بسم الله الرحمن الرحيم
عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن رسول الله - صلى الله عليه و سلم - قال: "تجدون الناس معادن، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا، وتجدون خير الناس في هذا الشأن أشدهم له كراهية". [رواه البخاري]
معاني الألفاظ:
تجدون الناس معادن: أي أصولاً مختلفة، والمعادن جمع معدن، وهو الشيء المستقر في الأرض، فمنها النفيس ومنها الخسيس.
خيارهم: الخيار والشرف هو الاتصاف بمحاسن الأخلاق، كالكرم والعفة والحلم والمروءة، وغيرها من الصفات الحميدة.
إذا فقهوا: الفقه: الفهم، وفقه صار فقيهاً، والمعنى أن الشرف الإسلامي لا يتم إلا بالتفقه بالدين.
تجدون خير الناس في هذا الشأن. أي شأن الولاية والإمرة.
أشدهم له كراهية: أي يكره الدخول في عهدة الإمرة خشية التقصير في حق الناس، أو الوقوع في الظلم، ولما يترتب عليه من مطالبة الله - تعالى - للقائم به من حقوقه وحقوق عباده.
أحكام فقهية ودروس مستفادة من الحديث:
1 معرفة أحوال الناس وأصنافهم وطبائعهم من أهم العلوم التي يتعين على الدعاة معرفتها بعد فهم الكتاب والسنة.
2 خلق الله - تعالى - الناس من نفس واحدة، ثم رفع بعضهم فوق بعض درجات.
3 في الحديث إشارة إلى معرفة الأحساب والأنساب.
4 أكرم الناس عند الله أتقاهم لله وأخشاهم له سبحانه.
5 فضيلة طلب العلم والتفقه في الدين: ((هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون)). "خيركم من تعلم القرآن وعلمه".
6 النهي عن طلب الإمارة أو الحرص عليها، لأن كراهية الإمارة وعدم الحرص عليها دلالة على خشية الله وخوف الإنسان من مقام ربه وكفى بذلك شرفاً وخيرة.
من الدروس المستفادة من الحديث:
يتعين على الداعية أن يعتني بمعرفة أحوال الناس وأصناف الرجال وطبائعهم وأخلاقهم، ويجدر به أن يلم بهذا الجانب، بعد فهم الكتاب والسنة.
بل إن فهم الكتاب والسنة يستلزم معرفة هذا الجانب وذلك لكي يكون الداعية عاملاً بأحكام كتاب الله وسنة رسوله - عليه الصلاة و السلام -.
فإنك حينما تتلو سور القرآن الكريم تجد كثيراً من الآيات تستعرض أقسام الناس وأصناف الرجال وطبائعهم، وسورة البقرة وهي أكبر سور القرآن بدأت بتقسيم الناس إلى ثلاث فئات: فئة تؤمن بالله، وأخرى كافرة وثالثة حائرة مترددة مخادعة عظيمة الخطر أطال الكلام عنها لخطورتها.
ثم تجد أكثر من هذا التفصيل وأنت تمضي في تلاوة آيات السورة نفسها: فمن الناس من هو شديد الحرص على الحياة أي حياة ومنهم السفهاء الذين يقولون عن المؤمنين ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها.
((ومن الناس من يتخذ من دون الله أنداداً يحبونهم كحب الله)).
((ومن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا وما له في الآخرة من خلاق)).
((ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام، وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث النسل)).
ليس هذا فحسب بل إن سورة التوبة سميت الفاضحة والمبعثرة... فما زال الله يقول: ومنهم ومنهم ويذكر أوصاف المنافقين ولم يعين أشخاصهم لفائدتين: إحداهما: إن الله ستير يحب الستر على عباده. والثانية: أن الذم على من اتصف بذلك الوصف من المنافقين، الذين توجه إليهم الخطاب وغيرهم إلى يوم القيامة.[1]
وشبه بعض الناس بالكلب إن تحمل عليه يلهث وإن تتركه يلهث. وشبه بعضهم بالحمار ((كمثل الحمار يحمل أسفاراً بئس مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله والله لا يهدي القوم الظالمين)).
وقال علي - رضي الله عنه -: "حدثوا الناس على قدر عقولهم أتحبون أن يكذّب الله ورسوله".
