بسم الله الرحمن الرحيم
التعريف بالعلم:
* تعريف الجرح والتعديل:
تعريف الجرح لغة: هو التأثير في البدن بشق أو قطع، واستعير في المعنويات بمعنى التأثير في الخُلُق والدين بوصف يناقضهما.
واصطلاحاً: وصف الراوي بما يقتضي رد روايته.
وتعريف التعديل لغة: هو التقويم والتسوية، واستعير في المعنويات بمعنى الثناء على الشخص بما يدل على دينه القويم وخلقة السوي.
واصطلاحاً: وصف الراوي بما يقتضي قبول روايته.
فعلم الجرح والتعديل النظري هو: القواعد التي تنبني عليها معرفة الرواة الذين تقبل رواياتهم أو ترد ومراتبهم في ذلك.
وعلم الجرح والتعديل التطبيقي هو: إنزال كل راوٍ منزلته التي يستحقها من ا لقبول وعدمه.
الكلام عن العدالة:
* تعريف العدالة (على الإطلاق): ملكة تحمل صاحبها على ملازمة التقوى والمروءة.
شرح التعريف: الملكة: السجية، والتقوى: هي فعل ما يحبه الله - تعالى - وترك ما يكرهه. والمروءة هنا (بمعنها الخاص): هي فعل ما هو من صفات أهل العقل الراجح ومن سمات أهل الفضل والخيل بحسب عرف البلد والزمن.
وتعريف العدالة بتلك الملكة ليس عليه انتقاد في نظري؛ لأن تعريف العدالة بذلك ليس هو تعريف العدل، فمن كانت له تلك الملكة لا يلزم من اتصافه بها أن يكون معصوماً، فقد يخالف صاحب الملكة ملكته أحياناً، وقد يتجاوز ذو السجية سجيته، وكما قيل في بيان ذلك: ((لكل جواد كبوة، ولكل سيفٍ نبوة)) وعليه: فإني لا أرى أن هناك فرقاً بين تعريف العدل بصاحب تلك الملكة وتعريفه بأنه: من كان الغالب عليه فعل الطاعات وترك المعاصي، أو بأنه:
من غلب خيره شره.
ثم إن الملكات (والسجايا) تتفاوت في القوة والتمكن، فليس كل من كان الجود سجيته بلغ مبلغ حاتم الطائي، ولا كل من كانت التقوى والمروءة ملكةً له بلغ مبلغ أبي بكر وعمر - رضي الله عنهما - وهذا هو مقتضى اعتقاد أهل السنة والجماعة بأن الإيمان يزيد وينقص ن وأن أصحابه فيه متفاوتون.
أما المروءة فاشتراطها مهم، لإخراج الصغير غير المكلف والمجنون كذلك، اللذين لا يوصفان بالتقوى ولا بنقيضها (الفسق)، فهما ليسا من أهل العدالة. ولإخراج من يغلب على الظن أنه ليس بعدل، وإن لم يثبت عليه يقيناً أنه فاسق؛ وذلك لإتيانه بما الغالب على من يأتيه (عرفاً) بأنه من أهل الفسق أو السفه (نقص العقل).
وعليه يتبين أن الأمر قد يكون في أصله مباحاً، لكنه مما يخرم المروءة؛ لأنه من سمات أهل الفسق أو السفه. فلو رأيت في الشارع رجلاً يصيح ويقفز رافعاً شعاراً لأحد الأندية الرياضية، أو رأيت مسئولاً يدخل محل عمله بإزارٍ فقط لا يستر إلا ما بين السرة والركبة فإنه سيغلب على ظني أن فاعل ذلك ليس من أهل المروءة، مع أنه لم يفعل محرماً أصلياً؛ لأن ذلك هو عرف بلدنا وزمننا في الفساق والسفهاء.
فالمروءة (بمعناها العام) أعم من التقوى، وخوارم المروءة أعم من أسابب الفسق؛ فكل مفسقٍ خارم للمروءة، وليس كل خارمٍ للمروءة مفسقاً.
ويظهر من كل ذلك: أن اشتراط المروءة إنما هو في الحقيقة للتثبيت من سلامة العقل والدين، من خلال التنزه عن قوادح يقينية أو ظنية فيهما. فاليقينية: كصغر السن بما دون البلوغ، أو ذهاب العقل كالجنون، أو ارتكاب الكبائر والموبقات وهوا لفسق. وأما الظنية: فكفعل مباحٍ لكنه من سمات أهل الفسق أو السفه، فيغلب على الظن أن فاعله منهم.
