بسم الله الرحمن الرحيم
عن عمرو بن ميمون الأودي قال: "قدم علينا معاذ بن جبل اليمن، رسول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلينا. قال: فسمعت تكبيره مع الفجر، رجل أجش الصوت. قال: فألقيت عليه محبتي، فما فارقته حتى دفنته بالشام ميتاً، ثم نظرت إلى أفقه الناس بعده، فأتيت ابن مسعود فلزمته حتى مات، فقال: قال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: كيف بكم إذا أتت عليكم أمراء يصلون الصلاة لغير ميقاتها؟ قلت: فما تأمرني إن أدركني ذلك يا رسول الله؟ قال: صلِّ الصلاة لميقاتها واجعل صلاتك معهم سُبحة" [رواه أبو داود في سننه، باب "إذا أخر الإمام الصلاة عن الوقت".
معاني الألفاظ:
قدم علينا معاذ بن جبل اليمن: كان ذلك حينما بعثه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أميراً على اليمن.
أجش الصوت: غليظ الصوت.
فألقيت عليه محبتي: جعل الله في قلبي رغبة في معاذ، وميلاً إليه.
كيف بكم: أي كيف حالكم وشأنكم حين يولى عليكم أمراء يؤخرون الصلاة عن وقتها، هل توافقونهم أم تصلونها في أول وقتها؟.
سُبحة: نافلة. قال الخطابي: السُبحة ما يصليه المرء نافلة من الصلوات، ومن ذلك سبحة الضحى.
أحكام فقهية ودروس مستفادة من الحديث:
1- تعجيل الصلوات في أوائل وقتها هو الأفضل، وتأخيرها بسبب الجماعة غير جائز.
2- جواز إعادة الصلاة الواحدة مرة بعد أخرى، إذا كان لها سبب.
3- هذا الحديث مخصص لحديث: "لا صلاة بعد العصر وبعد الفجر".
4- فرض المصلي هي الصلاة الأولى منها، وأما الأخرى فهي نافلة، وإن صلى الأولى منفرداً والثانية بجماعة.
5- بيان كون الجماعة ما وافق الحق، ولو كنت وحدك، ولا يتعلق ذلك بالقلة أو الكثرة ((إن إبراهيم كان أمة)).
6- بيان أنه لا طاعة إلا في المعروف.
من الدروس المستفادة من الحديث:
إن أول ما يلفت انتباه القارئ ويأخذ لب المتأمل في ألفاظ الحديث، هو ملازمة عمرو بن ميمون لمعاذ بن جبل - رضي الله عنه - حيثما حل وارتحل، فعقبات الدنيا أمامه قليلة، فلا يثقله عن صحبة معاذ ولا يشغله وجود الأهل والعشيرة، ولا الوطن والأملاك، فماذا في الدنيا بعد صحبة الصالحين وملازمتهم.
روي عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه قال: "لولا أن أسير في سبيل الله، وأضع جبهتي لله، وأجالس أقواماً ينتقون أطايب الحديث كما ينتقون أطايب التمر لم أبال أن أكون قد مت".
ولم يحل بين خروج عمرو بن ميمون الأودي - رحمه الله - من اليمن وانتقاله إلى الشام أي عقبة من عقبات السفر التي اصطنعها أعداء الإسلام اليوم وطبقها أذنابهم من الحكام، فما كان بحاجة إلى تأشيرة ولا جواز سفر، وما كانت تفرض عليهم إقامات جبرية وليس هناك من خلافات بين الأقطار، يمانية كانت أو شامية، بل ساروا في الأرض آمنين وكانوا من دعاة الإسلام الصالحين.
أما معاذ بن جبل[1] فهو العالم الرباني أبو عبد الرحمن الأنصاري الخزرجي، وقد كان من النبي - صلى الله عليه وسلم - بمنزلة علية، فقد قال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: "يا معاذ والله إني لأحبك"؛ وعنه - صلى الله عليه وسلم -: "أعلم أمتي بالحلال والحرام معاذ"، وأنه يحشر أمام العلماء برتوة، وكان ابن مسعود - رضي الله عنه - يقول: إن معاذاً كان أمة قانتاً حنيفاً ولم يك من المشركين، تشبيهاً له بإبراهيم - عليه السلام -. ذلك هو معاذ بن جبل - رضي الله تعالى عنه - وأرضاه.