وذكر عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: "أمرنا رسول الله - صلى الله عليه و سلم - أن ننزل الناس منازلهم" ذكره مسلم في مقدمة صحيحه. فكيف يمكن أن تحدث الناس بما يناسب عقولهم وأفكارهم، إن لم تكن على علم ومعرفة بأحوالهم وطبائعهم وأصنافهم؟.
أم كيف يمكن أن تنزل الناس منازلهم إن لم تعرف أقدارهم وما هم عليه. ولا يعرف الفضل لأهل الفضل إلا ذووه.
رسول الله - صلى الله عليه و سلم - أعلم الناس بطبائع الرجال وأحوال الأمم:
كان رسول الله - صلى الله عليه و سلم -، أعلم الناس بأخلاق الرجال وطبائع الناس، وذلك لأنه مؤيد بالوحي أولاً، ولكونه أتقى الناس وأخشاهم لله - سبحانه -، وأعظمهم إيماناً بربه ثانياً. وأدلة معرفته - عليه الصلاة و السلام - كثيرة نثبت بعضها فيما يلي:
لما اشتد أذى المشركين على المؤمنين في مكة أمر - عليه الصلاة و السلام - أصحابه بالهجرة إلى الحبشة، وقال: "إن بها ملكاً لا يظلم عنده أحد"، وثبت للناس صدق قوله - عليه الصلاة و السلام -.
وفي السنة السادسة من الهجرة يوم الحديبية، وقد عزم المشركون على صد رسول الله - صلى الله عليه و سلم - وأصحابه من دخول مكة مع أنهم خرجوا معتمرين ولم يريدوا قتال أحد، ونزل رسول الله صلى الله عليه سلم بأقصى الحديبية، ثم بدأت رسل المشركين تأتي لمفاوضة النبي - صلى الله عليه و سلم -.
فقال رجل من بني كنانة لقريش: دعوني آتيه [أي النبي - صلى الله عليه و سلم - ] فقالوا: ائته، فلما أشرف على النبي - صلى الله عليه و سلم - وأصحابه، قال رسول الله - صلى الله عليه و سلم -: هذا فلان، وهو من قوم يعظمون البدن، فابعثوها له، فبعثت له واستقبله الناس يلبون، فلما رأى ذلك. قال: سبحان الله ما ينبغي لهؤلاء أن يصدوا عن البيت. فلما رجع إلى أصحابه قال: رأيت البدن قد قلدت وأشعرت، فما أرى أن يصدوا عن البيت. فقام رجل منهم يقال له مكرز بن حفص فقال: دعوني آته فقالوا: ائته. فلما أشرف عليهم قال النبي - صلى الله عليه و سلم - هذا مكرز وهو رجل فاجر، فجعل يكلم النبي - صلى الله عليه و سلم - فبينما هو يكلمه إذ جاء سهيل بن عمرو، فلما جاء قال النبي - صلى الله عليه و سلم - قد سهل لكم من أمركم.[2]
وعن سهل بن سعد قال" "مرَّ رجل على رسول الله - صلى الله عليه و سلم - فقال: ما تقولون في هذا؟ قالوا: حريّ إن خطب أن ينكح وإن شفع أن يُشَفَّع، وإن قال أن يستمع. قال: ثم سكت. فمر رجل من فقراء المسلمين، فقال: ما تقولون في هذا؟ قالوا: حري إن خطب ألا ينكح وإن شفع أن لا يُشَفًّع وإن قال أن لا يُستمع. فقال رسول الله: "هذا خير من ملءِ الأرض مثل هذا".[3]
وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: قال النبي - صلى الله عليه و سلم -: "رأيت عيسى وموسى وإبراهيم، فأما عيسى فأحمر جعد عريض الصدر، وأما موسى فآدم جسيم سبط كأنه من رجال الزُّط".[4] وموضع الشاهد: "كأنه من رجال الزّط". فالزط: جنس من السودان، وقيل هم نوع من الهنود وهم طوال الأجسام مع نحافة فيها.[5]
فراسة السلف ومعرفتهم بأحوال الناس وطبائع الرجال:
اشتهر كثير من صحابة رسول الله - صلى الله عليه و سلم - بالفراسة والإلهام، وبعضهم برع بالقيافة ومعرفة الأثر، وغيرها من علوم اكتسبوها بالتجربة والممارسة ومؤثرات أخرى. زادتهم بصيرة واطلاعاً على أحوال الناس وطبائع الرجال وأصنافهم. فقد كانت أشهر قبائل العرب بالقيافة بني مدلج وبني أسد، واعترفت لهم العرب بذلك.
