بسم الله الرحمن الرحيم
في 29 آب الجاري تمر الذكرى الثامنة والثلاثون لاستشهاد الأستاذ سيد قطب أحد أبرز مفكري الحركة الإسلامية في حقبة الخمسينيات والستينيات، عندما قدم مع مجموعة من خيرة إخوانه وصفوة رجال الأمة إلى حبل المشنقة ليروي بدمائه هو وإخوانه شجرة الدعوة من جديد بعد أن فاضت أرواحهم فجر يوم الاثنين 29 آب عام 1966.
كان الشهيد سيد قطب أول من استخدم المنهج الحركي في تفسيره للقرآن الكريم، وكما كان كاتباً إسلامياً موسوعياً، كان الشهيد سيد قطب مصلحاً اجتماعياً وناقداً أدبياً، أثرى الحياة الثقافية والأدبية بالعديد من الدراسات والمقالات. وقد عاصر الشهيد أصعب المراحل التي واجهت دعوة الإخوان المسلمين في محنتي 1954 و1965، وآثر أن يلقى الله شهيداً عن أن يكتب كلمة استرضاء أو استرحام.
ولد الشهيد سيد قطب يوم 9/تشرين أول/ 1906 في قرية موشا بمحافظة أسيوط في صعيد مصر، لأسرة تنتمي إلى وجهاء الريف، فكان الابن الأول لأمه بعد أخت تكبره بثلاث سنوات. وعلى الرغم من وجود اثنين من خريجي الأزهر في عائلة أمه، إلا أنه التحق بالمدارس الحكومية، وفي نفس الوقت التحق بأحد الكتاتيب، واستطاع بمجهود شخصي أن يكمل حفظ القرآن الكريم عن ظهر قلب وهو في العاشرة من عمره، وظهرت عليه علامات الذكاء وحسن الاستيعاب لما يصل إلى حواسه من معلومات وأفكار ومناقشات.
وعي سياسي مبكر:
بعد تخرجه من مدرسة موشا قررت الأسرة إرساله إلى القاهرة للعمل واستكمال الدراسة، وكان في الرابعة عشرة من عمره، وقد كان أملها في استعادة إرث الأسرة، والخروج من كبوتها المادية، وأقام عند خاله الذي كان يعمل صحفياً مؤيداً لحزب الوفد، والتحق سيد قطب عام 1925 بمعهد لإعداد المعلمين، وأمضى به أربع سنوات، وما كاد ينتهي من دراسته حتى كانت ظروف أسرته تزداد سوءاً، فعمل مدرساً ابتدائياً، وخلال عامي 1928 و1929 واظب على حضور فصول دراسية تمهيدية لكلية دار العلوم، التي التحق بها رسمياً عام 1930، وتخرج منها عام 1933.
وفي عام 1944 عمل سيد قطب مفتشاً بالتعليم الابتدائي، ومن خلال عمله بوزارة المعارف العمومية أعد أكثر من مشروع لإصلاح نظام التعليم في مصر، إلا أن مصيرها كان الحفظ في أدراج مكاتب الوزارة، فاتجه نحو إخراج الطاقة الأدبية الكامنة بداخله، فصدر له كتابان في نهاية الأربعينيات هما: «النقد الأدبي..أصوله ومناهجه» و«كتب وشخصيات»، وكان قد هجر الأحزاب السياسية في منتصف الأربعينيات مكتفياً بكتابة المقالات السياسية في عدد من الصحف، وكانت كتاباته وآراؤه الحماسية سبباً في انزعاج الملك فاروق، الذي أراد أن يعتقله، إلا أن صلاته الوفدية القديمة كانت سبباً في عدم اعتقاله الذي استبدل بما يشبه النفي الاختياري، وتمثل في بعثة دراسية إلى الولايات المتحدة الأمريكية عام 1948.
مع الإخوان:
وإذا كانت صلة الشهيد سيد قطب بجماعة الإخوان المسلمين قد ازدادت قوة بعد استشهاد الإمام حسن البنا، إلا أن هذه الصلة كانت قد بدأت عام 1946، وتطورت أكثر مع وقوع حرب 1948 التي أكّدت بما لا يدع مجالاً للشك أن جماعة الإخوان المسلمين هي أكثر القوى وطنية، وحركة، وانتشاراً، ووضوحاً في الرؤية، ولذلك أهدى إلى الجماعة كتابه «العدالة الاجتماعية في الإسلام».
وكان سيد قطب قد رست سفينته الفكرية على مرفأ الدراسات الإسلامية والقرآنية بعد فترة من الصراع الفكري والنفسي بين التيارات الثقافية الغربية المختلفة، فكانت حصناً له عندما سافر إلى الولايات المتحدة الأمريكية لدراسة نظام التعليم الأمريكي على نفقة وزارة المعارف المصرية.
