إقامة البرهان في وجوب كسر الأوثان
بسم الله الرحمن الرحيم
 الصفحة الرئيسية | المقالات و البحوث | المكتبة ( للتحميل ) | الصوتيات | التلاوات القرآنية | أرسل بحثك | توقيع الزوار | كلمة الموقع 
اخر المقالات مصري طول شاربه ( 84 ) سـم         وصفة علاجية تزيل الأمراض بالكلية         دعاء الهم والحزن         خلق الجان وقصة الشيطان         قصـة الذي استلف ألف دينار         كذبة نيسان ( ابريل )         بعض الدعوات المستجابات         الرؤى والأحلام         دعاء من استصعب عليه أمر         دعاء طرد الشيطان ووساوسه         أدعية .. ولكن في الاتجاه المعاكس         البريد الإلكتروني والصور الخليعة         الدعاء قبل إتيان الزوجة         كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم يسّبح ؟         نماذج من الدعاء .. من الكتاب و السنة         اصنع من الليمون شراباً حلواً         نسب أسرة آل محمود         ثرثرة النساء داء أم دواء ؟         دعاء الوسوسة في الصلاة والقراءة         قصة هود عليه السلام         جحر العقرب ؟!         أخطاء في الدعاء وما يكره فيه         أرجوك لا تتزوجني!!         للنساء فقط !! في غرفة النوم ؟ !!         الحب الإلكتروني         قصص لم تسمع بها         هذه دعوتنا         الرقية الشرعية.         الأقصى أم الهيكل؟         لماذا تتبع السلف الصالح ؟         ابتسم أنت في جدة         شيطان دوت نت         عورة المرأة المسلمة أمام المحارم         الحب الحرام         أذكار الصباح و المساء         شرح الأربعين النووية - الدرس الأول         جولة في بيوت الأرامل         وافق شن طبقه         شرح عقيدة أهل السنة والجماعة لابن عثيمين -الدرس الأول         الزواج العرفي بين الشباب والفتيات         الكاسيات العاريات         تفسير آيات - 1         خطر الزنا         حكم الغناء         هل كان إسلام الصحابة والتابعين صحيحا........بدون أن يتصوفوا؟؟    
المؤسس و المشرف :
      سعد بن زيد آل محمود
قائمة أخر المقالات إضافة
  إستجمام
  نماذج من الدعاء .. من الكتاب و السنة
  عيد الحب أم إغضاب الرب!!
  عيد الحب أم إغضاب الرب!!
  أصحاب الأخدود
قائمة أخر الكتب إضافة
  المولد تاريخه و آثاره
  هل كان إسلام الصحابة والتابعين صحيحا........بدون...
  هل كان إسلام الصحابة والتابعين صحيحا........بدون...
  أحد علماء الدولة العثمانية وكتابه (نقد المثنوي)
  الأولياء ومنهاج الكرامة بين أهل السنة وأهل الضلا...
قائمة أخر الصوتيات إضافة
  خطر الزنا
  الدعوة ونصرة الدين مسؤولية الجميع
  حكم الغناء
  الدعوة ونصرة الدين مسؤولية الجميع
  غزوة أحد دروس وعبر
تحويل التاريخ
راسلنا
توقيع الزوار
إقامة البرهان في وجوب كسر الأوثان

ناصر بن حمد الفهد
أضيفت بتاريخ:   2007-11-25
التصدير إلى ورد نسخة طباعة القراء:   1604
تنسيق الخط

ضع هذه المادة على جوالك باستخدام برنامج قارئ الباركود
qrcode
ما هي هذه الخدمة؟؟

بسم الله الرحمن الرحيم





الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

فقد أرسل الله - سبحانه وتعالى - الرسل للدعوة إلى توحيده - سبحانه -، والتحذير من الشرك وعبادة الطواغيت، فقال - تعالى -(ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت)، وقال - تعالى -(وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون)، وعلى هذا جاءت رسالة خاتم الرسل (فنشر الله به التوحيد وأعلى مناره، ودك به حصون الشرك وقلع آثاره، فصلوات الله وسلامه عليه.

ثم إن الناس مع كر السنين وتعاقب القرون ابتعدوا عن دينهم وجهلوا كثيراً من أمر التوحيد، فصارت قطعيات الدين والتوحيد محل نقاش وسؤال عند كثير من الجهلة وهم جهلة فعلاً وإن كبرت عمائمهم -، ولا غرابة في هذا فقد قال النبي ((بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدأ).

وإن من أعجب ما حصل في هذا الزمان هو ما تواتر من قيام حكومة (طالبان) الإسلامية بهدم الأصنام والأوثان في بلاد الأفغان، ووالله إنه لخبر أثلج صدور أهل التوحيد وأقر عيونهم، في حين أقض مضاجع أهل الشرك والتنديد على اختلاف أصنافهم؛ عباد الأوثان، وعباد ما يسمى بالتراث، والعجيب في هذا أنه قد بكى لأصنام (بوذا) المنهزمون من المحسوبين على أهل العلم المنتسبين للإسلام فكانوا في هذا في خندق واحد مع (عباد بوذا) والعياذ بالله-، فاحتضنتهم وسائل الإعلام، وشبهوا على العوام وأشباه العوام، وزعموا أنهم ينكرون بلسان الشرع وكذبوا في ذلك قاتلهم الله أنى يؤفكون-.

فوالله ما يشك صبيان التوحيد وأطفالهم بأن مثل هذا العمل من أعظم القربات وأجل الطاعات، وهو ما بعثت له الأنبياء وأرسلت الرسل، وما كنا نظن أن يأتي زمن نحتاج إلى أن نثبت بالأدلة أن هدم الأوثان والأصنام وأوكار الشرك من أعظم واجبات الدين، ولكننا في زمن أتى بالعجائب.

لذا فبين يديك بحث في إثبات أن كسر هذه الأوثان أمر جاء به الإسلام وأمر به، وأن ما قامت به (طالبان) مما يشكرها عليه أهل التوحيد، وقد قسمت هذا البحث إلى بابين كالتالي:

الباب الأول: في حكم التماثيل:

وتحته أربعة فصول:

الفصل الأول: حكم عمل التماثيل:

الفصل الثاني: عموم حرمة التماثيل:

الفصل الثالث: الأدلة على مشروعية كسر التماثيل:

الفصل الرابع: مذاهب و أقوال أهل العلم في ذلك:

الباب الثاني: في الرد على شبه علماء الضلالة:

وتحته خمسة فصول:

الفصل الأول: شبهة أن الصحابة تركوا التماثيل في البلدان التي فتحوها:

الفصل الثاني: شبهة أن المحرم من التماثيل ما كان يعبد من دون الله فقط:

الفصل الثالث: شبهة أن المصلحة تقتضي ترك هذه التماثيل:

الفصل الرابع: شبهة أن هذه التماثيل لأهل الذمة وهم يقرون عليها:

الفصل الخامس: شبهة قياس هذه التماثيل على لعب البنات:

ثم ختمت هذا البحث بخاتمة بيّنت فيها خطورة الجهل بمثل هذه المسألة.

