بسم الله الرحمن الرحيم
السؤال :
وجـدت الحديث التالي وأريد أن أعرف معناه ومدى صحته من إحدى المنتديات عن أبي هريرة رفعه قال : ((كلم الله هذا البحر الغربي ، وكلم البحر الشرقي ، فقال للغربي : إني حامل فيك عباداً من عبادي ، فكيف أنت صانع بهم ؟ )) قال أغرقهم قال : بأسك في نواحيك ،وحرمه الحلية والصيد وكلم هذا البحر الشرقي ، فقال : إني حامل فيك عباداً من عبادي ، فمـا أنت صانع بهم ؟ (( قال : أحملهم على يدي ، وأكون لهم كالوالدة لولدها ، فأثابه الحلية والصيد . ثم قال لا تعلم أحداً )) جزاكم الله خيراً .
الجواب :
الحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه . أما بعد :
أولاً : الحديث موضوع مكذوبٌ على النبي -صلى الله عليه وسلم- ، لا تجوز نسبته إليه -صلى الله عليه وسلم- بحالٍ من الأحوال .
وبيان ذلك أن الحديث باللفظ الذي ذكره السائل أخرجه البزار في مسنده (كما في كشف الأستار عن زوائد البزّار : 2/265 – 266 رقم 1669) ، من طريق عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر ، عن سهيل بن أبي صالح ، عن أبيه ، عن أبي هريرة مرفوعاً إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- ثم قال البزّار عقبه : "تفرّد به عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة : عبدُ الرحمن ، وهو منكر الحديث وقد رواه سهيل ، عن النعمان بن أبي عياش ، عن عبد الله بن عمرو موقوفاً)) .
فهنا قد بيَّنَ البزار سببَ ردِّ الحديث :
فهو من جهة : يرويه رجلٌ متهم بالكذب هو عبد الرحمن بن عبد الله العمري حتى قال الإمام أحمد (كما في العلل ومعرفة الرجال : رقم 4364): " أحاديثه مناكير ، كان كذّابا ً" ، وكفى بمن كذّبه الإمام أحمد – على ورعه وإنصافه – سوءاً .
ولذلك أنكر هذا الحديث عليه عامّة أهل العلم : كالعقيلي في الضعفاء (2/748)، وابن حبـّان في المجروحين (2/53-54) ، وابن عدي في الكـامل في معرفة ضعفاء المحدّثين (4/277) ، وابن الجوزي في العلل المتناهية (رقم 33) . بل إن ابن عدي لما أورده ، قال بعد إيراده : "هو أفـظعُ حديثٍ أُنكر عليه" .
ثم هو من جهةٍ أخرى إنما يُروى من حديث عبد الله بن عَمرو بن العاص عن كعب الأحبار ، أو من حديث عبد الله بن عَمرو من كلامه لا يرفعه إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- . (كما تراه في المصادر الأتيه : السنن لسعيد بن منصور (رقم 2389) ، وتـاريخ بغداد للخطيب (10/ 233، 235) ، والعلل المتناهية لابن الجوزي (رقم 35، 36) .
وهذا يعني أن الحديث من الإسرائيليات ، إمّا أن عبد الله بن عَمرو بن العاص أخذه عن كعب الأحبار ، وهو من علماء اليهود الذين أسلموا وحَسُنَ إسلامهم ، فكانت تُنقل عنه بعضُ أخبار كُتُب أهل الكتاب .
وإما أن عبد الله بن عَمرو أخذ هذا الخبر عن كتب بني إسرائيل مباشرة ، وإلى ذلك مال ابن كثير في كتابه (البداية والنهاية1/52) وبهذا نعلم أن هذا الحديث إنما هو من الإسرائيليات، وهي الأخبار عن التوراة والإنجيل وغيرهما من كتب اليهود والنصارى. والمسلمون يؤمنون بأن الله ـ عز وجل ـ أنزل التوراة على موسى عليه السلام والإنجيل على عيسى عليه السلام وأنزل كُتباً أخرى على أنبيائه عليهم السلام ، بل هذا أحد أركان الإيمان عند المسلمين ، كما قال تعالى: "آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كلٌ آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحدٍ من رسله"، وقال -صلى الله عليه وسلم- لما سأله جبريل عليه السلام عن الإيمان: "أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشرِّه" أخرجه مسلم (8) من حديث عمر ، لكن كما يؤمن المسلمون بذلك، ولا يصح إيمانهم إلا به، فإنهم يؤمنون كذلك أن هذه الكتب قد حُرّفت وبُدِّلت ، وأعظم ما حُرِّف فيها عقيدة التوحيد ، كما قال تعالى: "وقد كان فريقٌ منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون" وقال سبحانه : "فويلٌ للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمناً قليلاً فويلٌ لهم مما كتبت أيديهم وويلٌ لهم مما يكسبون" وقال عز وجل: " من الذين هادوا يُحرّفون الكلم عن مواضعه"
ومع ذلك كُلِّه فلأن هذا الدين دين الله عز وجل ، فقد جعل الله تعالى العَدْل واحداً من أعظم خصائصه "وتمّت كلمةُ ربِّك صدقاً وعدلاً لا مُبدّل لكلماته وهو السميع العليم " وقياماً بفريضة العدل والإنصاف وبناءً على الأدلـة التي جاءت في موضوع الإسرائيليات، وبملاحظة واقع هـذه
الإسرائيليات فقد قسم العلماء الإسرائيليات إلى ثلاثة أقسام :
الأول : ما نؤمن بمضمونه ونصدّق به ، وهو ما وافق القرآن والسنة ونحن في هذا القسم مُستغنون بما لدينا عمّا لديهم .