فعن عائشة - رضي الله عنها - قالت: "دخل علي رسول الله - صلى الله عليه و سلم - ذات يوم مسروراً، فقال: يا عائشة ألم تري أن مُجَزِّزاً المدلجي دخل علي فرأى أسامة وزيداً وعليهما قطيفة قد غطيا رؤسهما وبدت أقدامهما، فقال: إن هذه الأقدام بعضها من بعض".[6]
ويعد أبو بكر - رضي الله عنه - من أحد الصحابة فراسة، وأصوبهم رأياً، وموقفه في حروب الردة معروف، ولذا كان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يقول: "رحم الله أبا بكر كان أعرف مني بالرجال".
وأما عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - فقد كان ملهماً، ما قال لشيء أظنه كذا إلا كان كما قال.
فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال النبي - صلى الله عليه و سلم - "لقد كان فيمن قبلكم من الأمم ناس محدثون فإن يك في أمتي أحد فإنه عمر".
وفي الترمذي: "إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه".
وكان عبد الرحمن بن عوف إذا سمع عمر يخطب قال: أشهد أنك مكلم.
ودخل رجل على عثمان - رضي الله عنه -، فقال عثمان: ما بال أحدكم يدخل إلي واثر الزنا في عينيه، وكان الرجل قد نظر إلى امرأة أجنبية.
وأرسل عثمان رجلاً يستطلع أوضاع السند قبل فتحها فكتب إلى عثمان يصف حال البلاد وأهلها، بعبارة موجزة بليغة معبرة فقال: "ماؤها وشل، وتمرها دقل، ولصها بطل".
يا له من تقرير يعجز عن الإيفاء بمثله مئات من الناس، وإن مكثوا سنين، في هذا الزمان!! وما أكثر هذه النوعية من الأبطال في تلك البلاد!!.
والكلام عن فراسة السلف وبراعتهم وحذقهم في معرفة الطبائع والأخلاق والسمات والأحوال لا يفي للحديث عنه صفحات محدودة، وقد صنفت فيه كتب موسعة (كصبح الأعشى، ونهاية الأرب) والفروسية وغيرها.
دلالة ما يظهر من أحوال الرجال:
للأحوال آثار تظهر على الجوارح والأبدان، فإذا أردت معرفة مراتب الرجال فانظر إلى ما يظهر عليهم من الآثار، ويغلب عليهم من الأقوال والأعمال، فمن غلب عليه آثار الخوف كالبكاء والاقشعرار عند ذكر الوعيد فهو من الخائفين، ومن غلب عليه السرور والاستبشار عند ذكر الوعد فاعلم أنه من الراجين.[7]
ومن غلب عليه انتقاص العلماء وعيب الدعاة والطعن في أعراض المؤمنين وذم الصالحين وتتبع عوراتهم فهو من المنافقين المبغضين لحزب المؤمنين، وإن كان لنا بأحداث التاريخ موعظة فإن هذا يذكرنا بأبي عبد الله الشيعي وكيف ساهم في تأسيس دولة الفاطميين.
ومن غلب عليه كره الصحابة وشتم أبي بكر وعمر والطعن في عائشة - رضي الله عنهم - أجمعين فاعلم أنه من الرافضة المناوئين لأهل السنة بل المعادين.
ومن غلب عليه مدح الحكام والتزلف إليهم والوقوف على أبوابهم والعمل على إرضائهم فاعلم أنه مخالف لسنن المرسلين، ولا تعد مجانباً للصواب إن اعتبرتهم من زمرة الشعراء الكاذبين.
ومن غلب عليه العمل بالدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتجنب محاباة الملوك والأمراء، والتزم بما يدعو إليه وتكلف تبعة دعوته، فاعلم أنه من العلماء العاملين الذين تهمهم قضايا المسلمين يفرحون لفرحهم ويحزنون لحزنهم.
وهؤلاء هم الذين يحيون سيرة السلف الصالحين أمثال سعيد بن المسيب وأحمد بن حنبل والعز بن عبد السلام وعبد الله بن المبارك وشيخ الإسلام ابن تيمية، وثبتوا على منهج ثلة من الأولين وقليل من الآخرين. فكانوا كما وصفهم الله - تعالى - بقوله: ((والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم)) [الحشر/ 10].