بسم الله الرحمن الرحيم
- عن حارثة بن وهب أنه سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "ألا أخبركم بأهل الجنة؟ " قالوا: بلى. قال - صلى الله عليه وسلم -: "كلُّ ضعيف متضعف، لو أقسم على الله لأبره"، ثم قال: "ألا أخبركم بأهل النار؟ " قالوا: بلى. قال: "كل عتلٍّ جواظ مستكبر" (1).
- وعن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "ربَّ أشعث مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره" (2).
- وعن أنس - رضي الله عنه - قال: كسرت الرُّبيع وهي عمة أنس بن مالك ثنية جارية من الأنصار، فطلب القوم القصاص، فأتوا النبي - صلى الله عليه وسلم -، فأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بالقصاص، فقال أنس بن النضر عمُّ أنس بن مالك: لا والله لا تكسر سنُّها يا رسول الله، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: يا أنس كتاب الله القصاص، فرضي القوم وقبلوا الأرش، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره" (3).
وبعد أن استفضت بذكر الأدلة من كتاب الله وسنة رسوله - عليه الصلاة والسلام - في مدح التواضع والحث عليه، وذم الكبر والإعجاب وحب الشهرة والظهور، أتبعها بذكر أمثلة من مواقف بعض سلفنا الصالح - رضي الله عنهم -، ووفقنا لاتباعهم والسير على خطاهم ومنهجهم فيما يرضي الله - تعالى -، فتأمل هذه المواقف وانظر لنفسك، وإلى أي حدٍّ التزمت بأوامر الله وسنة رسوله - عليه الصلاة والسلام -، وما هو مقدار امتثالك واتباعك لمنهج السلف الصالح من أمة محمد - صلى الله عليه وسلم -.
قال ابن عبد البر (4): وروينا عن عبد الرحمن بن عوف أنه لما حضرته الوفاة بكى بكاءً شديداً، فقيل له: ما يبكيك يا أبا محمد؟ فقال: كان مصعب ابن عمير خيراً مني توفي ولم يترك ما يكفن فيه، ولم توجد له إلا بردة كان إذا غطي بـها رأسه بدت رجلاه، وإذا غطيت بـها رجلاه بدت رأسه، وبقيت بعده حتى أصبت من الدنيا وأصابت مني، وما أحسبني إلا سأحبس عن أصحابي بما فتح الله علي من ذلك، وجعل يبكي حتى فاضت نفسه وفارق الدنيا رحمة الله عليه.
قال فضالة بن عبيد - رضي الله عنه - لمحيريز عندما طلب منه أن يوصيه، قال: خصال ينفعك الله بـهن: إن استطعت أن تعرف ولا تُعرف فافعل، وإن استطعت أن تسمع ولا تكلم فافعل، وإن استطعت أن تجلس ولا يجلس إليك فافعل.
وفضالة بن عبيد بن نافذ القاضي ولي الغزو لمعاوية، ثم ولي له قضاء دمشق وكان ينوب عنه في الإمرة إذا غاب، وقد عدّ في كبار القراء، صاحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ومن أهل بيعة الرضوان دفن بباب الصغير سنة 53 هجرية(5).
كان أيوب السختياني - رحمه الله - يقوم الليل كله فيخفي ذلك فإذا كان عند الصبح رفع صوته كأنه قام تلك الساعة. وكان يقول: ليتق الله رجل، فإن زهد فلا يجعلن زهده عذاباً على الناس فلأن يخفي الرجل زهده خير من أن يعلنه. وقال: ما صدق عبدٌ قط فأحب الشهرة. ويعد أيوب من صغار التابعين، ولد سنة 68 هـ وتوفي بالبصرة سنة 131 هـ(6).
قال الأصمعي: لما صاف قتيبة بن مسلم للترك وهاله أمرهم سأل عن محمد ابن واسع فقيل هو ذاك في الميمنة جامع على قوسه يبصبص بأصبعه نحو السماء، قال: تلك الأصبع أحبّ إليّ من مئة ألف سيف شهير وشاب طرير.