أسأل الله - تعالى -أن ينفع بهذا البحث من قرأه وأن يجعله خالصاً لوجهه الكريم.

وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

الباب الأول حكم التماثيل

الفصل الأول: حكم عمل التماثيل:

جاء الإسلام لإقامة صرح التوحيد وتشييد أركانه، وهدم قلاع الشرك وإزالة بنيانه، فكان أصل دعوة المصطفى (هو إقامة توحيد الله - سبحانه وتعالى -، وخلع جميع الطواغيت وإزالتها على اختلاف أشكالها- والكفر بها كما قال - تعالى -(فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى)، وقال - تعالى -(ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت)، فاعتنى الشارع بكل ما يقيم صرح التوحيد ويحمي جنابه، ويزيل شوائب الشرك ويسد ذرائعه وطرقه الموصلة إليه؛ فكان تحريم صناعة التماثيل وإقامتها من هذا الباب، فقد تواترت النصوص الصحيحة الصريحة على تحريم عمل تماثيل ذوات الأرواح مطلقا، وقد حكى الإجماع على تحريم ذلك غير واحد من العلماء(1)، والأدلة على ذلك كثيرة جدا؛ وسوف أذكر بعض الأدلة الواردة في ذلك:

الدليل الأول: في الصحيحين عن ابن عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال (الذين يصنعون الصور يعذبون يوم القيامة يقال لهم أحيوا ما خلقتم)

الدليل الثاني:وفيهما عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (أشد الناس عذابا يوم القيامة المصورون)

الدليل الثالث: وفيهما عن سعيد بن أبي الحسن قال: جاء رجل إلى ابن عباس فقال: إني رجل أصور هذه الصور فأفتني فيها، فقال له: ادن مني؛ فدنا منه، ثم قال: ادن مني؛ فدنا حتى وضع يده على رأسه، قال: أنبئك بما سمعت من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، سمعت رسول الله (يقول: (كل مصور في النار يجعل له بكل صورة صورها نفسا فتعذبه في جهنم) وقال: إن كنت لا بد فاعلا فاصنع الشجر وما لا نفس له.

الدليل الرابع: وفيهما عن عائشة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -قال (إن من أشد الناس عذابا يوم القيامة الذي يشبهون بخلق الله)

الدليل الخامس: في صحيح البخاري عن أبي جحيفة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لعن المصور.

الدليل السادس: في الصحيحين عن ابن عباس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال - صلى الله عليه وسلم - من صور صورة في الدنيا كلف يوم القيامة أن ينفخ فيها الروح وليس بنافخ).

الدليل السابع: وفيهما عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: قال الله - عز وجل -: (من أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي، فليخلقوا حبة، فليخلقوا ذرة، فليخلقوا شعيرة).

الدليل الثامن: عن جابر قال: (نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -عن الصورة في البيت، ونهى أن يصنع ذلك) رواه الترمذي وصححه.

الدليل التاسع: روى الترمذي وصححه - عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (تخرج عنق من النار يوم القيامة، لها عينان تبصران وأذنان تسمعان ولسان ينطق يقول: إني وكلت بثلاثة، بكل جبار عنيد، وبكل من دعا مع الله إلها آخر، وبالمصورين).

الدليل العاشر: روى الإمام أحمد من حديث عاصم عن أبي وائل عن عبد الله أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (أشد الناس عذابا يوم القيامة: رجل قتله نبي، أو قتل نبياً، وإمام ضلالة، وممثل من الممثلين).

الدليل الحادي عشر: في الصحيحين عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ((لا تدخل الملائكة بيتا فيه تماثيل أو تصاوير)، وفي حديث أبي طلحة (لا تدخل الملائكة بيتاً فيه كلب ولا صورة).

الدليل الثاني عشر: وعن معاوية أنه خطب الناس فذكر في خطبته أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حرم سبعة أشياء وذكر منها (التصاوير). (2)

ودلالة هذه الأحاديث ظاهرة جدا على تحريم صور ذوات الأرواح بكافة أشكالها، فإن فيها دلائل على الحرمة:

1- منها لعن المصور.

2- ومنها بيان أنه أشد الناس عذاباً يوم القيامة.

3- ومنها بيان أنه من أظلم الناس.

4- ومنها النهي عن ذلك.

5- ومنها بيان أن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه تمثال أو صورة.

وقلَّ أن تجد مثل هذا الوعيد الشديد على محرم من المحرمات، قال النووي - رحمه الله تعالى - في (شرح مسلم) 14/81: (قال أصحابنا وغيرهم من العلماء: تصوير صورة الحيوان حرام، شديد التحريم، وهو من الكبائر؛ لأنه متوعد عليه بهذا الوعيد الشديد المذكور في الأحاديث).



الفصل الثاني: عموم حرمة التماثيل:

يتضح من النصوص النبوية أن التحريم عام يشمل جميع أنواع التماثيل والتصاوير، لا فرق في ذلك بين تمثال وآخر، سواء أعد هذا التمثال للعبادة أم للزينة أم للتراث أم لغير ذلك، وسواء كانت هذه التماثيل صغيرة أم كبيرة، وسواء كانت جديدة أم قديمة، ويتضح هذا عموم النصوص في تحريم جميع ذلك من طرق:

الطريق الأول: العموم اللفظي، وهو تناول ألفاظ الأحاديث المحرمة للتماثيل والتصاوير لكافة أشكالها بألفاظها، ويتضح هذا العموم اللفظي من وجوه:

الوجه الأول: قوله (من صور صورةً)، و (من) من ألفاظ العموم.

الوجه الثاني: قوله (كل مصور في النار)، و (كل) من ألفاظ العموم.

الوجه الثالث: قوله (لا تدع صورة إلا طمستها)، و(صورة) نكرة في سياق النفي فتفيد العموم.

الوجه الرابع: قوله (أشد الناس عذابا يوم القيامة المصورون)، و(أل) في (المصورون) للاستغراق فتفيد العموم.

