بسم الله الرحمن الرحيم
روى مسلم في صحيحه [1] عن سعد بن أبي وقاص قال: دعاني رسول الله - صلى الله عليه و سلم - في حجة الوداع من وجع أشفيت منه على الموت. فقلت: يا رسول الله بلغني ما ترى من الوجع، وأنا ذو مال، ولا يرثني إلا ابنة لي واحدة، أفأتصدق بثلثي مالي؟ قال: قلت: أفأتصدق بشطره قال: لا، الثلث، والثلث كثير؛ إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس. ولست تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت بها حتى اللقمة تجعلها في فيّ امرأتك قال: قلت: يا رسول الله؟ أُخَلَّفُ بعد أصحابي؟ قال: إنك لن تخلف فتعمل عملاً تبتغي به وجه الله إلا ازددت به درجة ورفعة، ولعلك تخلف حتى يُنفع بك أقوام ويضر بك آخرون. اللهم أمضِ لأصحابي هجرتهم ولا تردهم على أعقابهم؛ لكن البائس سعد بن خولة. قال رثى له رسول الله - صلى الله عليه و سلم - من أن توفي بمكة".
لقد تضمن هذا الحديث من المعاني القيمة والأدلة الواضحة والدروس المفيدة والمواعظ والعبر ما يشفي صدر العالم ويقر عينه، ويكفي المسلم ويبصره بكثير من متطلبات السير في طريق الدعوة إلى الله - تعالى -، وإخلاص الدين والعبودية له - سبحانه -، وذلك شرف لا يناله إلا ذو حظ عظيم وقلب سليم سأل ربه بخشوع وتضرع فهداه إلى الصراط المستقيم، ولا ينتكص بعد السلوك فيه إلا ذو قلب سقيم، استكان وخضع لوساوس الشيطان الرجيم.
فإن من أهم الدروس المستفادة من هذا الحديث، ومن أهم متطلبات الثبات على صراط الله المستقيم، أن يعي المسلم حقيقة الهجرة وفضيلتها، وعظم ثواب المهاجر في سبيل الله.
أما كونها من أهم متطلبات الدعوة إلى الله - تعالى -، فإنه ما من نبي ولا رسول من أنبياء الله ورسله إلا وقد هاجر في سبيل الله - تعالى - فراراً بدينه وخوفاً من بطش الظالمين، وهو الأمر الذي عرفه رسول الله - صلى الله عليه و سلم - منذ أول يوم جاءه الوحي، إذ لما ذهبت به خديجة إلى ورقة بن نوفل، فأخبره بما قد رآه قال له ورقة: هذا الناموس الأكبر الذي أنزل على موسى يا ليتني فيها جذع، ليتني أكون حياً إذ يخرجك قومك. قال رسول الله - صلى الله عليه و سلم -: أو مخرجي هم؟ قال ورقة: نعم، لم يأتِ رجل قط بما جئت به إلا عودي. [2]
ولقد أدرك رسول الله - صلى الله عليه و سلم -، منذ أول يوم يوحى فيه إليه، أنه سيخرج من بلده، ولم تكن هذه حالة شاذة أو مستثناة يختص فيها نبي أو رسول أو داعية دون غيره. بل إنها سنة الله التي خلت في أنبيائه ورسله جميعاً - عليهم الصلاة والسلام -، وهم أشرف الخلق وأكرمهم عند الله - عز وجل -، فما بالك بمن هم دون الأنبياء والرسل، أليس من الواجب عليهم أن يعدوا للأمر عدته، ويأخذوا للأمر أهبته؟ إذا أرادوا وطلبوا سلعة الله بصدق فإن سلعة الله غالية: »ألا إن سلعة الله الجنة«. وإنها لا تنال بالنوم، ولا بالتسويف ولا بالكلام دون العمل، ولا باللوم؛ إنما تنال بالعمل والتضحية والمصابرة على الشدائد، واللجوء إلى الله - تعالى - بالدعاء والاستغاثة، فلا تحسب أيها الأخ الكريم أن الهجرة تختص بفئة معينة من المؤمنين في مدة معلومة من الزمن يأتي عليها زمن آخر فتنسخ وتزول، كلا، إن الهجرة دائمة مادام الحق والباطل، مادام الشرك والإيمان، مادام الكفر والإسلام، ولذا قال - عليه الصلاة و السلام -: "لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها" [3].
أجل، إذا أنعم الله عليك بنيل شرف الهجرة والخروج من بلدك على أي وجه تم ذلك، المهم أن تؤول نهاية أمرك إلى اعتبارك مهاجر إلى الله بدينك، فاصبر على اللأواء، واستعن بالله على تحمل المصاعب والعناء، ولا تحقرن نفسك فتخسر ما شرفت به وتستكين للأعداء ففي ذلك فتنة عظيمة، وليس بعد هذا الداء داء. فإن لك العبرة والعزاء بما قاله موسى لقومه - عليه الصلاة و السلام -: ((قال موسى لقومه: استعينوا بالله واصبروا إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين)) [الأعراف/128]. ((ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا واغفر لنا ربنا إنك أنت العزيز الحكيم)) [الممتحنة/ ].
أقسام الهجرة وأنواعها:
وللهجرة أقسام تتنوع بحسب الدوافع إليها والمقاصد المرجوة منها، ولكن رغم اختلاف تلك الدوافع وأسبابها، فإن النية هي التي تحدد النتيجة، فإن كانت لله ورسوله فالأجر والثواب من الله - سبحانه وتعالى -، وإن كانت لغير ذلك فالمهاجر بحسب ما هاجر إليه.
قال - عليه الصلاة و السلام -: »إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه". قال ابن العرب[4]ي: قسم العلماء - رضي الله عنهم - الذهاب في الأرض قسمين: هرباً وطلباً.
فالأول ينقسم إلى ستة أقسام:
الأول: الهجرة: وهي الخروج من دار الحرب إلى دار الإسلام وكانت فرضاً في أيام النبي - صلى الله عليه و سلم -، وهذه الهجرة باقية مفروضة إلى يوم القيامة.
الثاني: الخروج من أرض البدعة، قال ابن القاسم: سمعت مالكاً يقول: لا يحل لأحد أن يقيم بأرض يسب فيها السلف.