بسم الله الرحمن الرحيم
أولاً: المراد بالنص المأثور:
كل نص نسب إلى قائل متقدم فهو بحاجة إلى تخريج، وتختلف أهمية هذا النص من جهتين:
الأولى: من جهة قائلة، فلا شك أن أعظم النصوص وأهمها في هذا الباب نصوص حديث رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم -، حتى أن كثيراً من الباحثين يعبر في تعريف التخريج بأنه: ((عزو الحديث...)) فاخترت التعبير بالنص المأثور ليكون أعم وأشمل.
ويلي نصوص حديث رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - نصوص صحابته رضوان الله عليهم على اختلاف طبقاتهم، ثم من بعدهم... وهكذا، وإن كان الأمر في العصور المتأخرة صار من حيث الجملة، وقد يكون قول إمام متأخر أهم من قول إمام متقدم عليه.
الثانية: من جهة العصر الذي قيل فيه النص، فأهم العصور في موضوع التخريج عصر ما قبل التدوين، حين كانت النصوص في الأغلب الأعم تتناقل مشافهة، وكان الاعتماد على الأسانيد، وأما بعد عصر التدوين فإن أقوال الأئمة عادة تكون موجودة في كتبهم التي اشتهرت عنهم شهرة استغنى بها عن روايتها بالأسانيد، فإذا لم يكن صاحب النص مؤلفاً فإننا نحتاج إلى تخريج نصوصه وإن كان في عصر التدوين والتأليف، لأننا حينئذ نعتمد على الإسناد، مع أن الباحثين اصطلحوا على تسمية تخريج نصوص الأئمة بعد عصر التدوين ويعنون بها أقوال من كانوا قبل عصر التدوين، ويقولون: توثيق النصوص ويعنون بها أقوال الأئمة بعد عصر التدوين، مثل أقوال أئمة الجرح والتعديل، هذا من جهة الاصطلاح، وإلا فإن المعنى في الحالين واحد.
ثانياً: معنى العزو:
العزو ذكر من روى النص على الشريط المذكور في التعريف، ويعبر عنه الباحث بقوله: رواه فلان،أو أخرجه فلان، ومن تمام العزو أن ينص الباحث على مكان وجود النص في الكتاب المعزو إليه بذكر الأمور التالية:
اسم الكتاب داخل الكتاب المصنف، واسم الباب، ورقم الجزء والصفحة، ورقم الحديث، فيقول مثلاً:
أخرجه أبو داود في ((سننه)) في (الحج) (باب ما يلبس المحرم)؟: 410 حديث 1823.
ويستوفي الباحث هذه الأمور بحسب ما توافر منها في الكتاب المعزو إليه فيعفى من رقم الحديث إن لم تكن النسخة مرقمة الأحاديث، ويعفى من اسم الكتاب والباب إذا لم يكن الكتاب مرتباً على الأبواب.
وبالنسبة لترتيب الأمور السابقة له أن يسلك غير هذا الترتيب، فيذكر مثلاً رقم الجزء والصفحة قبل اسم الكتاب والباب، وقد يقدم أيضاً رقم الحديث، فإذا اختار ذلك فيحسن به أن يلتزمه ولا يخرج عنه في بحثه كله.
وإذا كان لأحاديث الكتاب رقمان: عام للمؤلف كله، وخاص بالكتاب المعين كالصلاة مثلاً وذلك في مثل ((صحيح مسلم)) فللباحث أن يختار أحد الرقمين، وإن كان الأولى في نظري أن يختار الإحالة على الرقم العام، وإذا اختار أحدهما فعليه أن يلتزم ذلك أيضاً.
ويكثر من طلاب الحديث السؤال عن ذكر الطبعة للكتاب، وهذا ليس من أمور التخريج في شيء، والجواب عنه في مادة ((مناهج البحث)) والمستحسن في هذا أن يلتزم الباحث طبعة يكون قد اختارها لما فيها من مميزات مثل كونها محققة تحقيقاً علمياً، أو كونها مرقمة الأحاديث، أو نحو ذلك، ثم يذكر ما يتعلق بطباعتها في ذكر المراجع في نهاية البحث، فإذا احتاج إلى العزو إلى طبعة أخرى لغرض من الأغراض نص عليه في مكانه، ومثل هذا يقال في لعزو إلى النسخ المخطوطة.
والأمور السابقة في تمام العزو يمكن اختصارها من جهتين:
الأولى: حذف اسم الكتاب المؤلف استغناء بشهرته إذا ذكر مؤلفه، فيقال في المثال السابق: أخرجه أبو داود في ((الصلاة))... ، وهكذا في البخاري ومسلم والترمذي وغيرهم من المؤلفين، فإذا عزا الباحث إلى مؤلف آخر لذلك الإمام فلا بد من النص على تسميته، مثل أن يعزو إلى ((المراسيل)) لأبي داود، أو إلى ((الشمائل)) للترمذي.