وأما عبد الله بن مسعود [2] - رضي الله عنه -، فقد كان من السابقين وهاجر الهجرتين، وكان من علماء الصحابة، وولي بيت المال بالكوفة لعمر وعثمان.
وعن عبد الرحمن بن يزيد قال: سألنا حذيفة عن رجل قريب السمت والهدي من النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى نأخذه عنه فقال: ما أعرف أحداً أقرب سمتاً وهدياً ودلاً بالنبي - صلى الله عليه وسلم - من ابن أمِّ عبد.
وإني كلما قرأت هذا الحديث، وفكرت في الأحوال التي يعيشها المسلمون، في الضنك والضيق الذي يعانون، والمطاردة والتشريد لدعاة الإسلام من العلماء والشيوخ الأفاضل الذين رفضوا أن يبيعوا دينهم بعرض من أعراض الدنيا - إما الجاه وإما المال - ونذروا حياتهم لخدمة دين الله، وسعوا لتطبيق شريعة الإسلام، أرى أنه قد حيل بين هؤلاء وتلامذتهم ومحبيهم، فلا يمكنهم من خدمة هؤلاء العلماء الأفاضل، ولا متابعتهم والاستفادة من علمهم وتوجيههم فإلى الله المشتكى من ظلم الطغاة وعتوهم وتجبرهم. ((إني عذت بربي وربكم من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب)) [غافر/27].
فضيلة الوفاء:
ما الذي دفع عمرو بن ميمون إلى متابعة وملازمة معاذ بن جبل، ومن بعده عبد الله بن مسعود؟.
إنه خلق الوفاء، الذي ينجم عن تقوى الإنسان وإيمانه بربه - عز وجل -، إن هذا الخلق من شيم المؤمنين أصحاب الهمة والمروءة والشرف والعدل والإنصاف. وإن الحديث عن الوفاء في هذا الزمان، كالحديث عن العنقاء، وذلك لأن الأمة مصابة بأمراض كثيرة وأعظم تلك المصائب مصيبة الأمة في أخلاقها، ولا تحسب أن كلامي ضرباً من الخيال أو بعيداً عن الواقع الذي تعيشه أيها المسلم.
فلو أنك تأملت في حال بعض من ابتليت بهم دعوة الإسلام وصار يطلق عليهم ألقاب العلماء والشيوخ، لوجدت أنهم قد سخروا جهدهم وركزوا تفكيرهم على متابعة هفوات الدعاة المخلصين الذين لم تأخذهم في الله لومة لائم والذين نذروا حياتهم وأرواحهم لله ولم تمنعهم المضايقات والمتابعات من الصدع بكلمة الحق، ولم يرضخوا لطغيان ولا لجور سلطان، فجزى الله هذه الفئة الصالحة الآمرة بالمعروف والناهية عن المنكر عنا وعن المسلمين خير الجزاء.
ثم أليس من العدل والوفاء والإنصاف السكوت على هذه الفئة إن لم يقدر الآخرون على الدفاع عنهم وتشجيعهم؟ يالله أين الوفاء؟! أين معرفة أقدار الناس والدفاع عن الصالحين والذب عن أعراضهم؟!.
أخرج النووي من دمشق فخرج الناس وعلى رأسهم العلماء، يطالبون السلطان بإرجاعه، وقالوا هو من علمائنا وصلحائنا، ومثل ذلك فعلوا مع العز بن عبد السلام - رحمه الله -.
ولكن سيد قطب - رحمه الله - حكم عليه بالإعدام من قبل طاغية مصر، فجاء علماء السلاطين وأذناب الشياطين ليلقنوه كلمة التوحيد، إن هذا - والله - لهو البلاء المبين، فهل من تأييد للمنكر والباطل أكثر من هذا؟!!.
وما زالت هذه الروح تسري في هذه الأمة إلى اليوم.
أي ذل وهوان، وأي خيبة وخزي وخسران لمن قبلوا لأنفسهم أن يقفوا هذا الموقف؟!!.
يقول ابن حزم - رحمه الله -[3]:
"الوفاء مركب من العدل والجود والنجدة لأن الوفي رأى من الجور أن لا يقارض من وثق به، أو من أحسن إليه، فعدل في ذلك، ورأى أن يسمح بعاجل يقتضيه له عدم الوفاء من الحظ، فجاد في ذلك ورأى أن يتجلد لما يتوقع من عاقبة الوفاء فشجع في ذلك".
