غزة حنين عبر وفوائد ( 1 )
بسم الله الرحمن الرحيم
 الصفحة الرئيسية | المقالات و البحوث | المكتبة ( للتحميل ) | الصوتيات | التلاوات القرآنية | أرسل بحثك | توقيع الزوار | كلمة الموقع 
اخر المقالات مصري طول شاربه ( 84 ) سـم         وصفة علاجية تزيل الأمراض بالكلية         دعاء الهم والحزن         خلق الجان وقصة الشيطان         قصـة الذي استلف ألف دينار         كذبة نيسان ( ابريل )         بعض الدعوات المستجابات         الرؤى والأحلام         دعاء من استصعب عليه أمر         دعاء طرد الشيطان ووساوسه         أدعية .. ولكن في الاتجاه المعاكس         البريد الإلكتروني والصور الخليعة         الدعاء قبل إتيان الزوجة         كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم يسّبح ؟         نماذج من الدعاء .. من الكتاب و السنة         اصنع من الليمون شراباً حلواً         نسب أسرة آل محمود         ثرثرة النساء داء أم دواء ؟         دعاء الوسوسة في الصلاة والقراءة         قصة هود عليه السلام         جحر العقرب ؟!         أخطاء في الدعاء وما يكره فيه         أرجوك لا تتزوجني!!         للنساء فقط !! في غرفة النوم ؟ !!         الحب الإلكتروني         قصص لم تسمع بها         هذه دعوتنا         الرقية الشرعية.         الأقصى أم الهيكل؟         لماذا تتبع السلف الصالح ؟         ابتسم أنت في جدة         شيطان دوت نت         عورة المرأة المسلمة أمام المحارم         الحب الحرام         أذكار الصباح و المساء         شرح الأربعين النووية - الدرس الأول         جولة في بيوت الأرامل         وافق شن طبقه         شرح عقيدة أهل السنة والجماعة لابن عثيمين -الدرس الأول         الزواج العرفي بين الشباب والفتيات         الكاسيات العاريات         تفسير آيات - 1         خطر الزنا         حكم الغناء         هل كان إسلام الصحابة والتابعين صحيحا........بدون أن يتصوفوا؟؟    
المؤسس و المشرف :
      سعد بن زيد آل محمود
قائمة أخر المقالات إضافة
  عيد الحب أم إغضاب الرب!!
  اصنع من الليمون شراباً حلواً
  قصـة الذي استلف ألف دينار
  قصة هود عليه السلام
  تنبيه على عبارة : " لا تقل : يا رب عندي هَمّ ...
قائمة أخر الكتب إضافة
  الهدية الهادية إلى الطائفة التجانيةللعلامة تقي ا...
  هل خلق النبي صلى الله عليه وسلم من نور
  CD الصوفية... والجفري الراقص!!
  المولد تاريخه و آثاره
  المخدرات العقدية مع إبن شيخ الطريقة الخزنوية
قائمة أخر الصوتيات إضافة
  الترويح ومفهومه، والفراغ وهمومه
  الترويح ومفهومه، والفراغ وهمومه
  العقيدة مصدر قوة الأمة
  احذروا نواقض التوحيد
  الحذر من التهاون في أداء الدَّين
تحويل التاريخ
راسلنا
توقيع الزوار
غزة حنين عبر وفوائد ( 1 )

عبد الآخر حماد
أضيفت بتاريخ:   2007-12-25
التصدير إلى ورد نسخة طباعة القراء:   82
تنسيق الخط

ضع هذه المادة على جوالك باستخدام برنامج قارئ الباركود
qrcode
ما هي هذه الخدمة؟؟
  

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد.

 

فلا تزال السيرة النبوية معيناً لا ينضب لكل باحث عن الحق ساعٍ إلى معرفة هدي خير الورى - صلى الله عليه وسلم - ، ومهما كثر على هذا المعين الواردون ونـهل منه الناهلون فسوف يظل كما هو في صفائه وقوته وغزارة مادته.

 

ولما كان الجهاد في سبيل الله من أهم سمات حياته المباركة - صلى الله عليه وسلم - ، فقد اعتنى أهل العلم بدراسة غزواته وبعوثه، ليس فقط لمعرفة هديه في حربه وسلمه، بل أيضاً لاستنباط كثير من الأحكام الفقهية التي لا تخلو من الإشارة إليها غزوة، ومحاولة استخلاص بعض الحكم العظيمة من تلك الغزوات، واستجلاء بعض أساليبه - صلى الله عليه وسلم -  في إعداد أصحابه وتربيتهم، وغير ذلك مما قد يفتح الله به على من يشاء من عباده.