فتبين دخول كل تمثال في عموم ألفاظ هذه الأحاديث.



الطريق الثاني: العموم المعنوي، وهو تناول الأحاديث لكافة أشكال التماثيل والتصاوير بمعناها ومعقولها، فتشملها بعلة التحريم؛ فإن علة حرمة التصاوير كما يتضح من النصوص - كما يلي:

العلة الأولى:

أن اتخاذها ذريعة لعبادتها من دون الله - تعالى -، وطريقاً للغلو فيها وتعظيمها، وهو بداية وقوع الشرك في بني آدم، كما في صحيح البخاري من حديث ابن عباس - رضي الله عنه - في قوله - تعالى -(وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا) قال: (هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصاباً وسموها بأسمائهم ففعلوا فلم تعبد حتى إذا هلك أولئك ونسخ العلم عبدت).

وروى الترمذي عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (يجمع الله الناس يوم القيامة في صعيد واحد، ثم يطلع عليهم رب العالمين فيقول: ألا يتبع كل إنسان ما كانوا يعبدونه، فيمثل لصاحب الصليب صليبه، ولصاحب التصاوير تصاويره، ولصاحب النار ناره فيتبعون ما كانوا يعبدون)

قال ابن القيم - رحمه الله تعالى - (إغاثة اللهفان) 1/184:

(وقال غير واحد من السلف: كان هؤلاء قوما صالحين في قوم نوح - عليه السلام - فلما ماتوا عكفوا على قبورهم ثم صوروا تماثيلهم ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم.

فهؤلاء جمعوا بين الفتنتين:

فتنة القبور، وفتنة التماثيل، وهما الفتنتان اللتان أشار إليهما رسول الله (في الحديث المتفق على صحته عن عائشة - رضي الله عنها - أن أم سلمة - رضي الله عنها - ذكرت لرسول الله كنيسة رأتها بأرض الحبشة يقال لها مارية فذكرت له ما رأت فيها من الصور، فقال رسول الله: - صلى الله عليه وسلم - أولئك قوم إذا مات فيهم العبد الصالح أو الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله تعالى).

وفي لفظ آخر في الصحيحين: أن أم حبيبة وأم سلمة ذكرتا كنيسة رأينها، فجمع في هذا الحديث بين التماثيل والقبور، وهذا كان سبب عبادة اللات، فروى ابن جرير بإسناده عن سفيان عن منصور عن مجاهد (أفرأيتم اللات والعزى) قال: كان يلت لهم السويق فمات فعكفوا على قبره، وكذلك قال أبو الجوزاء عن ابن عباس - رضي الله عنهما -: كان يلت السويق للحاج، فقد رأيت أن سبب عبادة (ود ويغوث ويعوق ونسرا واللات) إنما كانت من تعظيم قبورهم ثم اتخذوا لها التماثيل وعبدوها كما أشار إليه النبي - صلى الله عليه وسلم -

قال ابن العربي المالكي - رحمه الله تعالى -(أحكام القرآن) 4/8-10:

(والذي أوجب النهي عنه في شرعنا والله أعلم ما كانت العرب عليه من عبادة الأوثان والأصنام، فكانوا يصورون ويعبدون، فقطع الله الذريعة وحمى الباب. فإن قيل: فقد قال حين ذم الصور وعملها من الصحيح قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (من صور صورة عذبه الله حتى ينفخ فيها الروح، وليس بنافخ). وفي رواية: (الذين يشبهون بخلق الله) ; فعلل بغير ما زعمتم. قلنا: نهي عن الصورة، وذكر علة التشبيه بخلق الله، وفيها زيادة علة عبادتها من دون الله، فنبه على أن نفس عملها معصية، فما ظنك بعبادتها، وقد ورد في كتب التفسير شأن يغوث ويعوق ونسرا، وأنهم كانوا أناسا، ثم صوروا بعد موتهم وعبدوا. وقد شاهدت بثغر الإسكندرية إذا مات منهم ميت صوروه من خشب في أحسن صورة، وأجلسوه في موضعه من بيته وكسوه بزته إن كان رجلا وحليتها إن كانت امرأة، وأغلقوا عليه الباب. فإذا أصاب أحدا منهم كرب أو تجدد له مكروه فتح الباب عليه وجلس عنده يبكي ويناجيه بكان وكان حتى يكسر سورة حزنه بإهراق دموعه، ثم يغلق الباب عليه وينصرف عنه، وإن تمادى بهم الزمان يعبدوها من جملة الأصنام والأوثان).



العلة الثانية:

أن فيها مضاهاة لخلق الله - تعالى -كما يدل عليه قوله ((الذين يضاهون بخلق الله) و قوله (الذين يشبهون بخلق الله) وقوله في الحديث القدسي- (من أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي) وقوله (كلف أن ينفخ فيها الروح)وقد سبق ذكر هذه الأحاديث-، وهذه العلة ظاهرة ثابتة لا تنسخ ولا تتغير بتغير الزمان أو المكان، ولا بتغير حجم التماثيل والتصاوير واختلافها.

قال ابن دقيق العيد - رحمه الله تعالى - (أحكام الأحكام) 2/171:

(وقد تظاهرت دلائل الشريعة على المنع من التصوير والصور، ولقد أبعد غاية البعد من قال إن ذلك محمول على الكراهة، وإن هذا التشديد كان في ذلك الزمان لقرب العهد من الأوثان، وهذا الزمان حيث انتشر الإسلام وتمهدت قواعده لا يساويه في هذا المعنى، فلا يساويه في هذا التشديد - هذا أو معناه-، وهذا عندنا باطل قطعا؛ لأنه قد ورد في الأحاديث الأخبار عن أمر الآخرة بعذاب المصورين؛ فإنهم يقال لهم (أحيوا ما خلقتم)، وهذه علة مخالفة لما قاله هذا القائل، وقد صرح بذلك في قوله ((المشبهون بخلق الله) وهذه علة عامة مستقلة مناسبة لا تخص زمانا دون زمان، وليس لنا أن نتصرف في النصوص المتظاهرة المتظافرة بمعنى خيالي يمكن أن لا يكون هو المراد مع اقتضاء التعليل بغيره وهو التشبيه بخلق الله).

العلة الثالثة:أن فيها تشبها بالمشركين وعباد الأوثان، وقد ثبت في السنن عن ابن عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -قال (من تشبه بقوم فهو منهم).

العلة الرابعة:أنها مانعة من دخول الملائكة كما سبق، ففي الصحيحين (أن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه تصاوير).

