بسم الله الرحمن الرحيم
قاعدة ترجيح المذاهب عند الاختلاف:
ينبغي لحملة العلم وطلابه ألا يعارضوا الفتوى بمجرد سماع فتوى مضادة أو لكونها معارضة لما تعودوه أو استأنسوا به من الأقوال حتى يقفوا على أدلة ومرجحات الطرف الآخر.
إذ المعارضة والمخالفة تعصباً للبعض دون النظر والبحث سبيل الغاوين وطريقة المبطلين وإن لم يقصدها مَنْ ظاهره الصلاح والخير إلا أنه وقع في مهب التقليد الذي يعتبر وسماً لأهل الشرك والضلال.
قال - تعالى -: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ، قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا، أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُون }. (الآية 170 من سورة البقرة).
فلا يمنع أن يخالف التلميذ شيخه في فتواه متى ما وجدت عنده الأهلية وكانت فتواه مؤصلة علمياً ولا تخرج عن النطاق الشرعي.
وقصد المفتي الوصول بها إلى الحق فلا ممانعة في ذلك كما نص عليه علماء الإسلام حفظة الشريعة السمحة.
وعند تعارض الفتوى بأخرى لزم حملة العلم وطلابه أن يأخذوا في البال قبل الترجيح تقديم المُفُصَّل من الكتاب والسنة.
فإن خفي نظروا في مجمله،فإن كان عاماً أو مطلقاً نظروا في المخصصات والمقيدات الشرعية، فإن خفي نظروا في أقوال وأفعال الصحابة فيما فهموه من المجمل.
فإن تعارضت الأفهام عمل بأقواها لمجمل الشريعة.
فإن انتفت فبالحقيقة اللغوية فإن عمت أو أطلقت فبإيهما أقوى بما يتناسب مع أحكام الشريعة الإجمالية.
وهذا ظاهر من ترجيحات أئمة السنة كالنووي وابن حجر وابن تيمية وغيرهم من الأئمة الكبار.
ولا يجادل في ذلك إلا من لم يقف ويتتبع طريقة ترجيحاتهم في المسائل الظنية في عامة الفروع.
وأما النظر في اللغة فهذا لا معارضة فيه إذ القاعدة تنص على تقديم الحقيقة الشرعية فإن غابت قدمت اللغوية، ولكون القرآن والسنة عربيين.
وفي جميع الأحوال فليس هناك أقوى وأرجح من طريقة أهل الحديث ممن جمعوا بينه وبين الفقه وقواعده.
لأنهم أعلم بالأخبار السلفية من غيرهم صحةً وضعفاً.
ولا يجوز تقديم فتوى فلان وعلان إلا بمقتضى الكتاب والسنة وهذا الواجب على كل مسلم.
إلا أنه يلزم المفتي المجتهد والمرجح البارع أن يكون على علم بقواعد الأصول وفقه اللغة ودرجة الحديث من حيث الصحة والضعف حتى لا يتخبط كما تخبط غيره سواء من أهل الفقه أو الرأي.
قال الشيخ صديق بن حسن خان في أبجد العلوم 2/402: والواجب على الناس كلهم اتباع صرائح الكتاب العزيز والسنة المطهرة دون اتباع آراء الرجال وأقوال العلماء والأخذ باجتهاداتهم سيما فيما يخالف القرآن الكريم والحديث الشريف..
والأئمة الأربعة منعوا الناس عن تقليدهم ولم يوجب الله - سبحانه وتعالى - على أحد تقيلد أحد من الصحابة والتابعين الذين هم قدوة الأمة وأئمتها وسلفها.
فضلاً عن المجتهدين وآحاد أهل العلم.
بل الواجب على الكل اتباع ما جاء به الكتاب والسنة المطهرة وإنما احتيج إلى تقليد المجتهدين لكون الأحاديث والأخبار الصحيحة لم تدون ولكن الآن بحمد الله - تعالى - قد دون أهل المعرفة بالسنن علم حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأغنوا الناس عن غيره.
فلا حيا الله عبداً قلد ولم يتبع ولم يعرف قدر السنة وجمد على التقليد.
ثم القول بأن المذهب الفلاني من المذاهب الأربعة أقدم وأحكم من أباطيل المقولات وأبطل المقالات وصدوره من مدعي العلم يدل على أنه ليس من أهل العلم؛ لأن التقليد من صنيع الجاهل والمقلد ليس معدوداً في العلماء..
انظر في الكتب التي ألفت لرد التقليد كأعلام الموقعين عن رب العالمين وغير ذلك يتضح لك الصواب من الخطأ بلا ارتياب والكتب المؤلفة في الأخبار الصحاح والحسان والضعاف كثيرة جداً ذكرناها في كتابنا إتحاف النبلاء المتقين بإحياء مآثر الفقهاء المحدثين.
والمعتمد كل الإعتماد من بينها الأمهات الست وهي معروفة متيسرة في كل بلد.
وكذلك الكتب المؤلفة في أحكام السنة المطهرة خاصة كثيرة أيضاً.. بل الاعتبار باختيار الحق والصواب وهو ترك التقليد لأراء الرجال وإيثار الحق على الخلق والتمسك بالسنة.
انتهى كلامه ملخصاً، ولا مزيد على كلامه يرحمه الله.