 

وإذا كانت غزوة بدر الكبرى هي أولى معارك الإسلام مع مشركي العرب، وبـها كُسرَت حدتـهم وقلت هيبتهم، فقد كانت غزوة حنين وما تلاها من غزو أهل الطائف هي آخر تلك المعارك، وبـها استُفرِغت قوى أولئك المشركين، واستُنفِدت سهامهم، وأُذل جمعهم حتى لم يجدوا بداً من الدخول في دين الله، كما يقول الإمام ابن القيم - رحمه الله -[1].

 

ومن أجل هذا رأيت أن أتناول هذه الغزوة العظيمة بشيء من الدرس والتحليل، يتضمن أهم وقائعها، كما يتضمن الإشارة إلى بعض ما يستنبط منها من الحكم والدروس والأحكام.

 

ولذا فقد جعلت هذه الدراسة في قسمين اثنين:

 

الأول: حول الغزوة وأحداثها.

 

والثاني: حول الحِكم والأحكام والدروس المستفادة من تلك الغزوة.

 

أولاً: غزوة حنين أحداث ووقائع:

 

تاريخ الغزوة: كانت غزوة حنين في العاشر من شوال من العام الثامن للهجرة منصرفَ النبي - صلى الله عليه وسلم -  من مكة بعد أن منَّ الله عليه بفتحها، وقد انصرف رسول الله من مكة لست خلت من شوال، وكان وصوله إلى حنين في العاشر منه[2].

 

موقع الغزوة: دارت هذه الغزوة في موضع يقال له حنين، وهو واد إلى جنب ذي المجاز بينه وبين مكة بضعة عشر ميلاً من جهة عرفات[3].

 

سبب الغزوة: كان سبب تلك الغزوة أن مالكاً بن عوف النضري جمع القبائل من هوازن ووافقه على ذلك الثقفيون، واجتمعت إليه مضر وجشم كلها وسعد بن بكر وناس من بني هلال، وقصدوا محاربة المسلمين، فبلغ ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم -  فخرج إليهم[4].

 

عرض موجز لأحداث الغزوة:

 

1- نزول الأعداء بأوطاس واستعدادهم للحرب:

لما جمع عوف بن مالك من اتبعه سار بـهم حتى نزل بـهم بوادٍ قريب من حنين يقال له أوطاس، وفيهم دريد بن الصِّمة، وكان شيخاً كبيراً، ليس فيه إلا رأيه ومعرفته بالحرب، وكان مالك لما أجمع السير إلى رسول الله ساق مع الناس أموالهم ونساءهم وأبناءهم، فلما نزل بأوطاس أنكر عليه دريد بن الصمة ذلك قائلاً: "وهل يرد المنهزم شيء؟ إنـها إن كانت لك لم ينفعك إلا رجل بسيفه ورمحه، وإن كانت عليك فضحت في أهلك ومالك"، لكن عوفاً لم يستمع لمقالة دريد ورماه بالخرف، وأطاعه قومه ومن معه فيما أراد[5].

 

2- الرسول - صلى الله عليه وسلم -  يبعث من يأتيه بالخبر:

ولما علم الرسول - صلى الله عليه وسلم -  بالخبر بعث إليهم عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي، وأمره أن يدخل في الناس فيقيم فيهم حتى يعلم علمهم، ثم يأتيه بخبرهم، فانطلق ابن أبي حدرد فدخل فيهم، فمكث فيهم يومين، ثم أقبل فأخبره الخبر[6].

 

3 - استعارة الرسول أدراع صفوان:

لما أجمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -  السير إلى هوازن ذُكر له أن عند صفوان بن أمية أدراعاً له وسلاحاً، فأرسل إليه - وهو يومئذ مشرك - فقال: يا أبا أمية أعرنا سلاحك هذا نلق فيه عدونا غداً، فقال صفوان: أغصباً يا محمد، قال: بل عارية مضمونة حتى نؤديها إليك، قال ليس بـهذا بأس فأعطاه مائة درع بما يكفيها من السلاح[7].