فإذا علمنا ذلك، تبين أن من أتى قادحاً ظنياً مما يقدح في المروءة غالباً لكني أعلم يقيناً أنه سالم العقل والدين فإني أقدم حينها اليقين على الظن، وحقيقة الأمر على العلامات والسمات، فلا أخرجه بذلك عن أهل العدالة.
*تعريف العدل: من كانت له ملكة تحمله على ملازمة التقوى والمروءة، وهو: المسلم العاقل البالغ السالم من أسباب الفسق وخوارم المروءة.
والفسق نعني به هنا: رقة الدين وضعف الخوف من الله - تعالى - الذي يظهر من خلال ارتكاب الكبائر، أو الاستخفاف والانهماك في جملة من الصغائر من غير جهل أو تأول، قبل أن تعقبها توبة تعلم وتتضح.
وخوارم المروءة: هي (هنا) ما يكون بحسب العرف (البلدي والزمني) علامة من علامات أهل الفسق أو السفه.
*سبب اشتراط العدالة: الاطمئنان إلى أن الراوي (أو الشاهد) فيه من التقوى والورع ما يمنعه عن تعمد الكذب. إذ بغير مراقة الله - تعالى - واستحضار علمه - سبحانه - بكل شيء، مع خشية عقابه لا يردع الإنسان عن الكذب شيء، إذا كان له في الكذب مصلحة، واطمأن إلى عدم افتضاحه به عند الناس.
وهؤلاء العرب في الجاهلية كانوا من أترك الأمم للكذب أنفةً وتكرماً؛ مع ذلك فهذا أبو سفيان بن حرب - رضي الله عنه - ، لما سأله هرقل عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وجعل رفاقاً لأبي سفيان خلف ظهره شهوداً على ما يجيب به، ليصدقوه أو يكذبوه فيما يقول ن وأبو سفيان حينها على دين قومه (لم يسلم بعد) فيقول أبو سفيان (كما في الصحيح): ((فوالله لولا الحياء من أن يأثروا علي كذباً لكذبت)). فهذا دليل على أن ترك الكذب لغيد الديانة لا يؤمن دوامه عند تعارض الصدق مع المصلحة، وعند الاطمئنان من عدم حصول الضيحة بالكذب.
ولما كان كذلك هو سبب اشتراط العدالة استثنينا من الفساق فساق التأويل: كالمبتدع (غير المكفر ببدعته) المأول (غير المعاند). وكمن يشرب النبيذ على مذهب الكوفيين؛ لأن هؤلاء وإن كنا نغلظ عليهم هذا الاعتقاد أو الفعل، لخطورته ومخالفته الصريحة للنصوص الشرعية، ونحذر الناس منهم ومن الاغترار بهم قد لا يكون وقوعهم فيما وقعوا فيه بسبب ضعف الوازع الديني في قلوبهم، ذلك الضعف الذي لا يمنع صاحبه من تعمد الكذب. بل وقعوا في ذلك الفسق جهلاً أو تأولاً (وأحدهما مصاحب للآخر)، مع تعظيمهم لحرمات الدين، وقوة مراقبة الله - تعالى - في قلوبهم، مما يطمأن معه إلى أنهم لن يتعمدوا الكذب.
* قسما العدالة:
تعريف العدالة الظاهرة: الإسلام وعدم العلم بالمفسق. وتعرف من خلال الخبرة القصيرة أو السطحية.
تعريف العدالة الباطنة: الإسلام والعلم بعدم المفسق. وتعرف من خلال الخبرة الطويلة أو القوية.
وليس المقصود بالعدالة الباطنة خفايا القلوب والنوايا، فهذه لا يعلمها إلا عالم ما في الصدور - سبحانه وتعالى -.
*أقسام الرواة من جهة تحقق العدالة (بقسميها) فيهم.
1 من عرفت عدالته الباطنة (والظاهرة باللزوم): وهو العدل.
2 من عرفت عدالته الظاهرة (دون الباطنة): وهو ا لمستور (باصطلاح المتأخرين) وحكمه القبول في الرواة الذين تعذرت الخبرة الباطنة بأخوالهم، وخاصة طبقة التابعين وكبارهم بالأخص وطبقة المتأخرين من رواة النسخ.