فبتأمل هذه العلل يظهر جلياً أن التماثيل بكافة أشكالها داخلة فيها، فهي إن كانت متخذة للعبادة فإنها تدخل في العلة الأولى مع وجود باقي العلل فيها أيضاً-، وإن كانت متخذة لغير ذلك ففيها العلل الأخرى، فهي محرمة على كل حال.



الطريق الثالث: التطبيق العملي لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -:

فيظهر من تأمل عمل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -أن الحرمة عامة لجميع أشكال التماثيل، وبيان ذلك كما يلي:

أولاً: أما التماثيل المتخذة للعبادة فقد تواترت الأحاديث الصحيحة في هدمه وإزالته لها وأمره بذلك وسيأتي إن شاء الله - تعالى -في الفصل الثالث طرف من ذلك-.

ثانياً: وأما غير المتخذة للعبادة، فمن ذلك:

1-ما رواه الترمذي (2806) - وصححه -، وأبو داود (4158) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (أتاني جبريل فقال: إني كنت أتيتك البارحة فلم يمنعني أن أكون دخلت عليك البيت الذي كنت فيه إلا أنه كان في باب البيت تمثال الرجال، وكان في البيت قرام ستر فيه تماثيل، وكان في البيت كلب، فمر برأس التمثال الذي بالباب فليقطع فليصير كهيئة الشجرة، ومر بالستر فليقطع ويجعل منه وسادتين منتبذتين يوطآن، ومر بالكلب فيخرج ففعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.

ومن المعلوم أن هذا التمثال الذي في بيت النبي - صلى الله عليه وسلم -لم يكن متخذاً للعبادة، ولا يشك في ذلك مسلم ومع ذلك فقد أمره جبريل بإزالته.

2-ومن ذلك إنكاره على عائشة القرام الذي فيه تصاوير وهتكه له و سيأتي إن شاء الله تعالى-، ولا يقول قائل إن هذا القرام متخذ للعبادة!!!.



الفصل الثالث الأدلة على مشروعية كسر التماثيل

عند التأمل في النصوص السابقة في الفصلين السابقين يظهر جلياً تغليظ حرمة التماثيل والتصاوير حيث توعد عليها بأشد الوعيد، وعلى ذلك ترتب الحكم بوجوب إزالتها لغلظ تحريمها ومفاسدها، والأدلة في هذا الباب كثيرة جداً، بل إن الإسلام لم يأت إلا لمحق هذه الأوثان والأصنام وتحقيق التوحيد الخالص، ومن الأدلة على ذلك ما يلي:

الدليل الأول:

قوله تعالى عن إبراهيم - عليه السلام - (وتالله لأكيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين، فراغ إلى آلهتهم فقال ألا تأكلون، ما لكم لا تنطقون، فراغ عليهم ضرباً باليمين)، فقد قام الخليل - عليه السلام - على قلة المناصر له- بتكسير آلهة قومه وأصنامهم، وقد قال - تعالى - (قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه) إلى قوله (إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك):

قال ابن جرير - رحمه الله تعالى - في (تفسيره) 28/62: (يقول - تعالى -ذكره قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه في هذه الأمور التي ذكرناها من مباينة الكفار ومعاداتهم وترك موالاتهم إلا في قول إبراهيم لأبيه (لأستغفرن لك) فإنه لا أسوة لكم فيه).

واستثناء هذا الأمر وحده يدل على أن لنا فيه أسوة حسنة في تكسير أصنام قومه وإزالتها.



الدليل الثاني: قوله - تعالى - (وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقاً): في صحيح البخاري وغيره عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - قال: دخل النبي - صلى الله عليه وسلم - مكة وحول الكعبة ثلاثمائة وستون نصباً وفي رواية صنماً - فجعل يطعنها بعود في يده، وجعل يقول (جاء الحق وزهق الباطل الآية).

قال القرطبي - رحمه الله تعالى - في (تفسيره) 10/314:

(في هذه الآية دليل على كسر نصب الأوثان إذا غلب عليهم)اهـ.

الدليل الثالث: قوله - تعالى -عن موسى - عليه السلام - في العجل الذي اتخذه قومه إلهاً (وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفاً، لنحرقنه ثم لننسفنه في اليم نسفاً): مع قوله - تعالى - عن الأنبياء ومنهم موسى - عليه السلام - (أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده).

الدليل الرابع: ما تواتر من هدمه - صلى الله عليه وسلم -وإزالته لأصنام الجاهلية بيده، وبعثه الصحابة لكسرها، ومن هذا:

1- ما في الصحيحين من كسره يوم فتح مكة للأصنام التي حول الكعبة.

2- ما في الصحيحين من بعثه - صلى الله عليه وسلم -لجرير بن عبد الله البجلي مع سرية لكسر صنم (ذي الخلصة) في اليمن.

3- ما رواه النسائي وغيره من بعث النبي - صلى الله عليه وسلم -لخالد بن الوليد إلى (نخلة) لهدم (العزى).

4- ما رواه ابن سعد في الطبقات وغيره من بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - للمغيرة بن شعبة وأبو سفيان بن حرب إلى (الطائف) لهدم (اللات).

5- ما رواه ابن سعد أيضاً من بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - لعلي بن أبي طالب إلى (الفُلس) صنم طئ- لهدمه.

6- ما رواه ابن سعد من بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - لعمرو بن العاص إلى (سواع) لكسره.

7- ما رواه ابن سعد من بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - للطفيل بن عمرو الدوسي إلى (ذي الكفين) صنم (دوس) لتحريقه.

8- ما رواه ابن سعد من بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - لسعد بن زيد الأشهلي إلى (المشلل) لهدم (مناة).

الدليل الخامس:ما رواه مسلم عن عمرو بن عبسة أنه قال للنبي - صلى الله عليه وسلم -: وبأي شيء أرسلك؟ قال: (أرسلني بصلة الأرحام وكسر الأوثان وأن يوحد الله لا يشرك به شيء)

الدليل السادس:ما رواه مسلم وغيره عن أبي الهياج الأسدي قال: قال لي علي بن أبي طالب: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : (أن لا تدع تمثالا إلا طمسته، ولا قبرا مشرفا إلا سويته).

وقوله هنا: (تمثالاً) نكرة في سياق نفي فيعم جميع التماثيل.

الدليل السابع: في الصحيحين عن عائشة قالت: دخل علي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنا متسترة بقرام فيه صورة فتلون وجهه فهتكه ثم قال: (إن من أشد الناس عذابا يوم القيامة الذي يشبهون بخلق الله).