ولكن من أدرك أن عدم الوفاء وإنكار الفضل لأصحابه وسرعة نسيان الجميل من طبائع النساء فإني على يقين أنه سيدرك أن ما يفعله المتملقون والعملاء إنما هو طعن في أعراض الصالحين من العلماء والدعاة الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، وليس لهذا الفعل من تسمية سوى أنه قلة حياء، ومن فقد هذا الخلق فليفعل ما يشاء.
روى البخاري في صحيحه [4] عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أريت النار فإذا أكثر أهلها النساء، يكفرن. قيل: أيكفرن بالله؟ قال: يكفرن العشير ويكفرن الإحسان، لو أحسنت إلى إحداهن الدهر ثم رأت منك شيئاً قالت: ما رأيت منك خيراً قط".
لمن تكون الطاعة:
وأما الدرس الثاني الذي نستفيده من الحديث - وهذا من أعلام النبوة لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخبر عما سيقع - هو تأخير الصلاة عن وقتها فقد وقع هذا الأمر قبل قرون.
وحرص الصحابة على دينهم لا يخفى على دعاة الإسلام، ومن يتأمل سيرة ذلك الجيل وهم خير القرون يعرف مدى تمسك الصحابة بدينهم وخوفهم من الفتن، ولذلك فقد سأل عبد الله بن مسعود رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن طريق الخلاص وما العمل؟ إن ولي عليهم أمراء يفعلون ذلك أي يصلون الصلاة لغير وقتها؟ وفي رواية مسلم عن أبي ذر "كيف أنت إذا أتت عليك أمراء يميتون الصلاة؟ " فما العمل إذن؟.
لابد من أداء الصلاة على وقتها، والصلاة عمود الدين ((إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً)) [النساء/103]. فالحق أن تؤدى الصلاة في وقتها، وهي الفريضة التي افترضها الله عليك ولو كنت منفرداً، وأما صلاتك مع هؤلاء فهي نافلة: "سبحة".
هذه الحال مع الأمراء الذين التزموا شرع الله، ولكن حصل منهم تأخير الصلاة. فكيف بحال الناس اليوم، كيف الحال مع من يميتون الصلاة ويطاردون الدعاة، الدعاة الصالحين يحتقرونهم ويتهمونهم بالعمالة والإرهاب والرجعية والتطرف، فكل وسائل الإعلام مسخرة للنيل من الدعاة المخلصين والتضييق عليهم.
هل الدعوة إلى تحكيم شريعة الإسلام تعد تطرفاً؟!.
هل يعتبر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إرهاباً؟!.
هل يعد ترك الفجور والزنا والخنا فساداً، وشرب الخمور والإباحية صلاحاً؟!.
قد تعجب من حصول مثل هذه المفاهيم!.
ولكن سينقضي عجبك إذا عرفت أن هذا هو خلق الأولين، ومنطق الفراعنة الأقدمين، أن تعد الدعوة إلى الفساد صلاحاً، والدعوة إلى الصلاح فساداً، قال - تعالى - في بيان موقف فرعون من موسى - عليه السلام -: ((وقال فرعون ذروني أقتل موسى وليدع ربه إني أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد)) [غافر/26].
روى البيهقي بسنده عن القاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه عن جده أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "ستكون بعدي أمراء يؤخرون الصلاة عن مواقيتها ويحدثون البدعة، فقال ابن مسعود: وكيف أصنع إن أدركتهم؟ قال: تسألني ابن أم عبد كيف تصنع؟!! لا طاعة لمن عصى الله".
هل هناك حاجة للسؤال عمن يؤخرون الصلاة ويحدثون البدعة؟!! هل يطاع من عصى الله؟!!
فانظر في معنى الحديث من خلال هاتين الروايتين، لا أقول: ارجع البصر كرتين. فلعلك تنال رشدك بجواب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لعبد الله بن مسعود، وهذا هو المقصود...
----------------------------------------
[1] - انظر ترجمته في تذكرة الحفاظ.
[2] - المرجع السابق.
[3] - الأخلاق والسير في مداواة النفوس، ص 61.
[4] - كتاب الإيمان، باب كفران العشير وكفر دون كفر.