3 من جهلت عدالته (الظاهرة والباطنة) لكن عرفت عينه (في النسب أو الأدب أو الشعر أو أي علم آخر أو في قيادة جيش أو إمارة أو غير ذلك مما يذكر في التواريخ): فهو مجهول الحال وحكمه التوقف عن قبول حديثه، ولا يحكم لحديثه بخفة ضعفٍ أو بدة ضعف بإطلاق، ولكن ينظر في حديثه (إسناده ومتنه): فإن كان فيه نكارة، أو علامات الوضع حكم عليه بما يقتضيه ذلك، وإلا فلا يحم عليه بدة الضعف، ويبقى حينها في حيز الاعتبار.
4 من جهلت عدالته (الظاهرة والباطنة) ن وجهلت عينه أيضاً: فهو مجهول العين. وهو كالمبهم . وهو الراوي الذي لم يسم). وحمه حكم سابه، وقد يكون أبعد عن القبول من سابقه.
5 من عرف بعدم العدالة: وهو الفاسق، بل والكافر. وهو مردود بالإجماع. وحديث الفاسق غير المتأول شديد الضعف لا يعتبر به، كحديث الكذاب والمتهم بالكذب.
* كيفية إلحاق الرواة بواحدٍ من هذه الأقسام الخمسة:
1 (العدل):
أ بالشهرة والاستفاضة، مثل أئمة السنة.
ب بالتنصيص من مقبولٍ قوله في الجرح والتعديل.
ج بالتعديل الضمني (كالتصحيح والتحسين للراوي، ورواية من لا يروي إلا عن مقبول عنه). وتزداد دلالة التعديل الضمني على العدالة عند عدم وجود جرح صريح في ذلك الراوي.
ومن التعديل الضمني: الاحتجاج بخبره، إذا غلب على الظن أن العالم إنما اعتمد في حكمه بمقتضى ذلك الخبر على رواية ذلك الراوي.
2 (المستور): برواية عدلين عنه، ويكتفى بعدل واحد إذا كان من الأئمة والحفاظ.
3 (مجهول الحال): برواية راوٍ واحد (عدلاً كان أو ليس بعدل، فإن كان الراوي عنه ليس بعدل فهو أضعف لحاله ولحديثه).
4 (مجهول العين): كسابقه، وإنما فارق بينهما العلم بعين الراوي والجهل بها.
5 (الفاسق والكافر):
أ بالشهرة والاستفاضة: كمحمد بن سعيد المصلوب بالزندقة، والكلبي، وبشر المرسي، وحفص الفرد. يقول النسائي: ((الكذابون المعروفون بوضع الحديث على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أربعة: ابن أبي يحيى بالمدينة، والواقدي ببغداد، ومقاتل بن سليمان بخراسان، محمد بن سعيد بالشام)).
ب بالتنصيص من مقبولٍ قوله في الجرح.
ت بالتضعيف الضمني: (كتضعيف الحديث الذي ليس فيه ما يقتضي التضعيف إلا ذلك الراوي، وكترك العمل بمقتضى حديثه مع غلبة الظن أن ترك العمل به لم يكن لسبب آخر إلا أنه من رواية ذلك الراوي).
ث بروايته للمنكرات والموضوعات بالأسانيد النظيفة التي تكون سبب افتضاحه بأنه هو الذي جاءت من قبله تلك النكارة أو هو الذي وضع ذلك الإسناد أو المتن.
الكلام عن الضبط:
* هذا هو العدل في الشهادة، أما العدل في الرواية فيشترط فيه مع العدالة الدينية أن يكون ضابطاً.
* تعريف الضبط: نقل المروي كما تلقاه الراوي (لفظاً أو معنى).
* تعريف الضابط: هو من كان نقله للمروي مطابقاً لما تلقاه عن شيخه (لفظاً أو معنى).
* قسما الضبط:
1. ضبط صدر ك هو القدرة على استحضار المروي من الصدر كما تلقاه الراوي دون الرجوع إلى الكتاب، مع شرط عدم إحالة المعنى فيما إذا ما روى بالمعنى.