 

4 - خروج الرسول - صلى الله عليه وسلم -  بالجيش لملاقاة هوازن:

ثم خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم -  ومعه - كما ذكر أصحاب السير - ألفان من أهل مكة مع عشرة آلاف من أصحابه الذين خرجوا معه ففتح الله بـهم مكة، فكانوا اثني عشر ألفاً [8].

 

5 - أمر ذات أنواط:

وفي طريق المسلمين إلى حنين مروا بشجرة للمشركين تسمى ذات أنواط، كانوا يأتونـها كل سنة فيعلقون عليها أسلحتهم، ويذبحون عندها، ويعكفون عليها يوماً، فقال بعض المسلمين من حديثي العهد بالإسلام: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : "الله أكبر قلتم والذي نفس محمد بيده كما قال قوم موسى لموسى اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة، قال إنكم قوم تجهلون، إنـها السنن، لتركبن سنن من كان قبلكم"[9].

 

6 - لقاء هوازن وحدوث الهزيمة أول الأمر:

لما وصل المسلمون إلى حنين كان الوقت ليلاً، وكان مالك بن عوف قد سبقهم للوادي وأعد كمناءه فيه، وعبأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -  جيشه بالسحر، وفي عماية الصبح انطلق المسلمون منحدرين في الوادي فلم يرعهم إلا النبال قد أمطرتـهم من كل جانب، قال جابر بن عبد الله - رضي الله عنه -: "لما استقبلنا وادي حنين انحدرنا في واد من أودية تـهامة أجوف حطوط إنما ننحدر فيه انحداراً، قال: وفي عماية الصبح، وكان القوم قد سبقونا إلى الوادي فكمنوا لنا في شعابه، وأحنائه، ومضايقه، وقد أجمعوا وتـهيئوا وأعدوا، فوالله ما راعنا ونحن منحطون إلا الكتائب قد شدوا علينا شدة رجل واحد، وانشمر الناس راجعين لا يلوي أحد على أحد"[10].

 

7 - ثبات الرسول - صلى الله عليه وسلم -  وأثره في رجوع المسلمين:

ولكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -  ثبت في هذا الموقف العصيب وهو يقول:

 

أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب

وثبت معه طائفة من الصحابة الكرام، فقد أخرج مسلم وغيره من حديث العباس - رضي الله عنه -، أنه لما ولى المسلمون مدبرين طفق رسول الله - صلى الله عليه وسلم -  يَرْكض بغلتَه قبل الكفار، قال العباس: "وأنا آخذ بلجام بغلة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -  أكفها إرادة أن لا تسرع، وأبو سفيان ابن الحارث آخذ بركاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أي عباس ناد أصحاب السمرة، فقال عباس - وكان رجلا صيتاً - فقلت بأعلى صوتي: أين أصحاب السمرة؟ قال فوالله لكأن عطفتهم حين سمعوا صوتي عطفة البقر على أولادها، فقالوا: يا لبيك يا لبيك، قال فاقتتلوا والكفارَ، والدعوة في الأنصار يقولون: يا معشر الأنصار يا معشر الأنصار، قال ثم قصرت الدعوة على بني الحارث بن الخزرج فقالوا: يا بني الحارث بن الخزرج يا بني الحارث بن الخزرج، فنظر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -  - وهو على بغلته كالمتطاول عليها - إلى قتالهم، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : هذا حين حمي الوطيس. قال ثم أخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -  حصيات فرمى بـهن وجوه الكفار، ثم قال: انـهزموا ورب محمد، قال: فذهبت أنظر، فإذا القتال على هيئته فيما أرى، قال: فوالله ما هو إلا أن رماهم بحصياته، فما زلت أرى حدهم كليلاً وأمرهم مدبراً"[11].

 

8 - تفرق المشركين ومقتل دريد بن الصمة:

لما انـهزم المشركون وتفرقوا توجه مالك بن عوف وطائفة معه إلى الطائف، وتوجه بعضهم نحو موضع يقال له نخلة، بينما عسكر قسم ثالث فيهم دريد بن الصِّمة بأوطاس، فسار رسول الله - صلى الله عليه وسلم -  بنفسه إلى الطائف، وبعث أبا عامر الأشعري عم أبي موسى إلى أوطاس، وقد صح في حديث أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم -  لما فرغ من حنين بعث أبا عامر على جيش أوطاس فلقي دريد بن الصمة فقُتل دريد، وهزم الله أصحابه، وأن أبا عامر الأشعري استشهد في ذلك اليوم[12].

