بسم الله الرحمن الرحيم
ثانياً: موقع الجهاد من الدعوة:
لأمة الإسلام وظيفة رئيسية تميزها بين الأمم، ذلك أنها أمة دعوة قبل أي شيء آخر، فمهمتها إرشاد الناس كافة إلى سلوك الطريق الصحيح الموصل إلى مرضاة الله - سبحانه -، وهو طريق التوحيد الكامل، وقد أمر الله رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن يعلن هذه الوظيفة والمهمة المميزة لطريق الأمة، فقال - سبحانه -: (قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة، أنا ومن اتبعني، وسبحان الله، وما أنا من المشركين) [يوسف: 108]، أي: قل يا محمد: هذه طريقي وسنتي ومنهاجي: الدعوة إلى الله والإرشاد إلى طريق الجنة على يقين وحق وحجة واضح[1].
وأمر الله رسوله أيضاً بأن يجعل الحكمة رائده في دعوته فقال: (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن) [النحل: 125]، فمبنى الدعوة حسب هداية القرآن على أمرين: الحجة والحكمة، وهذا لن يتأتى إلا بتحصيل علم صحيح وعمل صالح، ولو ترك لهذه الدعوة بهذا المفهوم أن تنطلق لهداية الناس دون عراقيل أمام حجتها، أو عقابيل تناوئ حكمتها لما احتاجت الدعوة ليسرها وسهولة مأخذها إلى من يحمل لحمايتها درعاً، أو يشهر في سبيلها سيفاً، ولكن الله - تعالى - يعلم أن هذه الدعوة سيكون لها على مر الزمان أعداء على أصناف مختلفة، منهم من يجادل فيها، ومنهم من يسخر منها، ومنه من يجد في إبطالها، ومنهم من يجتهد ويتفانى في وأدها وإخمادها وصد الناس عنها. ومن كل هؤلاء حذر القرآن، ولكل هؤلاء شرع الشرائع التي تكفي الدعوة شرهم، وفي وقت مبكر من حياة الدعوة تنزل القرآن محذراً من أعداء الدعوة، فقد وجه الرسول - صلى الله عليه وسلم - بألا يأبه لعراقيل أياً كانت، ولا يرعوي لصعوبات أنى وضعت في طريق دعوة الناس إلى الله، قال - سبحانه -:( ولا يصدنك عن آيات الله بعد إذا أنزلت إليك، وادع إلى ربك ولا تكونن من المشركين) [القصص/ 87]، أي لا تتأثر لمخالفتهم، فإن الله معك معل كلمتك ومؤيد دينك ومظهر ما أرسلك به على سائر الأديان[2].
ونهاه الله عن الاستجابة لشغب المجادلين ومشاغلة البطالين، فقال له: (فلا ينازعنك في الأمر وادع إلى ربك إنك لعلى هدى مستقيم، وإن جادلوك فقل الله أعلم بما تعملون) [الحج: 67، 68]، وقال: ]وإن كذبوك فقل لي عمل ولكم عملكم أنتم بريئون مما أعمل وأنا برئ مما تعملون[[يونس: 41].
لقد كان الخطب هيناً لو أن كل الأصناف من أعداء الدعوة كانت تكتفي بالجدال أو المنازعة أو التكذيب في معارضتها للدعوة، ولكن كيف تمضي الدعوة في طريقها ومن أعدائها من لا يقصر في وضع العثرات في طريقها، وسد الطرقات أمام أتباعها بل وحمل السلاح من أجل إيقاف مسيرتها واستضعاف دعاتها.
إن الدعوة التي لم تقتصر في خطابها على عوام الناس، بل تعدت ذلك إلى خواصهم وقادتهم، ما كانت تنتظر من غير المؤمنين بها إلا أن يواجهوها بعداء عام لا يقتصر على الطغام من العوام، بل يتعداهم إلى الطغاة من الملوك وأصحاب السلطة من الأمراء والحكام، فرسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد خاطب قادة العالم بهذه الدعوة، فمنهم من آمن بها، ومنهم من صد عنها. لقد راسل ملوك الأرض، فكتب إلى ملك الروم، فقيل له: إنه لا يقرءون كتاباً إلا إذا كان مختوماً، فاتخذ خاتماً من فضة وختم به الكتب إلى الملوك، وبعث كتباً ورسلاً إلى ملوك فارس والحبشة ومصر والبلقاء واليمامة في يوم واحد، ثم بعث إلى حكام عمان والبحرين واليمن وغيرهم[3].
إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يكتب لهؤلاء يدعوهم إلى الدخول في الإسلام إلا بعد أن أصبحت للدين دولة ورجال مستعدون لحمل راية الحق والذهاب بها إلى عقر ديار هؤلاء إذا لم يستجيبوا للحق، أو إذا لم يفتحوا الطريق أمام الدعاة مخلين السبيل بينهم وبين الجماهير ليدعوهم إلى الوحدانية، فالدعوة كما أنها في حاجة إلى رجال يحملونها إلى الناس علماً وعملاً، فهي في حاجة كذلك إلى رجال يحمونها من الشرور جهاداً وبذلاً، ولهذا فإن المجاهد المسلم الذي يبذل أغلى ما يملك وهو روحه من أجل إيصال الناس إلى الدين، أو إيصال الدين إلى الناس، استحق عمله هذا أن يكون ذروة سنام الإسلام، فأعرف المعروفات: الدعوة إلى الدين الحق، والإيمان بالتوحيد والنبوة، وأنكر المنكرات الكفر بالله والصد عن سبيله، والجهاد الحامي للدعوة كان من أجل هذا حملاً لأعظم المضار لغرض إيصال الغير إلى أعظم المنافع وتخليصه من أكبر المنكرات فوجب من أجل هذا أن يكون الجهاد أعظم العبادات، ولما كانت هذه الأمة أمة دعوة، فكان لابد أيضاً أن تكون أمة جهاد يحمي هذه الدعوة، ولما كان الجهاد في شرعنا أظهر منه في سائر الشرائع، لا جرم صار ذلك موجباً لفضل هذه الأمة على سائر الأمم.
لقد كان جهاد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من أجل خدمة الدعوة، فكل قتال لا يخدم الدعوة فليس بجهاد، وإن أريقت فيه الدماء وأنفقت فيه الأموال. قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، فهو في سبيل الله"[4]، والإسلام يجاهد الأعداء من كل صنف لكي يوطئ الأرض ويمهد السبل لتحقيق العبودية لله - عز وجل -، يقول سيد قطب - رحمه الله -:
"جاهد الإسلام ليقيم النظام الرفيع في الأرض ويقرره ويحميه، وكان من حقه أن يجاهد ليحطم النظم الطاغية التي تقوم على عبودية البشر للبشر، والتي يدعي فيها العبيد مقام الألوهية، ويزاولون فيها وظيفة الألوهية بغير حق، ولم يكن بد أن يسحقها الإسلام ليعلن نظامه الرفيع في الأرض، وما يزال هذا الجهاد لإقامة النظام الرفيع مفروضاً على المسلمين حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله، فلا تكون هناك ألوهية للعبيد ولا دينونة لغير الله".
----------------------------------------
[1] - تفسير القرطبي 9/274.
[2] - تفسير ابن كثير 3/ 389.
[3]- ذكر ابن القيم جانباً من هذه الرسائل في كتابه زاد المعاد في هدي خير العباد، انظر الجزء 1، ص 119 124، مؤسسة الرسالة بيروت.
[4] - أخرجه البخاري كتاب العلم: 45، باب: 45 حديث: 123، انظر فتح الباري 1/268.