(والرواية بالمعنى تحتاج إلى ثلاثة أمور مجملة، اثنين منها مكتسبة: وهما: العلم بالفقه وأصوله، والعلم باللغة، وواحدٍ منها فطري وهو حسن الفهم ودقة الإدراك للمعاني). مع العلم بأن من الأحاديث النبوية ما لا تصح فيها الرواية بالمعنى كالأدعية والأذكار التي يتعبد بألفاظها، وكجوامع كلمه - صلى الله عليه وسلم -.
2. ضبط كتاب: وهو أن يكون المروي مكتوباً مصححاً، محفوظاً من التغيير أو التلف أو الفقدان، وأن لا يحدث صاحب هذا الضبط (إذا لم يكن لديه ضبط الصدر) إلا من كتابه هذا أو من نسخةٍ مطابقة ٍ له.
* كيفية معرفة العلماء المتقدمين لضبط الرواة: يتم ذلك منهم من خلال عملية شاقة تستلزم حفظاً واسعاً وفهماً ثاقباً وإدراكاً كبيراً لعلوم الحديث بجميع فنونها، هذه العملية هي عملية سبر مرويات ذلك الراوي.
وهي باختصار بالغ: تقسيم حديث ذلك الراوي إلى قسمين: الأحاديث التي تفرد بها ن والأحاديث التي شورك في أصل روايتها.
فإن غلبت عليه المفاريد كان ذلك دليل ضعفه، بل ربما كانت دليل وضعه للحديث.
فإن لم تغلب عليه المفاريد لكنها لم تزل في حيز الكثرة، نظر إليها نكارة وعدم نكارة، مع مراعاة طبقة الراوي حيث إن التابعين يقبل التفرد منهم مالا يقبل مثله من أتباعهم، ثم لا يكاد يقبل تفرد أتباع التابعين؛ على ما نص عليه الذهبي في الموقظة.
فإن كانت المفاريد قليلة أو لا وجود لها، نظر إلى القسم الثاني من حديث الراوي، وهو ما شورك في أصل روايته. هل الغالب عليه موافقة الثقات، وما هي نسبة مخالفته (فحشاً وعدداً) بالنسبة لموافقته لهم.
فإن ظهر لنا بعد ذلك أنه ضابط في الجملة، عدنا مرة أخرى إلى مفاريده (إن وجدت)، فنظرنا فيها: هل في ضبطه ما يقع جابراً لما تفرد به؟ هل يحتمل ضبطه التفرد بما تفرد به؟ فإن كان فيها مالا يحتمله ضبطه، نظرنا:
هل فيها منكرات شديدة، فإن كان فيها شيء من ذلك ربما أسقطنا حديثه (فرب حديثٍ واحد أسقط مائة ألف حديث، كما قال الدار قطني).
ولا يعني ذلك أنه لا ينظر إلى هذا القسم (قسم ما شورك فيه الراوي) إلا بعد قسم ما تفر به من حديثه، بل ربما كان الابتداء بقسم ما شورك فيه أصح، لأن الحكم على الراوي من خلاله قد يكون أسهل. وهو أقل عمقاً من سبر المفاريد (مع عمقه أيضاً).
ت وهذا كله فيما إذا كان الراوي مكثراً من الرواية،أما إذا كان مقلاً بل ليس له إلا حديث الواحد أو الحديثان نحوها. فإن لحكم عليه بالضبط وعدمه قد يكون في غاية السهولة على النقاد، وقد يكون في غاية الصعوبة عليهم فإن كان جميع حديث ذلك الراوي المقل مما شورك في نقله سهل الحكم عليه من خلال ذلك وإن كان جميع حديثه مفاريد، أو فيها مفاريد مع ما شورك فيه منها، بل ربما لم يكن له إلا حديث واحد تفرد به؛ وفي هذه الحالة يصعب الحكم عليه جداً على أئمة النقاد وجهابذة الحفاظ؛ لأنه وإن وافق الثقات فيما شاركهم في روايته، إلا أن قلة حديثه الذي شاركهم فيه أصلاً لا تكفي للحكم عليه بالضبط أو بعدمه. ولا بد حينها من النظر في مفاريده أيضاً. والحكم على الراوي من خلال مفاريده القليلة (التي قد تكون حديثاً واحداً) في غاية الصعوبة، خاصة عند عدم وجود نكارة ظاهرة ي ذلك الحديث الفرد، وعند احتمال طبقة ذلك الراوي للتفرد (كالتابعين ثم أتباعهم).