الدليل الثامن: ما رواه الترمذي - وصححه - وأبو داود عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (أتاني جبريل فقال: إني كنت أتيتك البارحة فلم يمنعني أن أكون دخلت عليك البيت الذي كنت فيه إلا أنه كان في باب البيت تمثال الرجال، وكان في البيت قرام ستر فيه تماثيل، وكان في البيت كلب، فمر برأس التمثال الذي بالباب فليقطع فليصير كهيئة الشجرة، ومر بالستر فليقطع ويجعل منه وسادتين منتبذتين يوطآن، ومر بالكلب فيخرج ففعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.

الدليل التاسع: ما رواه ابن أبي شيبة عن أسامة - رضي الله عنه - قال: دخلت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - الكعبة فرأيت في البيت صورة فأمرني فأتيته بدلو من الماء فجعل يضرب تلك الصورة ويقول: (قاتل الله قوماً يصورون ما لا يخلقون).

الدليل العاشر:عن أبي محمد الهذلي عن على - رضي الله عنه - قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم -في جنازة فقال: (أيكم ينطلق إلى المدينة فلا يدع بها وثناً إلا كسره، ولا قبراً إلا سواه، ولا صورة إلا لطخها؟) فقال: أنا يا رسول الله، فانطلق فهاب أهل المدينة فرجع، فقال علي - رضي الله عنه -: أنا أنطلق يا رسول الله، قال: فانطلق، فانطلق ثم رجع فقال: يا رسول الله لم أدع بها وثناً إلا كسرته ولا قبراً إلا سويته ولا صورة إلا لطختها)(3).

الدليل الحادي عشر: ما رواه البخاري عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: (لم يكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يترك في بيته شيئاً فيه تصاليب إلا نقضه)، وبوَّب عليه البخاري - رحمه الله تعالى - (باب نقض الصور).

الدليل الثاني عشر: ما رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (والذي نفسي بيده ليوشكن أن بن مريم حكماً مقسطاً؛ فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد).

فظهر من هذه النصوص أن كسر الأصنام والأوثان قد جاء به الشرع وحث عليه، ويظهر من عدة وجوه:

1- من عمل الرسول - صلى الله عليه وسلم - حيث كسر الأصنام بيده كما في فتح مكة.

2- من بعثه لسراياه لكسر الأصنام الأخرى.

3- من أمره لأصحابه المطلق بكسر الأصنام.

4- بيانه إن بعثه لكسر الأصنام.

5- هتكه للصور التي يراها.



الفصل الرابع: مذاهب وأقوال أهل العلم في ذلك:

أولاً: من أقوال ومذاهب الصحابة والسلف:

1-روى ابن أبي شيبة عن عثمان بن عفان - رضي الله عنه - أنه كان يصلي إلى تابوت فيه تماثيل، فأمر به فحك.

2-وروى البيهقي في (سننه) عن أبي مسعود - رضي الله عنه - أن رجلا صنع له طعاماً فدعاه فقال: أفي البيت صورة؟ قال: نعم، فأبى أن يدخل حتى كسر الصورة ثم دخل.

3- وروى الإمام أحمد عن المسور بن مخرمة أنه دخل على عبد الله بن عباس يعوده فرأى عليه ثوب إستبرق فقال: يا أبا عباس ما هذا الثوب؟ قال ابن عباس - رضي الله عنهما -: وما هو؟ قال: الإستبرق، قال: إنما كره ذلك لمن يتكبر فيه، قال: ما هذه التصاوير في الكانون؟ فقال: لا جرم ألم تر كيف أحرقها بالنار؟، فلما خرج قال: انزعوا هذا الثوب عني، واقطعوا رؤوس هذه التصاوير التي في الكانون، فقطعها).

4- وروى ابن أبي شيبة عن محمد بن سيرين أنه كان لا يترك لأهل فارس صنما إلا كسر ولا ناراً إلا أطفئت.

5- وروى أبو الشيخ عن عمر بن عبد العزيز أنه كتب إلى عدي بن أرطاة أن يمحو التماثيل المصورة.



ثانياً: من أقوال الحنفية:

1-قال السرخسي في (شرح السير الكبير) 3/1052: (ولو وجدوا في الغنائم صليبا من ذهب أو فضة أو تماثيل، أو دراهم، أو دنانير فيها التماثيل، فإنه ينبغي للإمام أن يكسر ذلك كله).

2-وقال الملا علي القاري (مرقاة المفاتيح) 4/177: (قال العلماء: التصوير حرام، والمحو واجب حيث لا يجوز الجلوس في مشاهدته).

3-وفي (الفتاوى الهندية) 2/216: (إن وجدوا في الغنيمة قلائد ذهب أو فضة فيها الصليب والتماثيل، فإنه يستحب كسرها قبل القسمة).



ثالثاً: من أقوال المالكية:

1-قال القرطبي في (تفسيره) 10/314: (في هذه الآية دليل على كسر نصب الأوثان إذا غلب عليهم)اهـ.

وقال أيضاً: (ما ذكرنا من تفسير الآية ينظر إلى قوله ((والله لينزلن عيسى بن مريم حكماً عادلاً فليكسرنّ الصليب وليقتلنّ الخنزير وليضعنّ الجزية ولتتركن القلاص فلا يسعى عليها) الحديث خرجه الصحيحان، ومن هذا الباب هتك النبي (الستر الذي فيه الصور وذلك أيضا دليل على إفساد الصور وآلات الملاهي كما ذكرنا وهذا كله يحظر المنع من اتخاذها ويوجب التغيير على صاحبها إن أصحاب هذه الصور يعذبون يوم القيامة ويقال لهم أحيوا ما خلقتم وحسبك).

2-وقال الخرشي في (شرح مختصر خليل) 3/150: (إذا أظهر ضرب الناقوس وهو خشبة لها حس يضربونها لأجل اجتماعهم لصلاتهم فإنه يكسر ويعزر ولا شيء على من كسره ومثله الصليب إذا أظهروه في أعيادهم واستسقائهم)



رابعاً: من أقوال الشافعية:

1-قال العز بن عبد السلام في (قواعد الأحكام) 1/156: (-في حقوق الله في الجهاد-: محو الكفر وإزالته من قلوب الكافرين، ومن ألسنتهم، وكتخريب كنائسهم، وكسر صلبانهم وأوثانهم).

2-وقال ابن حجر الهيتمي في (تحفة المحتاج) 6/29: (والأصنام والصلبان وآلات الملاهي والأواني المحرمة لا يجب في إبطالها شيء لوجوبه على القادر عليه).