الثاني : ما نكذُبه ونقطع بتحريفه ، وهو ما خالف الكتاب والسنة .
الثالث : ما قال فيه النبي -صلى الله عليه وسلم- "لا تصدّقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم" أخرجه
البخاري (4485) ، وهو مالم نجد في الكتاب والسنة دليلاً على صدقه أو على كذبه، وهذا القسم هو الذي قال فيه النبي -صلى الله عليه وسلم- :" حدّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج"أخرجه أبو داود (3662) من حديث أبي هريرة .
وغالب الإسرائيليات الثابتة عن السلف ، أو المذكورة في كتب أئمة السنة (كتفسير الطبري وابن كثير) هي من القسم الأول والثالث . أمّا القسم الثاني فلا يذكرونها غالباً إلا مع بيان بطلانها ، ومخالفتها للحق الوارد في الكتاب والسنة والحديث الذي يسأل عنه السائل هو من القسم الثالث ، ولذلك حدّث به عبد الله بن عمرو (رضى الله عنه) فليس لدينا دليلٌ بصدقه ، ولا دليل بكذبه وهو إن كان قد رُفع الحرج عن التحديث به، إلا أن الانشغال بغيره مما قد يقع الحرج بسبب الجهل به أَوْلَى وأحقّ ، كفرائض الإسلام وسننه والله ينفعنا وإياكم بالعلم النافع ، وييسر لنا جميعاً العمل المتقبَّل الصالح . والله أعلم
السؤال :
ما صحة الحديث الآتي : ما رواه أحمد - رحمه الله - عن أبي الدرداء - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " من توضأ فأسبغ الوضوء ، ثم صلى ركعتين يتمهما أعطاه الله ما سأل معجلاً ، أو مؤخراً " ؟
الجواب :
أخرج الإمام أحمد ( 6/442) ، والدارقطني ، في الأفراد ( كما في أطرافه رقم 4617) الحديث المسؤول عنه ، فقال الإمام أحمد : " حدثنا محمد بن بكر ، قال : حدثنا ميمون ( يعني أبا محمد المرَئي التميمي ) قال : حدثنا يحيى بن أبي كثير ، عـن يوسف بن عبد الله بن سلام ، قال صحبت أباالدرداء أتعلم منه ، فلما حضره الموت ، قال : آذِن الناس بموتي ، فآذنت الناس بموته ، فجئت وقد مُلئ الدار وما سواه قال : فقلت : قد آذنت الناس بموتك ، وقد مُلئ الدار وما سواه ، قال : أخرجوني ، فأخرجناه ، قال أجلسوني ،فقال : أجلسناه فقال : أيها الناس ،إني سمعت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يقول : من توضأ فأسبغ الوضوء ، ثم صلى ركعتين يُتِمَّهُما ،أعطاه الله ما
سأل مُعَجَّلاً أو مؤجَّلاً .
قال أبو الدرداء : يا أيها الناس ، إياكم والإلتفات في الصلاة ، فإنه لا صلاة لملتفت ، فإن غُلبتم في التطوع ، فلا تُغْلَبُنّ في الفريضة ".
وإسناده حسن ، وقد حكم الدارقطني بتفرّد محمد بن بكر البُرْساني به . لكن أخرجه المحاملي في أماليه ( رقم 71) ، من طريق محمد بن بكر البرساني ، لكن بتسمية الراوي ، من يوسف بن عبد الله بن سلام ، يحيى بن أبي هيثم - وهو العطار - أحدُ الثقات ، وهو المعروف بالرواية عن يوسف بن عبد الله ، كما في تهذيب الكمال ( 32/436).
فالحديث على أيًّ من الوجهين حسنُ الإسناد .
وللحديث وَجْهٌ آخر حسن الإسناد أيضاً ، من طـريق صدقة بن أبي سهل، عن كثير بن يسار ، عن يوسف بن عبد الله بن سلام ، عن أبي الدرداء ، قال سمعت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يقول : " من توضأ فأحسن الوضوء ، ثم قام فصلى ركعتين أو أربع ركعات [ شكّ سهل ] يُحسن
فيهن الركوع والسجود والخشوع ، ثم استغفر الله ، غفر له " أخرجه الإمام أحمد وابنه عبد الله في زوائده ( 6 / 220 ) وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني ( رقم 2040) والطبراني في الدعاء ( رقم (1448 )لكن الإسناد الأول أشهرُ رجالاً ، ومتنه أضبط لفظاً . والله أعلم .