 

9 - نـهيه - عليه السلام - عن قتل الضعفاء:

فقد مر النبي - صلى الله عليه وسلم -  على امرأة مقتولة: "ما كانت هذه لتقاتل"، وكان على المقدمة خالد بن الوليد فبعث رجلاً فقال: "قل لخالد: لا يقتلن امرأة ولا عسيفاً"[13].

 

وليس في هذا الحديث بيان الغزوة التي كان فيها ذلك النهي، غير أن ابن إسحاق قد ذكر تلك القصة في غزوة حنين[14]، وفي حديث الصعب ابن جثامة عند ابن حبان (11 / 108): "سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -  عن أولاد المشركين أن نقتلهم معهم قال نعم فإنـهم منهم، ثم نـهى عنهم يوم حنين"، وكذا رجَّح الحافظ في الفتح (6/147) أن القصة كانت يوم حنين؛ لأن فيها ذكر خالد، وقد كان أول مشاهد خالد مع النبي يوم الفتح، ثم كانت غزوة حنين بعد الفتح.

 

10 - غزو الطائف:

لما فرغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -  من حنين أمر بالغنائم فحبست في الجِعْرَانة (وهي موضع بين مكة والطائف)، ثم سار إلى الطائف حتى نزل قريباً منها فضرب عسكره، وذكر ابن إسحاق بغير إسناد أنه - صلى الله عليه وسلم -  أمر بقطع أعناب ثقيف وحرقها، فشرع المسلمون في قطعها[15]، وقد ذكر ابن سعد أنـهم سألوه أن يدعها لله والرحم فتركها[16]، وذكر ابن هشام أنه نصب عليهم المنجنيق، وهو أول من رمى به في الإسلام[17]، غير أن الحصار قد طال وقُتل ناس من المسلمين بالنبل كما يذكر ابن اسحاق (وذلك أن العسكر اقترب من الطائف وكانت النبل تنالهم، ولم يستطع المسلمون أن يدخلوا حائطهم فقد أغلقوه دونـهم)[18].

 

وفي الصحيح من حديث ابن عمر (أنه - صلى الله عليه وسلم -  لما حاصر الطائف فلم ينل منهم شيئاً قال: إنا قافلون غداً إن شاء الله، فثقل عليهم، وقالوا: نذهب ولا نفتحه؟ وقال مرة نقفل، فقال اغدوا على القتال، فغدوا، فأصابـهم جراح، فقال: إنا قافلون غداً إن شاء الله، فأعجبهم، فضحك النبي - صلى الله عليه وسلم - )[19].

 

11 - تقسيم الغنائم وما وجده الأنصار في أنفسهم من هذا التقسيم:

لما عاد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -  من الطائف بقي بالجعرانة بضع عشرة ليلة لا يقسم الغنائم، يبتغي أن يقدم عليه وفد هوازن تائبين فيرد عليهم ما فقدوا، فلما لم يأتوا شرع - صلى الله عليه وسلم -  في تقسيم الغنائم، فقسمها في المهاجرين والطلقاء، ولم يعط الأنصار منها شيئاً، ففي الصحيح من حديث أنس بن مالك "فقسم في المهاجرين والطلقاء، ولم يعط الأنصار شيئاً"[20]، وكان من نتيجة ذلك أن وجد بعض الأنصار في أنفسهم من هذه القسمة، إذ لم يصبهم ما أصاب الناس، فخطبهم النبي - صلى الله عليه وسلم -  فقال: "يا معشر الأنصار: ألم أجدكم ضلالا فهداكم الله بي، وكنتم متفرقين فألفكم الله بي، وكنتم عالة فأغناكم الله بي، كلما قال شيئا قالوا: الله ورسوله أمنُّ. قال ما يمنعكم أن تجيبوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟ قال: كلما قال شيئاً قالوا الله ورسوله أمنُّ، قال لو شئتم قلتم جئتنا كذا وكذا، أترضون أن يذهب الناس بالشاة والبعير وتذهبون بالنبي - صلى الله عليه وسلم -  إلى رحالكم؟ لولا الهجرة لكنت امرءاً من الأنصار، ولو سلك الناس وادياً وشِعْباً لسلكتُ وادي الأنصار وشعبها، الأنصار شعار والناس دثار إنكم ستلقون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني على الحوض"[21].

