بسم الله الرحمن الرحيم
عن النعمان بن بشير - رضي الله عنه - يقول قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:(ترى المؤمنينَ في تراحمهم وتوادهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى عضواً تداعى له سائر جسده بالسهر والحُمى).
تخريجه:
- أخرجه البخاري في صحيحه في كتابه الأدب، باب رحمة الناس بالبهائم: 3/77 [1].
- وأخرجه مسلم في صحيحه في كتاب البر، باب تراحم المؤمنين وتعاطفهم وتعاضدهم، ولفظه: عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم، مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو، تداعى له سار الجسد بالسهر والحمى). ورواه مسلم في صحيحه بألفاظ أخرى، منها: قوله - صلى الله عليه وسلم -: (المؤمنون كرجل واحد. إن اشتكى رأسُه تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر). ومنها قوله - صلى الله عليه وسلم -: (المسلمون كرجل واحد. إن اشتكى عينه اشتكى كلُهُ. وإن اشتكى رأسُهُ اشتكى كلُهُ). (انظر صحيح مسلم: 3/1999، الحديث رقم (2586). ورواه الإمام أحمد في سنده عن النعمان بن بشير ولفظه: (قال - صلى الله عليه وسلم -: (مثل المؤمنين في توادهم وتعاطفهم وتراحمهم مثل الجسد إذا اشتكى منه شيء تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى) (انظر مسند الإمام أحمد 4/270.
ما ورد في معناه من الآيات والأحاديث:
قال - تعالى -: (لو أنفقت ما في الأرض جميعاً ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم إنه عزيز حكيم) (الأنفال: 63).
وقال: (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم) (التوبة/ 71).
وقال: (واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداءً فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً) (آل عمران:102).
ومن الأحاديث النبوية:
- عن أبي موسى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (المؤمن للمؤمن كالبنيان يَشُدُّ بعضه بعضاً ثم شَبَك بين أصابعه). أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأدب، باب تعاون المؤمنين بعضهم بعضاً: 3/80. وأخرجه مسلم، باب تراحم المؤمنين وتعاطفهم وتعاضدهم: 3/1999، الحديث رقم: 2585. وليس في رواية مسلم: (ثم شبك بين أصابعه). وأخرجه الترمذي في سنده عن أبي موسى الأشعري بنحو رواية مسلم وقال: هذا حديث حسن صحيح. انظر الجزء الرابع من سنن الترمذي، ص: 325، الحديث رقم 1928.
- وعن أنس بن مالك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (لا يُؤمِنُ أحدُكُمْ حتى يُحبَّ لأخيه ما يُحبُّ لنفسه) أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الإيمان، باب من الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه. الجزء الأول، ص9. ومسلم في كتاب الإيمان، باب الدليل على أن من خصال الإيمان أن يحب لأخيه المسلم ما يحب لنفسه من الخير، الحديث رقم 71، الجزء الأول، ص 67. وأحمد في باب الترغيب في شد أزر المؤمن ووده والعطف عليه والتألم لألمه ولفظه: (لا يؤمن عبد حتى يحب لأخيه المسلم ما يحبه لنفسه من الخير). انظر الفتح الرباني 19/68. ورواه النسائي في كتاب الإيمان، باب علامة المؤمن 7/125.
- وعن سهل بن سعد الساعدي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (إن المؤمن من أهل الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، يألم المؤمن لأهل الإيمان كما يألم الجسد لما في الرأس).
قال صاحب الفتح الرباني: أورده الهيثمي وقال رواه أحمد والطبراني ورجال أحمد رجال الصحيح. ا.هـ، وحسنه الألباني في صحيح الجامع الصغير: 6535 وسلسلة الأحاديث الصحيحة: 1137.
- وعن سهل بن حُنيف عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (من أذِلَّ عنده مؤمن فلم ينصره وهو قادر على أن ينصره أذله الله - عز وجل - على رؤوس الخلائق يوم القيامة).
انظر الفتح الرباني مسند الإمام أحمد بن حنبل الشيباني للشيخ أحمد عبد الرحمن البنا - رحمه الله - 19/69. وقال صاحب الفتح الرباني: أورده الهيثمي وقال: رواه أحمد وفيه ابن لهيعة وهو حسن الحديث وفيه ضعف وبقية رجاله ثقات. ا.هـ، وعقب الساعاتي – أي البنا – فقال: هو حسن الحديث إذا صرح بالتحديث وفيه ضعف إذا عنعن وهنا صرح بالتحديث فحديثه حسن.
- وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول لله - صلى الله عليه وسلم - قال: (إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث، ولا تحسسوا، ولا تجسسوا، ولا تنافسوا، ولا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخواناً كما أمركم، المسلمُ أخو المسلم: لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يحقره، التقوى ها هنا، التقوى هاهنا، (ويشير إلى صدره) بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم: كل المسلم على المسلم حرام: دمه، وعرضه، وماله: إن الله لا ينظر إلى أجسادكم، ولا إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم). أخرجه مسلم في صحيحه بهذا اللفظ وبألفاظ أخرى في كتاب البر، باب تحريم ظلم المسلم: 3/1986، الحديث رقم: 2564. وأخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الأدب، باب ما ينهى عن التحاسد والتدابر: 3/88.
أقوال العلماء في شرح الحديث:
- قوله: (وتوادهم) بتشديد الدال والأصل التوادد فأدغم. والتوادد تفاعل من المودة، والود والوداد بمعنى وهو تقرب شخص من آخر بما يجب.
- قوله: (وتعاطفهم) قال ابن أبي جمرة: (الذي يظهر أن التراحم والتوادد والتعاطف وإن كانت متقاربة في المعنى لكن بينها فرق لطيف. فأما التراحم فالمراد به أن يرحم بعضهم بعضاً بأخوة الإيمان لا بسبب شيء آخر، وأما التوادد فالمراد به التواصل الجالب للمحبة كالتزاور والتهادي. وأما التعاطف فالمراد به إعانة بعضهم بعضاً كما يعطف الثوب عليه ليقويه) اه. ملخصاً.
- قوله: (كمثل الجسد) أي بالنسبة إلى جميع أعضائه، ووجه التشبيه فيه التوافق في التعب والراحة.
- قوله: (تداعى): أي دعا بعضه بعضاً إلى المشاركة في الألم، ومنه قوله تداعت الحيطان أي تساقطت أو كادت.
- قوله: (بالسهر والحمى) أما السهر فلأن الألم يمنع النوم، وأما الحمى فلأن فقد النوم يثيرها، وقد عرَّفَ أهل الحذق الحمى: بأنها حرارة غريزية تشتعل في القلب فتشب منه في جميع البدن فتشتعل اشتعالاً لا يضر بالأفعال الطبيعية.
قال القاضي عياض: (فتشبيه المؤمنين بالجسد الواحد تمثيل صحيح وفيه تقريب للفهم وإظهار للمعاني في الصور المرئية. وفيه تعظيم حقوق المسلمين والحض على تعاونهم وملاطفة بعضهم بعضاً).
وقال ابن أبي جمرة: "شبه النبي - صلى الله عليه وسلم - الإيمان بالجسد، وأهله بالأعضاء، لأن الإيمان أصل وفروعه التكاليف فإذا أخل المرء بشيء من التكاليف شأن ذلك الإخلال الأصل، وكذلك الجسد أصل كالشجرة، وأعضاؤه كالأغصان، فإذا اشتكى عضو من الأعضاء اشتكت الأعضاء كلها كالشجرة إذا ضرب غصن من أغصانها اهتزت الأغصان كلها بالتحرك والاضطراب). اه [2].
وقال النووي - رحمه الله - معقباً على هذا الحديث وما ورد في معناه من الأحاديث: (هذه الأحاديث صريحة في تعظيم حقوق المسلمين بعضهم على بعض وحثهم على التراحم والملاطفة والتعاضد في غير إثم ولا مكروه، وفيه جواز التشبيه وضرب الأمثال لتقريب المعاني إلى الأفهام) [3].
وقال رجل لعمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه -: اجعل كبير المسلمين عندك أباً وصغيرهم ابناً وأوسطهم أخاً، فأي أولئك تحب أن تسيء إليه؟!، ومن كلام يحيى بن معاذ الرازي: ليكن حظ المؤمن منك ثلاثة: إن لم تنفعه فلا تضرّه. وإن لم تفرحه فلا تغمه، وإن لم تمدحه فلا تذمه) اه [4].
- فهل المسلمون اليوم كالجسد الواحد، أو كالبنيان المرصوص؟!
- وهل يحب المسلم اليوم لأخيه المسلم ما يحبه لنفسه.
ــــــــــــــــــــــ
[1] - النسخة التي اعتمدت عليها في تخريج هذه الأحاديث: سلسلة الكتب الستة، دار الدعوة، استانبول.
[2] - انظر فتح الباري بشرح البخاري: 13/46 البابي الحلبي.
[3] - صحيح مسلم بشرح النووي، الجزء السادس عشر، ص: 139.
[4] - جامع العلوم والحكم للبغدادي، ص 294.