهما من الفرق الشاسع. قال الإمام النووي في الأذكار: «قال العلماء من المحدثين والفقهاء وغيرهم: يجوز ويستحب العمل في الفضائل والترغيب والترهيب بالحديث الضعيف ما لم يكن موضوعًا، وأما الأحكام كالحلال والحرام، والبيع، والنكاح، والطلاق، وغير ذلك، فلا يعمل فيها إلا بالحديث الصحيح أو الحسن، إلا أن يكون في احتياط في شيء من ذلك»، و قد نقل عن الكبار الكثير من العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال مما يدل على اهتمام السلف بالتأصيل و التقعيد و شدة العناية بالرواية و البث للسنة المطهرة، قال الإمام أحمد - رحمه الله -: (إذا روينا في الحلال والحرام شدَّدنا، وإذا روينا في الفضائل ونحوها تساهلنا) قال النووي: «ويجوز عند أهل الحديث وغيرهم التساهل في الأسانيد ورواية سوى الموضوع من الضعيف، والعمل به من غير بيان ضعفه في غير صفات الله - تعالى - والأحكام، كالحلال والحرام، ومما لا تعلق له بالعقائد والأحكام» قال الإمام السيوطي، شارحًا لقول الإمام النووي السابق: «لم يذكر ابن الصلاح والمصنف النووي - هنا وفي سائر كتبه لما ذكر، سوى هذا الشرط وكونه في الفضائل ونحوها» «وذكر الإمام ابن حجر له ثلاثة شروط: أحدها: أن يكون الضعف غير شديد، فيخرج من انفرد من الكذابين، والمتهمين بالكذب، ومن فحش غلطه، نقل العلائي الاتفاق عليه. الثاني: أن يندرج تحت أصل معمول به. الثالث: أن لا يعتقد عند العمل به ثبوته، بل يعتقد الاحتياط) يقول الإمام الزركشي: (الضعيف مردود ما لم يقتض ترغيبًا أو ترهيبًا، أو تتعدد طرقه، ولم يكن المتابع منحطًا عنه، وقيل لا يقبل مطلقًا، وقيل: يقبل إن شهد له أصل، واندرج تحت عموم.. » .