ما الذي جعل قتيبة بن مسلم يقول عنه ذلك؟ إنما هو تواضعه وتقواه لله - عز وجل -، فقد قال محمد بن واسع: إن الرجل ليبكي عشرين سنة وامرأته معه لا تعلم، ودعاه بعض الأمراء فأراده على بعض الأمر فأبى فقال: إنك أحمق، قال ابن واسع: ما زلت يقال لي هذا منذ أنا صغير (7).
قال إبراهيم بن أدهم: ما صدق الله عبد أحب الشهرة. وقال: كل ملك لا يكون عادلاً فهو واللص سواء، وكل عالم لا يكون تقياً فهو والذئب سواء، وكل من ذلّ لغير الله فهو والكلب سواء.
وعن إبراهيم بن بشار، قلت لإبراهيم بن أدهم كيف كان بدء أمرك؟ قال: غير ذا أولى بك. قال: قلت: أخبرني لعل الله أن ينفعنا به يوماً، قال: كان أبي من الملوك المياسير وحبب إلينا الصيد، فركبت فثار أرنب أو ثعلب فحركت فرسي فسمعت نداء من ورائي: ليس لذا خلقت، ولا بذا أمرت، فوقفت أنظر يمنة ويسرة فلم أرَ أحداً، فقلت: لعن الله إبليس، ثم حركت فرسي فأسمع نداء أجهر من ذلك: يا إبراهيم ليس لذا خلقت ولا بذا أمرت، فوقفت أنظر فلا أرى أحداً، فقلت: لعن الله إبليس، فأسمع نداء من قربوس سرجي بذاك. فقلت: أنبهت أنبهت، جاءني نذير والله لا عصيت الله بعد يومي ما عصمني الله، فرجعت إلى أهلي، فخليت فرسي ثم جئت إلى أحد رعاة لأبي، فأخذت جبة وكساءً وألقيت ثيابي عليه، ثم أقبلت إلى العراق فعملت بـها أياماً، فلم يصف لي منها الحلال، فقيل لي: عليك بالشام، فذكر حكاية نظارته الرمّان، قال الخادم له: أنت تأكل فاكهتنا ولا تعرف الحلو من الحامض؟ قلت: والله ماذقتها، فقال: أتراك لو أنك إبراهيم بن أدهم فانصرف، فلما كان من الغد ذكر صفتي في المسجد فعرفني بعض الناس، فجاء الخادم ومعه عنق من الناس فاختفيت خلف الشجر والناس داخلون فاختلطت معهم وأنا هارب(8).
وعن بشر الحافي قال: ليس أحد يحب الدنيا إلا لم يحب الموت، ومن زهد فيها أحب لقاء الله.
وقال: ما اتقى الله من أحب الشهرة، وقال: لا تعمل لتذكر، اكتم الحسنة كما تكتم السيئة (9).
قال أبو حاتم الرازي: حدثنا عبادة بن سليمان المروزي قال: كنا سرية مع ابن المبارك في بلاد الروم فصادفنا العدو، فلما التقى الصفان خرج رجل من العدو، فدعا إلى البراز، فخرج إليه رجل فقتله، ثم آخر فقتله، ثم آخر فقتله، ثم دعا إلى البراز فخرج إليه رجل فطارده ساعة فطعنه فقتله، فازدحم إليه الناس، فنظرت فإذا هو عبد الله بن المبارك، إذا هو يكتم وجهه بكمه، فأخذت بطرف كمه فمددته فإذا هو هو، فقال: وأنت يا أبا عمرو ممن يشنع علينا(10).
ومن مواقف السلف في عدم حبهم للشهرة والظهور وجعلهم العمل بينهم وبين الله ما ذكر عن ابن نجيد إسماعيل بن عمر، قال الذهبي: ومن محاسنه أن شيخه الزاهد أبا عثمان الحيري طلب في مجلسه مالاً لبعض الثغور فتأخر، فتألم وبكى على رؤوس الناس فجاءه ابن نجيد بألفي درهم فدعا له، ثم إنه نوّه به وقال: قد رجوت لأبي عمرو بما فعل، فإنه قد ناب عن الجماعة وحمل كذا وكذا، فقام ابن نجيد وقال: لكن إنما حملت من مال أمي وهي كارهة فينبغي أن ترده لترضى، فأمر أبو عثمان بالكيس فرد إليه، فلما جنّ الليل جاء بالكيس والتمس من الشيخ ستر ذلك فبكى وكان بعد ذلك يقول: أنا أخشى من همة أبي عمرو (1).