ويضع الباحث في مقدمة بحثه قائمة بأسماء الكتب التي التزم حذفها استغناء بشهرة نسبتها إلى مؤلفيها
الثانية: الرمز للمؤلف بحرف أو حرفين من اسمه بدلاً من ذكره كاملاً، مثل: خ = للبخاري، د = أبو داود، قط = الدار قطني...
ثالثاً: بيان فرق المتن:
جرى التدوين العام للسنة وأقوال الصحابة والتابعين في عصر متأخر من الوقت الذي قبلت فيه، والاعتماد في الغالب على نقلها مشافهة، فإذا أضيف إلى ذلك أن كثيراً من الرواة يروون النصوص بالمعنى - أمكننا أن ندرك بسهولة السبب في وجود الاختلاف في ألفاظ الرواة في النص الواحد.
ثم إذا عرفنا أهمية هذه النصوص واحتياج الأمة إليها في تشريع – أدركنا أيضاً ضرورة معرفة اختلاف ألفاظ الرواة، وهو المعبر عنه ببيان فروق المتن، فمعناه حينئذ: ذكر الاتفاق والاختلاف بين النص الذي أمام الباحث ويقوم بتخريجه وبين ما في المصدر الذي يعزو إليه.
ولما كانت الاختلافات والزيادة والنقص في الروايات كثيرة في بيان فروق المتن تحكمه الضوابط التالية:
أ - وضع ضابط علم فيما ينبغي الاعتناء له من هذه الاختلافات أمر غير ممكن، والذي يحكم هذا نوع من البحث الذي يدخل فيه تخريج ذلك النص، فإذا كان الباحث في موضوع فقهي فلا شك أن مجال عنايته ألفاظ النص التي تستنبط عنها الأحكام، وعلى الأخص ما يتعلق بموضوعه الذي يبحث فيه، وكمثال على هذا نقد بعض الأئمة للبيهقي عند روايته حديث: ((أيما إهاب دبغ فقد طهر)) فإنه بعد أن رواه بإسناده عزاه إلى ((صحيح مسلم)) مع أن الموجود في ((صحيح مسلم)) بلفظ: ((إذا دبغ الإهاب فقد طهر)) وبين اللفظين فرق كبير من جهة حكم فقهي، مع أن البيهقي يمكن أن يلتمس له عذر فيه صنعه.
ولهذا يقولون لو كان الباحث يخرج نصوص كتاب في((الغريب)) فإن عليه أن يعتني بهذا الجانب في بيان فروق المتن، وكذا لو كان يخرج نصاَ جرى مجرى المثل عليه أن يوليه عناية تخدم الغرض الذي من أجله سيق النص وهو جريانه مجرى المثل.
والخلاصة أن هذا الأمر منوط بفقه الباحث في التخريج وبخبرته وكثرة مرانه.
ب – تقدم أن من فقه التخريج أن لا يلتزم الباحث تفصيل بيان فروق المتن وأنه يفعل ذلك بحسب الحاجة، ولكن ما يتركه الباحث دون تفصيل عليه أن يفعله على طريق الإجمال، وقد يجمع بين الأمرين: يفصل شيئاً ويجمل ما بقي، وهذا أيضاً راجع إلى فقه المخرج ودرايته.
وقد استخدم الأئمة والباحثون مصطلحات في بيانهم لفروق المتن والاتفاق والاختلاف بطريقة مجملة، يختار منها الباحث ما يناسب النص الذي معه، ومن هذه المصطلحات:
1 - بلفظه: يستعملها الباحث إذا كان النص الذي أمامه موافقاً للنص في المصدر الذي يعزو إليه.
2 - بنحوه: إذا كان الاختلاف بين النص يسيراً.
3 - بمعناه: إذا كان الاختلاف بين النصين واسعاً واتفقا في المعنى مع ملاحظة أن كثيراً من الأئمة يعبر بإحدى الكلمتين (بنحوه، بمعناه) في مقام الأخرى، ولكن الباحثين في الوقت الحاضر مالوا إلى التدقيق، ففرقوا بينهما كما سبق، مع أن في التفريق بينهما عند التطبيق الذي صعوبة قد تواجه الباحث، والأمر في ذلك واسع(1).
4 - مختصراً: إذا كان النص في المصدر الذي يعزو إليه فيه اختصار وحذف بالنسبة للنص الذي أمام الباحث.
5 - مطولاً: إذا كان النص في المصدر الذي يعزو إليه فيه طول في السياق بالنسبة للنص الذي أمام الباحث.
6 - في أثناء حديث: إذا كان النص الذي أمام الباحث موجوداً في المصدر الذي يعزو إليه في ضمن حديث مطول.