 

وقد اختُلف في تلك العطية التي أعطاها - صلى الله عليه وسلم -  للمؤلفة قلوبـهم ومنع منها الأنصار، هل كانت من أصل الغنيمة؟ أم من الخمس؟ أم من خمس الخمس؟، وقد رجح الحافظ ابن حجر أنـها من أصل الغنيمة واحتج بقول أنس (ولم يعط الأنصار شيئاً). وأنه ظاهر في أن العطية كانت من أصل الغنيمة [22].

 

12 - قدوم وفد هوازن إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم -  ومنُّه عليهم:

ثم أتاه وفد هوازن مسلمين وهو بالجعرانة، فسألوه أن يرد إليهم سبيهم وأموالهم، فقال لهم كما جاء في حديث المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم: "أَحبُّ الحديث إلي أصدقه، فاختاروا إحدى الطائفتين: إما السبي وإما المال، وقد كنت استأنيت بكم - وقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم -  انتظرهم بضع عشرة ليلة حين قفل من الطائف - فلما تبين لهم أن رسول الله غير راد إليهم إلا إحدى الطائفتين قالوا: فإنا نختار سبينا، فقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم -  في المسلمين فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال أما بعد: فإن إخوانكم هؤلاء قد جاؤونا تائبين، وإني قد رأيت أن أرد إليهم سبيهم فمن أحب منكم أن يطيب بذلك فليفعل ومن أحب منكم أن يكون على حظه حتى نعطيه إياه من أول ما يفيء الله علينا فليفعل، فقال الناس قد طيبنا ذلك يا رسول الله.. "[23].

 

هذا وقد وقع عند ابن إسحاق أن مجيء هوازن مسلمين كان قبل توزيع الغنائم بينما ذكر موسى بن عقبة أن مجيئهم كان بعد توزيع الغنائم[24]، وإلى هذا القول الأخير ذهب الحافظ في الفتح (8/34)، وهو الذي يدل عليه حديث البخاري السابق؛ فإنه بين لهم أنه قد أخر القسمة حتى يحضروا، فلما أبطؤوا لم يجد بداً من تقسيمها.

 

ثانياً: حِكَم وأحكام :

1 - بعض ما اشتملت عليه الغزوة من الحكم العظيمة:

1- كان الله - عز وجل - قد وعد رسوله - وهو صادق الوعد- أنه إذا فتح مكة دخل الناس في دينه أفواجاً، ودانت له العرب بأسرها، كما قال - تعالى -: ((إذا جاء نصر الله والفتح، ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا، فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا))[النصر: 1- 3]، فلما تم له الفتح المبين، اقتضت حكمته - تعالى - أن تجتمع هوازن ومن معها لحرب المسلمين بجيش لم يلق المسلمون مثله من قبل، وأن ينصرهم عليهم نصراً مؤزراً، فلا يفكر بعدها أحد من العرب في مقاومة جند الله، ويتحقق ما وعد الله به رسوله من دخول الناس في دين الله أفواجاً[25].

 

2 - واقتضت حكمته - سبحانه - أن أذاق المسلمين أولاً مرارة الهزيمة والكسرة، مع كثرة عددهم وعُددهم وقوة شوكتهم، ليطامن رؤوساً رفعت بالفتح، ولم تدخل بلده وحرمه كما دخله رسول الله واضعاً رأسه منحنياً على فرسه، حتى إن ذقنه تكاد تمس سرجه تواضعاً لربه وخضوعاً لعظمته واستكانة لعزته، أن أحل له حرمه وبلده ولم يحل لأحد قبله، ولا لأحد بعده... فلما انكسرت قلوبـهم أُرسِلت إليها خِلعُ الجبر، مع بريد النصر، فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين، وأنزل جنوداً لم تروها، وقد اقتضت حكمته أن خِلع النصر وجوائزه إنما تفيض على أهل الانكسار ((ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين، ونمكن لهم في الأرض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون))... )[26].

 

3- كما أراد - سبحانه - أن يؤكد لعباده المؤمنين تلك القاعدة العظيمة التي ينبغي أن لا يغفل عنها مسلم، وهي أن المسلمين لا يُنصرون بكثرة عددهم ولا عُددهم، وإنما ينصرهم الله - تعالى - بطاعتهم لله - عز وجل - واتباعهم نبيه - صلى الله عليه وسلم -، وأنه لا يجوز للمسلمين أن يغتروا بكثرتـهم كما قال - تعالى -: ((لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين)) [التوبة: 25].