3- وقال زكريا الأنصاري (أسنى المطالب) 2/346: (يلزم المكلف القادر كسر الأصنام).



خامساً: من أقوال الحنابلة:

1-قال ابن القيم - رحمه الله تعالى - (الطرق الحكمية) (المنكرات من الأعيان والصور، يجوز إتلاف محلها تبعا لها، مثل الأصنام المعبودة من دون الله، لما كانت صورها منكرة: جاز إتلاف مادتها، فإذا كانت حجرا أو خشبا ونحو ذلك: جاز تكسيرها وتحريقها).

وقال:(وقد قال أبو الهياج الأسدي: قال لي علي بن أبي طالب: (ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ألا أدع تمثالا إلا طمسته، ولا قبرا مشرفا إلا سويته ) رواه مسلم، وهذا يدل على طمس الصور في أي شيء كانت، وهدم القبور المشرفة، وإن كان من حجارة أو آجر أو لبن. قال المروذي: قلت لأحمد: الرجل يكتري البيت، فيرى فيه تصاوير، ترى أن يحكها؟ قال: نعم، وحجته: هذا الحديث الصحيح. وروى البخاري في صحيحه " عن ابن عباس - رضي الله عنهما - (أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما رأى الصور في البيت لم يدخل حتى أمر بها فمحيت). وفي " الصحيحين ": أن النبي - صلى الله عليه وسلم -قال: (لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب ولا صورة). وفي " صحيح البخاري " عن عائشة: " أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم - (كان لا يترك في بيته شيئا فيه تصاليب إلا نقضه). وفي " الصحيحين " عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكما عدلا، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية). فهؤلاء رسل الله، صلوات الله وسلامه عليهم - إبراهيم وموسى وعيسى وخاتم المرسلين محمد - صلى الله عليه وسلم - كلهم على محق المحرم وإتلافه بالكلية، وكذلك الصحابة - رضي الله عنهم -، فلا التفات إلى من خالف ذلك).

وقال في (روضة المحبين) 481:(وإنما بعث الله رسله بكسر الأصنام وعبادته وحده لا شريك له)

2- وقال البهوتي في (دقائق أولي النهى) 1/647، و (كشاف القناع) 3/76: (ويكسر الصليب ويقتل الخنزير نصاً)

3- وقال المرداوي في (الإنصاف) 6/248:(قوله أي الشيخ الموفق- (ومن أتلف مزمارا، أو طنبورا، أو صليبا، أو كسر إناء فضة، أو ذهب، أو إناء خمر: لم يضمنه). وكذا العود، والطبل، والنرد، وآلة السحر، والتعزيم، والتنجيم، وصور خيال، والأوثان والأصنام).



سادساً: من أقوال الظاهرية:

قال ابن حزم في (المحلى) 8/147: (ومن كسر إناء فضة أو إناء ذهب فلا شيء عليه، وقد أحسن لنهي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك، وكذلك من كسر صليباً)

وقال أيضاً 11/338: (وإنما الواجب في الآنية المذكورة، والصلبان، والأوثان، الكسر)



الباب الثاني في الرد على شبه علماء الضلالة:

الفصل الأول: شبهة أن الصحابة تركوا التماثيل في البلدان التي فتحوها:

ذكر بعض علماء الضلالة في دفاعهم وتباكيهم على (أصنام بوذا) أن هذه الأصنام من آثار الجاهلية وقد تركها الصحابة والتابعون كما تركوا غيرها - فيجب أن تترك.

والجواب على هذه الشبهة أن نقول:

اعلم أن التماثيل والتصاوير التي كانت في الجاهلية وأدركها المسلمون أثناء الفتوحات الإسلامية قد هدموها وأتلفوها قطعاً، ولا يشك في ذلك مسلم يعرف الصحابة وقدرهم وما هم عليه من التوحيد ومنابذة الشرك وأهله، ودليلنا في ذلك أنهم على خطى المصطفى (في كل شئ، وقد بعثهم في حياته لهدم الأوثان ومحقها، فلا بد أن يفعلوا ذلك كما نشروا التوحيد، فنقطع أنهم أتلفوا الآف الأصنام والمعبودات والآلهة في البلدان التي افتتحوها، بل كانوا يتلفون الكتب كما ذكر قال ابن خلدون في (مقدمته) ص480: (ولما فتحت أرض فارس ووجدوا فيها كتباً كثيرة كتب سعد أبن أبي وقاص إلى عمر بن الخطاب ليستأذنه في شأنها ونقلها للمسلمين، فكتب إليه عمر: أن اطرحوها في الماء؛ فإن يكن ما فيها هدى فقد هدانا الله بأهدى منه، وإن يكن ضلالاً فقد كفانا الله، فطرحوها في الماء أو في النار وذهبت علوم الفرس فيها عن أن تصل إلينا).

فإذا كان هذا عملهم في كتب أولئك فما بالك بأصنامهم ومعبوداتهم؟!

واعلم أن هؤلاء الجهلة من علماء الضلالة جعلوا أمثال أصنام (بوذا) من التراث الإنساني الذي يجب المحافظة عليه، وكذبوا أخزاهم الله -، فإن أصنام (بوذا) بالنسبة للأفغان، وأصنام ومعبودات الفراعنة بالنسبة للمصريين، هي تماماً كـ(العزى) و (اللات) و (مناة) بالنسبة للعرب، فهذه معبودات العرب في الجاهلية قد هدمها المسلمون، وتلك معبودات أولئك في جاهليتهم فيجب هدمها، أفتراهم يتباكون على هدم (العزى) و (اللات) أيضاً؟!

وأما ما تركه المسلمون من الأصنام والتماثيل والمعبودات في البلدان التي فتحوها فإنها على ثلاثة أقسام:

القسم الأول:

ما كان من هذه التماثيل داخلاً في كنائسهم ومعابدهم التي صولحوا عليها، فتترك بشرط عدم إظهارها، ففي الشروط العمرية المعروفة على أهل الذمة (وألا نضرب بنواقيسنا إلا ضرباً خفياً في جوف كنائسنا، ولا نظهر عليها صليباً…وألا نخرج صليباً ولا كتاباً في أسواق المسلمين)، قال ابن القيم - رحمه الله تعالى - في شرح قوله (ولا نظهر عليها صليباً) (أحكام أهل الذمة) 2/719:

(لما كان الصليب من شعائر الكفر الظاهرة كانوا ممنوعين من إظهاره، قال أحمد في رواية حنبل: ولا يرفعوا صليباً، ولا يظهروا خنزيراً، ولا يرفعوا ناراً، ولا يظهروا خمراً، وعلى الإمام منعهم من ذلك)، وقال عبد الرزاق حدثنا معمر عن عمرو بن ميمون بن مهران قال: كتب عمر بن عبد العزيز (أن يمنع النصارى في الشام أن يضربوا ناقوساً، ولا يرفعوا صليبهم فوق كنائسهم، فإن قدر على من فعل من ذلك شيئاً بعد التقدم إليه فإن سلبه لمن وجده)، وإظهار الصليب بمنزلة إظهار الأصنام؛ فإنه معبود النصارى كما أن الأصنام معبود أربابها ومن أجل هذا يسمون عباد الصليب، ولا يمكنون من التصليب على أبواب كنائسهم وظواهر حيطانها ولا يتعرض لهم إذا نقشوا ذلك داخلها).



