بسم الله الرحمن الرحيم
خاتمة القواعد:
في الشواهد والاعتبارات والمتابعات
وفي اعتقادي أن هذا الباب باب جليل المنفعة لا يستغني عنه المحدثون المجتهدون فضلاً عن المبتدئين في دراسة علم التخريج.
ولذلك يلزم الباحث أن يعمد بحثه بمعرفته والسير على منهجيته القويمة التي تساعده على صحة الحكم بما يقتضيه الخبر الوارد في مظان الحديث وخصوصاً عند كثرة المرويات الواهية المحتملة.
قال ابن جماعة في المنهل الراوي ص 59، 60: وهي أمور يتعرفون بها حال الحديث فالإعتبار أن ينظر في حديث رواه حماد بن سلمة مثلاً.
ولم يتابع عليه من أيوب عن ابن سيرين عن أبي هريرة، هل رواه ثقة غير أيوب كذلك، فإن لم يوجد فثقة غير ابن سيرين كذلك،فإن لم يوجد فصحابي غير أبي هريرة.
فأي ذلك وجد علم أن له أصلاً يرجع إليه وإلا فلا(1).
والمتابعة أن يرويه غير حماد عن أيوب وهو المتابعة التامة، أو غير أيوب عن ابن سيرين أو غير ابن سيرين عن أبي هريرة أو غير أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه و سلم -.
فكل هذا يسمى متابعة، ولكن تقتصر على الأولى بحسب ما بعدها منها.
والشاهد: أن يروى حديث بمعنى حديث لا بلفظه(1) فيكون شاهداً له ولا يسمى ذلك متابعة لأنه ليس بلفظه.
مثال المتابعة والشاهد:
حديث سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن عطاء عن ابن عباس في حديث الإهاب: ((لو أخذوا إهابها فدبغوه فانتفعوا به)) (2).
رواه ابن جريح عن عمرو ولم يذكر الدباغ فذكر البيهقي لحديث ابن عيينة متابعاً وشاهداً فالمتابع أسامة بن زيد تابع عمراً عن عطاء عن ابن عباس ((ألا نزعتم إهابها فدبغتموه فاستمتعتم به)).
والشاهد حديث عبد الرحمن بن وعلة عن ابن عباس عن النبي - صلى الله عليه و سلم -: ((أيما إهاب دبغ فقد طهر)) (3).
ولا يصلح لذلك كل ضعيف ولذلك يقول الدار قطني في الضعفاء: فلان يعتبر وفلان لا يعتبر. أ. ه بتصرف.
قلت: فلا يصلح اعتضاد الحديث بالراوي الكذاب أو المتروك أو الوضاع ونحوهم.
وكل متابعة أو شاهد من طريق أحدهم فلا يعتبر الإعتضاد به مقبولاً إلا بالضعيف الصالح في الاعتبارات ممن خفَّ ضعفه لا ممن اشتد.
ثم إذا صح الحديث دون حاجته إلى الإعتضاد بطرقه وشواهده الأخرى فلا يلتفت لاعتضاده بالطرق والشواهد الأخرى على المختار.
وإنما أذكرها من باب البيان سواء صحت أم لا؟
وإذا صح الحديث بشواهده وطرقه واختلفت السياقات بزيادات ونحوها واتفق الحكم فالتصحيح أو التحسين للحكم الوارد في مجمل الطرق والشواهد إلا إذا اتفقت السياقات أو بعضها مع الحكم فالتصحيح أو التحسين لهما، هذا ما أتبعه في كافة بحوثي.
وعليه فالحديث متى ما صح فلا داعي لتقوية الشواهد الأخرى الضعيفة وأفرادها بالتحسين ونحوه لوجود ما يغني عنها في الباب، وإنما تذكر من باب معرفتها، بخلاف الحسن لذاته فإنه يعتضد بغيره ليتقوى إلى مرتبة الصحيح لغيره، والله أعلى وأعلم وأعز وأكرم.
__________________________
(1) قلت: إنما ذلك فيما إذا خالف فيه غيره بقلب سنده أو متنه أو وصله ونحو ذلك، وغيره ممن هم أولى منه أرسلوه أو لم يقلبوه، وكذلك إن كان الراوي ممن يغرب في حديثه وانفرد بالرواية دون غيره فينظر في المتابع وما إلى ذلك من هذه الأمور.
أما إذا انفرد بالرواية وهو ثقة ولا يغرب ولا يخلط في حديثه فالحديث صحيح وكذلك إذا كان ثقة وزاد في الرواية على أنها من المروي للتفسير والتوضيح ولم تعارض ما رواه الثقات فهي صحيحة وهلم جراً مما يخضع تحت هذا المنوال.
(1) الأولى ألا يفرق بين الشاهد سواء بلفظه أو بمعناه طالما وهو عن صحابي آخر وعليه عامة المحقيقين من أهل الحديث.
(2) أخرجه مسلم رقم 363.
(3) أخرجه مسلم في صحيحه رقم 366.