وربما كانت هذه الحدة في نقده للحضارة الأمريكية سبباً في استقالته من وزارة المعارف في نفس العام الذي انضم فيه رسمياً إلى جماعة الإخوان المسلمين، وكان في الخامسة والأربعين من عمره. وفي عام 1952 اختير رئيساً لقسم نشر الدعوة، وبعد قيام حركة تموز عام 1952 ترأس قطب مؤتمراً في آب من نفس العام بعنوان «التحرر الفكري والروحي في الإسلام» شهده أعضاء مجلس قيادة الثورة، ولقي اهتماماً وترحيباً من الرئيس محمد نجيب وجمال عبد الناصر الذي كان رئيساً للوزراء في ذلك الوقت، وفي 3 تموز عام 1954 اختاره المرشد العام للحركة حسن الهضيبي ليكون رئيساً لتحرير جريدة «الإخوان المسلمون».
محنة عام 1954:
وفي 26 تشرين الأول 1954 وقعت حادثة المنشية التي دبرها رجال الثورة في ميدان المنشية بالأسكندرية، فاعتقل الآلاف من الإخوان وكان من بينهم الشهيد سيد قطب، وقد تعرض لتعذيب بشع في السجن، وفي 13 تموز 1955 تم تقديمه إلى محكمة عسكرية حكم عليه فيها بالأشغال الشاقة المؤبدة، وبدأ بالفعل تنفيذ العقوبة في سجن طره، وبعد ذلك في المستشفى الملحق بالسجن، وبدأ في هذه الفترة في كتابة تفسيره للقرآن الكريم، الذي أطلق عليه اسم « في ظلال القرآن » الذي استغرق عدة سنوات، وكان قطب أول من استخدم المنهج الحركي في تفسير القرآن الكريم، من خلال هذا العمل الموسوعي الضخم. كما بدأ في وضع كتابات أخرى عديدة أثناء هذه المحنة. وفي عام 1962 بدأ في كتابة «معالم في الطريق» الذي أثار ضجة كبيرة عند صدوره.
لم يكن سيد قطب قد أكمل العام بعد خروجه من المعتقل حتى وقعت محنة عام 1965، فاعتقل مرة أخرى يوم 9 آب عام 1965 مع الآلاف من الإخوان بعد أن كتب رسالة احتجاج إلى أجهزة الأمن على اعتقال أخيه محمد قطب في 30 تموز من نفس العام، وبعد عام من سجنه قُدم سيد قطب إلى محاكمة عسكرية أخرى قضي عليه فيها مع سبعة آخرين من صفوة رجال الأمة بالإعدام، ونفذ فيه الحكم صباح يوم الاثنين 29 آب 1966 الموافق 13 جمادى الأولى 1386.
لحظات الاستشهاد:
كتب الأستاذ محمد قطب عن هذه المرحلة ما يلي:
«كانت الأحكام معدة سلفاً. صدر الحكم بالإعدام، وحدد موعد التنفيذ بعد صدور الأحكام بأسبوع. حدث تحرك لا أدري من صاحبه، جاء حمزة البسيوني - مدير السجن - وهو المشرف على التعذيب، وكانت شقيقة سيد في السجن الحربي، جاءها وقال لها: لقد صدر حكم على سيّد بالإعدام، وهذا عار وخسارة كبيرة، والرئيس مستعد لأن يصدر عفواً عنه بل وأن يسقط القضية كلها بشرط أن يعتذر له، ولا أحد يستطيع إقناعه إلا أنت. وأتاح لها مقابلته لمدة ساعة. ذهبت إليه وقالت له: مطلوب مني أن أبلغك أنك إذا اعتذرت إلى جمال عبد الناصر فسيفرج عنك وسينهي القضية، فقال لها: لو كنت مخطئاً لاعتذرت، ولكني أدعو بلا إله إلا الله، ولم أرتكب خطأ بدعوتي، وإصبع السبابة التي تشهد بلا إله إلا الله لا يمكن أن تعتذر عن لا إله إلا الله، فخرجت وقالت لحمزة إنه رفض، فقال: إذن سينفذ الحكم.. وفي فجر اليوم التالي نفذ الحكم».
كانت مراسم الإعدام تقضي أن يكون أحد المشايخ حاضراً تنفيذ الإعدام ليلقن المحكوم عليه الشهادتين! فعندما كان سيد يمشي خطاه الأخيرة نحو حبل المشنقة اقترب منه الشيخ قائلاً: قل لا إله إلا الله..
فقال سيد: حتى أنت جئت تكمل المسرحية.. نحن يا أخي نُعدم بسبب لا إله إلا الله، وأنت تأكل الخبز بلا إله إلا الله.
ووضع الحبل بيديه حول عنقه وهو يقول:رب إني مغلوب فانتصر. وصعدت روحه إلى بارئها.