ويحتاج الباحث إلى دقة في استعمال هذا المصطلح، قد يشتبه عليه بمصطلح: مختصراً، مع أن بينهما فرق، فالاختصار معناه أن الحديث واحد ووقع اختصار وحذف في السياق، وأما الآخر فالحديث مختلف، وقد لا يكون له علاقة لباقية للنص الذي يخرجه الباحث.
7 - في أوله أو في آخره زيادة أو قصة: إذا كان الحديث بهذه الصفة في المصدر الذي يعزو إليه الباحث.
8 - مفرقاً: إذا كان النص الذي أمام الباحث موجوداً في المصدر الذي يعزو إليه في أماكن متفرقة في الكتاب، في كل مكان جزء من الحديث وفي مجموعها النص كله.
9 - ملفقاً: إذا كان النص الذي أمام الباحث موجوداً في المصدر الذي يعزو إليه وكنه في عدة أحاديث، وذلك مثلاً إذا كان النص حديثاً فبعضه عن أبي هريرة، وبعضه عن عائشة، وبعضه عن جابر، وقد يكون الجميع عن صحابي واحد وهي أحاديث متفرقة.
وفي كثير من الأحيان يجمع الباحث بين مصطلحين عند الحاجة إلى هذا، فيقول مثلاً: أخرجه أحمد... مختصراً في أثناء حديث، أو بلفظه وفي آخره قصة أو بمعناه مطولاً.
ج - لا يظن الباحث أن مسألة الإجمال في بيان فروق المتن قصد بها الاختصار تخفيفاً على الباحث المخرج، وإنما ذلك من حق القارئ أيضاً، فكما ألزم الباحث بالتفصيل عند الحاجة أمر بالإجمال عند عدمها.
ولا شك أن هذا يحتاج إلى خبرة وممارسة طويلة للتخريج ليكون عند البحث فقهاً في هذا الجانب، ومما يساعد على تكوينه أيضاً القراءة في كتب الأئمة الذين فعلوا هذا في عصر الرواية أو بعده، وأخص بالذكر ((صحيح الإمام مسلم)) فكله أمثلة تطبيقية، مع ضرورة قراءة تعبيره عن منهجه المتعلق ببيان فروق المتن، وذلك في مقدمة صحيحه.
ح - إذا كان الباحث يعزو نصاً إلى أكثر من مصدر فلا ينبغي له أن يفرق بيان فروق المتن بحيث يذكر فرق ما في كل مصدر بعد ذكر المصدر نفسه، ففي هذا العمل إطالة لا داعي لها، ويغني عنها أن يؤخر بيان الفروق حتى يفرغ من سرد المصادر.
والسبب في ترجيح هذا ظاهر، إذ قد يتفق مصدران أو ثلاثة أو أكثر في صفة النص الذي فيها، فيجملها الباحث بالتعبير عن الجميع بمصطلح واحد ثم يعبر عن الباقي بما يناسبه، وقد يصطلح للباقي أيضاً مصطلح آخر لا أكثر.
وليس المراد بهذا تقييد الباحث، فله أن ينفلت منه إما في بعض نصوصه أو في بحثه كله، بشرط أن يظهر لديه مرجح للتفريق خدم به القارئ وزاده فائدة.
والخلاصة هو أن الأصل جمع مصادر التخريج في نهاية العزو، وأن الخروج عن هذا الأصل يحتاج إلى مرجح قوي يحسن بالباحث أن يبينه ويشرحه في مقدمة البحث أو الكتاب.
رابعاً: بيان درجة النص:
تقدم في التمهيد عند تعريف التخريج في الاصطلاح الحاضر أن كثيراً من الباحثين يجعل بيان درجة النص من صلب التخريج، وأنهم لا يسمون عمل الباحث تخريجاً إذا لم يف بذلك، ويسمون عمله عزواً، وأن الذي يظهر لي أنه يسمى تخريجاً وإن كان فيه نقص.
وينبغي أن يعرف هنا أن النصوص ليست كلها تحتاج إلى بيان درجتها، فمن النصوص ما يغني عزوه إلى مصادره عن بيان درجته، فالعزو إلى صحيح ((البخاري)) و ((صحيح مسلم)) كاف في الدلالة على صحة النص، وليس ذلك لغير هذين الكتابين، مع التنبيه إلى أن النص إذا كان حديثاً نبوياً فيتأكد من عزوه إلى أحد هذين الكتابين أنه فيه عن ذلك الصحابي الذي أمامه، فقد يكون الحديث عند الباحث عن صحابي وهو فيهما، أو في أحدهما عن صحابي آخر، وهذا وإن كان يشمل غيرهما – كما سيأتي التنبيه عليه – إلا أنه فيهما آكد، لأن مجرد العزو إليهما دال على صحة الحديث، وقد يصح الحديث عن صحابي ولا يصح عن صحابي آخر.