القسم الثاني:

أن تكون التماثيل من القوة والإحكام بحيث يعجزون عن هدمها وإزالتها، مثل تلك التماثيل الهائلة المنحوتة في الجبال والصخور بحيث لا يستطيعون إزالتها أو تغييرها، وقد ذكر ابن خلدون في (المقدمة) (ص 383) أن الهياكل العظيمة جداً لا تستقل ببنائها الدولة الواحدة، بل تتم في أزمنة متعاقبة، حتى تكتمل وتكون ماثلة للعيان، قال (لذلك نجد آثاراً كثيرة من المباني العظيمة تعجز الدول عن هدمها وتخريبها، مع أن الهدم أيسر من البناء) ثم مثل على ذلك بمثالين:

الأول: أن الرشيد عزم على هدم (إيوان كسرى) فشرع في ذلك وجمع الأيدي واتخذ الفؤوس وحماه بالنار وصب عليه الخل حتى أدركه العجز.

الثاني: أن المأمون أراد أن يهدم (الأهرام) في (مصر) فجمع الفعلة ولم يقدر.



القسم الثالث:

أن تكون التماثيل مطمورة تحت الأرض أو مغمورة بالرمال ولم تظهر إلا بعد انتهاء زمن الفتوحات، وهذا مثل كثير من آثار الفراعنة في (مصر)، فمعبد (أبو سمبل) مثلاً في (مصر)وهو من أكبر معابد الفراعنة كان مغموراً بالرمال مع تماثيله وأصنامه إلى ما قبل قرن ونصف القرن تقريباً، وأكثر الأصنام الموجودة في المتاحف المصرية في هذا الوقت لم تكتشف إلا قريباً، وقد ذكر المقريزي (ت845) في (الخطط) 1/122 أن أبا الهول مغمور تحت الرمال - في وقته لم يظهر منه إلا الرأس والعنق فقط دون الباقي بخلافه اليوم-، وسئل الزركلي - (شبه جزيرة العرب) 4/1188- عن الأهرام وأبي الهول ونحوها: هل رآها الصحابة الذين دخلوا مصر؟! فقال: كان أكثرها مغموراً بالرمال ولا سيما أبا الهول.

لهذا فلا يصح مطلقاً نسبة ترك هذه التماثيل إلى خير القرون - رضي الله عنهم - وأرضاهم، فإنهم من أحرص الناس على إقامة التوحيد وشعائره، وإزالة الشرك ومظاهره.



الفصل الثاني شبهة أن المحرم من التماثيل ما كان يعبد من دون الله فقط

وهذا باطل قطعاً من وجوه:

الوجه الأول:

ما سبق ذكره وبيانه في الفصل الثاني من الباب الأول من أن النصوص المحرمة للتماثيل عامة تشمل جميع التماثيل المتخذ للعبادة أو لغيره وأن عموم هذه النصوص يرجع إلى اللفظ وإلى المعنى، فمن خص شيئاً منها فعليه بالدليل المخصص - فتراجع الأدلة هناك -.

الوجه الثاني:

أنه لو سلم هذا الأمر؛ فإن سد الذرائع أصل من أصول الإسلام ولاسيما في باب التوحيد وحماية جنابه، فتحرم هذه الأصنام من باب سد الذرائع.

الوجه الثالث:

ما رواه الترمذي - وصححه -، وأبو داود عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : (أتاني جبريل فقال: إني كنت أتيتك البارحة فلم يمنعني أن أكون دخلت عليك البيت الذي كنت فيه إلا أنه كان في باب البيت تمثال الرجال، وكان في البيت قرام ستر فيه تماثيل، وكان في البيت كلب، فمر برأس التمثال الذي بالباب فليقطع فليصير كهيئة الشجرة، ومر بالستر فليقطع ويجعل منه وسادتين منتبذتين يوطآن، ومر بالكلب فيخرج ففعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.

فإن جبريل أمر الرسول - صلى الله عليه وسلم - بقطع رأس التمثال الذي في بيته، وهل يقول قائل: إن هذا التمثال الذي في بيت - صلى الله عليه وسلم - سيد ولد آدم - صلى الله عليه وسلم - كان للعبادة؟!

فمن قال ذلك فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه والعياذ بالله -، فلم يبق إلا أن التمثال أياً كان مأمور بإزالته وكسره.

الوجه الرابع:

أن تماثيل (بوذا) التي تباكى عليها علماء الضلالة إنما هي أصنام تعبد من دون الله، ويعبدها (البوذيون) في العالم فإنهم يؤلهون (بوذا) ويصلون له، ويدين بالديانة البوذية أكثر من ستمائة مليون في العالم، وينتشرون في الصين واليابان ونيبال والهند وسيلان وغيرها - (الموسوعة الميسرة)2/772 -، ولا أدل على تقديسهم لأصنام (بوذا) وعبادتهم لها من غضبهم من هدمها، بل وتمزيقهم للمصحف ثأراً لمعبودهم عليهم لعائن الله المتتابعة -.

فهذه الأصنام على مقتضى كلام علماء الضلالة أيضاً يجب إزالتها وهدمها لأنها تعبد من دون الله - تعالى -، وهم قد ذكروا أنه لا يحرم في الإسلام إلا ما اتخذ للعبادة.



الفصل الثالث شبهة أن المصلحة تقتضي ترك هذه التماثيل

وأصحاب المصلحة هؤلاء على قسمين:

القسم الأول: أصحاب المصلحة الدينية: وهم الذين قالوا: إن مصلحة الدعوة تقتضي التمهل في ذلك والانتظار، لا سيما والله - تعالى - يقول (ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم)، وبهدم هذه الأصنام سيشتم الإسلام ويمزق المصحف.