 

(وإذا كانت وقعة بدر قررت للمسلمين أن القلة لا تضرهم شيئاً في جنب كثرة أعدائهم إذا كانوا صابرين متقين، فإن غزوة حنين قد قررت للمسلمين أن الكثرة أيضاً لا تفيدهم إذا لم يكونوا صابرين ومتقين)[27].

 

تنبيه: لاشك أنه قد وقع من بعض المسلمين الاغترار بكثرتـهم يوم حنين، وأن ذلك كان من أسباب الهزيمة، كما أشارت إلى ذلك الآية الكريمة، ولكني أود أن أشير إلى أني وجدت كثيراً ممن كتبوا في السيرة إذا ذكروا ذلك الاغترار استدلوا بما روي من قول بعض المسلمين يومئذ: (لن نـهزم اليوم من قلة)، وبعضهم ينسب ذلك لأبي بكر - رضي الله عنه -، وبعضهم ينسبه للرسول - صلى الله عليه وسلم - ، ولم أعثر فيما وقفت عليه على سند صحيح لتلك المقولة، على أنـها إن ثبتت فلست أراها والله أعلم من باب الاغترار بالكثرة الذي يقصده من يذكرونـها، بل هي إلى معنى التخويف من الاغترار بالكثرة أقرب؛ فإن الظاهر من هذه الكلمة أن قائلها يقصد أنـهم لكثرة عددهم لن يهزموا بسبب قلتهم، ولكن إن وقعت هزيمة فإن سببها لابد أن يكون شيئاً آخر غير القلة مثل الاغترار بالكثرة أو معصية الله ورسوله وغير ذلك، ويكفي في كون هذه الكلمة غير دالة على هذا الذي ذكروه، أنـها موافقة لما جاء في حديث ابن عباس مرفوعاً: (خير الصحابة أربعة وخير السرايا أربعمئة وخير الجيوش أربعة آلاف، ولن يغلب اثنا عشر ألفاً من قلة)[28].

 

5 - ومنها أن الله - سبحانه - لما منع الجيش غنائم مكة فلم يغنموا منها شيئاً، أراد أن يعوضهم عن ذلك غنائم يوم حنين، كما روى أبو داود (3023) بإسناد صحيح عن وهب بن منبه قال: (سألت جابراً هل غنموا يوم الفتح شيئا؟ قال: لا)، قال ابن القيم: (وكانوا قد فتحوها بإيجاف الخيل والركاب، وهم عشرة آلاف، وفيهم حاجة إلى ما يحتاج إليه الجيش من أسباب القوة، فحرك - سبحانه - قلوب المشركين لغزوهم، وقذف في قلوبـهم إخراج أموالهم ونعمهم وشائهم وسبيهم معهم نزلاً وضيافة وكرامة لحزبه وجنده، وتمم تقديره - سبحانه - بأن أطمعهم في الظفر وألاح لهم مبادىء النصر ليقضي الله أمراً كان مفعولاً)[29].

 

6 - ولما كان الله - تعالى - قد أراد لهوازن الهداية والدخول في دينه الحنيف، دون أن يؤثر ذلك في ما أراده من حصول المسلمين على المغنم، فقد اقتضت حكمته - تعالى - أن أخر قدومهم حتى قسم النبي - صلى الله عليه وسلم -  الغنيمة - على ما رجحناه آنفاً -، فلما جاؤوا مسلمين كان من الحكمة أن يُرد عليهم بعض ما فقدوه فأعاد إليهم النبي - صلى الله عليه وسلم -  السبي دون بقية المغانم، قال ابن القيم في تتمة كلامه السابق: (فلما أنزل الله نصره على رسوله وأوليائه، وبردت الغنائم لأهلها، وجرت فيها سهام الله ورسوله، قيل: لا حاجة لنا في دمائكم، ولا في نسائكم وذراريكم، فأوحى الله - سبحانه - إلى قلوبـهم التوبة والإنابة فجاؤوا مسلمين، فقيل: إن من شكر إسلامكم وإتيانكم أن نرد عليكم نساءكم وأبناءكم وسبيكم و ((إن يعلم الله في قلوبكم خيرا يؤتكم خيرا مما أخذ منكم ويغفر لكم والله غفور رحيم)) [الأنفال: 70] [30]...