قال ابن خلكان (2) في ترجمة صلاح الدين الأيوبي:
ولقد فكرت في نفسي في أمور هذا الرجل وقلت: إنه سعيد في الدنيا والآخرة، فإنه فعل في الدنيا هذه الأفعال المشهورة من الفتوحات الكبيرة وغيرها ورتب هذا الأوقاف العظيمة وليس فيها شيء منسوباً إليه في الظاهر، فإن المدرسة التي في القرافة ما يسميها الناس إلا بالشافعي والمجاورة للمشهد لا يقولون إلا المشهد والخانقاه لا يقولون إلا خانقاه سعيد السعداء، والمدرسة الحنفية لا يقولون أيضاً إلا المدرسة السيوفية، والتي بمصر لا يقولون إلا مدرسة زين التجار، والتي بمصر مدرسة المالكية، وهذه صدقة السر على الحقيقة، والعجب أن له بدمشق في جوار البيمارستان النوري مدرسة يقال لها الصلاحية، فهي منسوبة إليه وليس لها وقف وله بـها مدرسة للمالكية أيضاً، ولا تعرف به وهذه النعم من ألطاف الله - تعالى - به.
وكان مع هذه المملكة المتسعة والسلطنة العظيمة كثير التواضع واللطف قريباً من الناس رحيم القلب كثير الاحتمال والمداراة وكان يحب العلماء وأهل الخير ويقربـهم ويحسن إليهم. اهـ.
وهذا الذي ذكرته غيض من فيض السيرة العطرة لسلفنا الصالح - رحمهم الله - تعالى - وتواضعهم وإخلاص لله وابتغاءهم وجهه - سبحانه وتعالى-.
فما أجدرك أيها المسلم بامتثال تلك المواقف، فتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم.. وأن تجعل ما بينك وبين الله عامراً، ولا تنظر لعطاء الناس فإنما عطاءهم قليل، ولا تغتر من ثنائهم بقال وقيل، ثم انظر هل في إظهار صورتك على صفحات الجرائد والمجلات امتثال لسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واتباع لمنهج السلف الصالح؟ أم غير ذلك؟ وهل في إعلان صدقتك زيادة لك في الأجر أم غير ذلك؟ قال - تعالى -: ]لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب ولهم عذاب أليم[[آل عمران: 188].
وما أحسن ما قال ابن أبي الدنيا - رحمه الله -:
إذا أنت صاحبت الرجال فكن فتىً *** كــأنك مملوك لكـل رفيق
وكن مثل طعم المـاء عذباً وبارداً *** على الكبد الحرى لكل صديق
قال - تعالى -: " إن الذين هم من خشية ربـهم مشفقون، والذين هم بآيات ربـهم يؤمنون. والذين هم بربـهم لا يشركون، والذين يؤتون ما آتوا وقلوبـهم وجلة أنـهم إلى ربـهم راجعون أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون" [سورة المؤمنون: 57 61]
----------------------------------------
(1) صحيح مسلم، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، رقم الحديث [2853].
(2) صحيح مسلم، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، رقم الحديث [2854].
(3) صحيح البخاري، كتاب التفسير، باب (والجروح قصاص)، رقم الحديث [4611].
(4) جامع بيان العلم وفضله: 2/17، طبعة دار الأرقم.
(5) سير أعلام النبلاء للذهبي: 3/113 وما بعدها.
(6) المصدر السابق: 10/6
(7) انظر سير أعلام النبلاء 6/122. وتقريب التهذيب لابن حجر 2/142.
(8) سير أعلام النبلاء 7/378.
(9) المصدر السابق 10/469.
(10) المصدر السابق، 8/394.
(1) - المصدر السابق: 16/146، 148.
(2) وفيات الأعيان لابن خلكان 7/207.