 

----------------------------------------

[1] - زاد المعاد: (3/479).

[2] - فتح الباري: (8/27).

[3] - المصدر السابق: (8/27).

[4] - فتح الباري (8/27)، وزاد المعاد (3/465).

[5] - سيرة ابن هشام (4/80)، وزاد المعاد (3/466-467).

[6] - أخرجه الحاكم (3/49) من حديث جابر بن عبد الله وصححه، والبيهقي (6/89) وانظر أيضاً سيرة ابن هشام (4/82-83).

[7] - قصة استعارة الأدراع من صفوان ثبتت في حديث جابر المخرج آنفاً، وقد ذكرها ابن إسحاق بغير إسناد (سيرة ابن هشام 4/83)، وأخرجها أبو داود (3562) من حديث صفوان بن أمية بسند ضعيف، ولكن قواه الشيخ الألباني بشواهده (السلسلة الصحيحة 631).

[8] - سيرة ابن هشام (4/83).

[9] - أخرجه الترمذي (2180) وأحمد (5/ 218) وابن إسحاق كما في سيرة ابن هشام (3/ 84-85)، وابن أبي عاصم في السنة (76) من حديث أبي واقد الليثي، وقال الترمذي حسن صحيح، وصححه ابن حبان (15/94).

[10] - أخرجه ابن إسحاق من حديث جابر بن عبد الله كما في سيرة ابن هشام (4/85) وسنده صحيح كما ذكر محققا زاد المعاد بـهامش (3/469).

[11] - أخرجه مسلم 1775، وابن حبان (15/ 524-إحسان) والحاكم (3/370) وقال هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، كذا قال، مع أنه قد أخرجه مسلم كما ترى.

[12] - أخرجه البخاري (2884)، (4323) ومسلم (2498).

[13] - أخرجه أبو داود (2669) وابن ماجه (2842) وأحمد (3/488) والحاكم (2/122)، وصححه على شرط الشيخين من حديث رباح بن الربيع والحديث صححه الألباني في الصحيحة (701).

[14] - سيرة ابن هشام: (4/100).

[15] - سيرة ابن هشام: (4/126).

[16] - الطبقات الكبرى (2/158).

[17] - سيرة ابن هشام: (4/126).

[18] - سيرة ابن هشام: (4/125).

[19] - أخرجه البخاري (4325) ومسلم (1778).

[20] - أخرجه البخاري: (4337).

[21]- أخرجه البخاري (4330) ومسلم (1061) من حديث عبد الله بن زيد بن عاصم.

[22]- فتح الباري: (8/4).

[23] - أخرجه البخاري: (2307-2308)

[24]- انظر البداية والنهاية: (4/353).

[25]- انظر زاد المعاد: (3/477).

[26] - زاد المعاد: (3/477-478).

[27]- فقه السيرة للبوطي (ص: 424).

[28] - أخرجه أحمد (1/294)، وأبو داود (2611) والترمذي (1555)، وقال حسن غريب، وصححه ابن حبان (11/17) والحاكم في المستدرك (1/611)، (2/110).

[29] - زاد المعاد: (3/478).

[30] - المصدر السابق: (3/478)


RSS v2.0 FEED أضف الصفحة إلى MySpace! أضف الصفحة إلى iGoogle أضف الصفحة إلى My Yahoo أضف الصفحة إلى Microsoft live أضف الصفحة إلى facebook برنامج قارىء RSS Subscribe Bookmark and Share


تعليقات القراء على المقالات : أضف تعليقك الآن

ملاحظة هامة : هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها.

الأسئلة والتعليقات المقتضبة أو تلك التى لا تتعلق بموضوع المحاضرة ستحذف تلقائيا.

لا توجد تعليقات

إلى الأعلى


أرسال لصديق

التلاوت القرآنية

الدروس والمحاضرات

أحصائيات
    عدد المقالات (26769)
    عدد الكتب (4770)
    عدد الصوتيات (114455)
القائمة البريدية
القائمة البريدية
المعلومات المنشورة في هذا الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي قائلها أو كاتبها كما يحق لك الاستفادة من محتويات الموقع في الاستخدام الشخصي غير التجاري مع ذكر المصدر 
Midad.com ©  2012
وقت تحميل الصفحة: 0.089 ثانية  |   خريطة الموقع  |   Rss  |  كيف تستخدم هذا الموقع