والقسم الثاني: أصحاب المصلحة الدنيوية: وهم الذين قالوا: إن مصلحة البلاد المادية متعلقة بهذه الأصنام ووجودها لأنها مناطق سياحية.

والجواب من طريقين، مجمل ومفصل:

أما الجواب المجمل:

فإن أعظم المصالح على الإطلاق إقامة التوحيد وتشييد أركانه، وهدم الشرك وآثاره، ولا مفسدة أعظم من ترك صروح الشرك والوثنية عند القدرة عليها، وتأمل في قصة إبراهيم - عليه السلام - المذكورة في القرآن كيف جعل الأصنام جذاذاً ولم ينظر لمثل هذه المصالح الموهومة التي يمليها الشيطان على الرغم من عدم وجود المعين، ومن تسلطهم عليه.

وتأمل في قصة وفد ثقيف عندما أسلموا ووفدوا على الرسول - صلى الله عليه وسلم -: فإنهم فيما سألوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -أن يدع لهم الطاغية - وهي اللات- لا يهدمها ثلاث سنين، فأبى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عليهم، فما برحوا يسألونه سنة سنة، ويأبى عليهم، حتى سألوه شهراً واحداً بعد قدومهم، فأبى عليهم أن يدعها شيئاً مسمى، وإنما يريدون بذلك فيما يظهرون أن يسلموا بتركها من سفهائهم ونسائهم وذراريهم ويكرهون أن يروعوا قومهم بهدمها فبعث المغيرة بن شعبة وأبا سفيان بن حرب لهدمها(4).

فتأمل المصالح التي ذكروها:

1- فهم حدثاء عهد بإسلام فيحتاجون إلى التأليف.

2- و خافوا من سفهاء قومهم.

3- وأرادوا تأليف قومهم وعدم ترويعهم حتى يدخلوا الإسلام.

ومع ذلك كله فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - رأى أن المصلحة في دك حصون الشرك وقلع قواعده وهدم صروحه، ولم يلتفت إلى تلك المصالح الموهومة مطلقاً.

قال ابن القيم - رحمه الله تعالى - في فوائد قصة ثقيف هذه - (زاد المعاد) 3/506:

(ومنها أنه لا يجوز إبقاء مواضع الشرك والطواغيت بعد القدرة على هدمها وإبطالها يوماً واحداً فإنها شعائر الكفر والشرك وهي أعظم المنكرات فلا يجوز الإقرار عليها مع القدرة البتة(5)

وقال أيضاً: 3/601: (ومنها هدم مواضع الشرك التي تتخذ بيوتا للطواغيت وهدمها أحب إلى الله ورسوله وأنفع للإسلام والمسلمين من هدم الحانات والمواخير وهذا حال المشاهد المبنية على القبور التي تعبد من دون الله ويشرك بأربابها مع الله لا يحل إبقاؤها في الإسلام ويجب هدمها ولا يصح وقفها ولا الوقف عليها).

وأما الجواب المفصل:

أما شبهة القسم الأول:

فإن الآية إنما نزلت في مكة أثناء ضعف المسلمين -، وهي في السب خاصة، وقد قام الذي نزلت عليه - صلى الله عليه وسلم - بكسر الأصنام وهدم الأوثان بل و الأمر بذلك، ولا تنافي بين الأمرين، فإن المسلمين إذا كانوا في ضعف ولا يستطيعون إزالة الأصنام وهدمها فإن مفسدة سب المشركين لله - سبحانه وتعالى - أعظم من مجرد سب آلهة المشركين بدون إزالتها وهدمها -، وهذا ما كان عليه المسلمون في مكة قبل الهجرة، ولما انتصروا وكانت لهم القدرة على إزالة وهدم الطواغيت كانت مصلحة إزالتها أعظم من مفسدة سب المشركين لله - سبحانه -؛ وهذا ما صنعه الرسول - صلى الله عليه وسلم - بعد فتح مكة حيث هدم هذه الأصنام وأرسل السرايا لهدمها.

والجواب على شبهة القسم الثاني وهي تركها من أجل السياحة - من وجهين:

الوجه الأول: أن هذا الكلام من أبطل الباطل، فإن هؤلاء المضلين استدلوا بباطل على باطل؛ حيث استدلوا بأن مصلحة مجئ الكفار إلى بلاد المسلمين فيما يسمى بالسياحة- تقتضي الإبقاء على مثل هذه الأصنام.

فيقال لهم:

لو أن المحرِّم لهذه الأصنام والموجب لكسرها و هدمها لم يجد من الأدلة على تحريم الإبقاء عليها إلا أنها تأتي بمثل هؤلاء الكفار والسياح لمشاهدتها لكان استدلاله صحيحاً، فإن مجئ الكفار إلى بلاد المسلمين لا يأتي إلا بالمصائب والمفاسد والمنكرات، وما دخل الكفار في بلاد بمسمى السياحة إلا وأحدثوا فيها من المنكرات ما لا ينكره عاقل يعرف واقعهم وما هم عليه.

فكيف تترك النصوص المحكمة المتواترة المتظاهرة على حرمة هذه الأصنام ووجوب إزالتها ودك حصونها لمثل هذه التعليلات الفاسدة.

الوجه الثاني: أنه لو سلم ذلك لهم، فإن مصلحة إقامة التوحيد وهدم الأصنام أعظم من المصالح المادية، وقد تكفل الله - سبحانه - برزق من اتبع شرعه، فقد قال الله - سبحانه وتعالى - (يا أيها آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله).

قال ابن كثير - رحمه الله تعالى -في تفسيره 2/364: (وقوله ( إن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله):

قال محمد بن إسحاق: وذلك أن الناس قالوا: لتنقطعنَّ عنا الأسواق، ولتهلكن التجارة، وليذهبنّ ما كنا نصيب فيها من المرافق، فأنزل الله (وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله من ذلك إن شاء)).



الفصل الرابع شبهة أن هذه الأصنام لأهل الذمة وهم يقرون عليها:

ومن شبه هؤلاء قول بعضهم: إن مثل هذه الأصنام لأهل الذمة، وأهل الذمة يقرون على ما هم عليه، فلا يجوز التعرض لها.

والجواب عن هذه الشبهة أن يقال:

قد اتفقت أقوال علماء المذاهب على أن أهل الذمة يقرون على دينهم وما صولحوا عليه غير أنه لا يسمح لهم بإظهار شيء من شعائرهم، وأنهم إذا أظهروا صلبانهم أو أصنامهم فإنها تكسر وتتلف بخلاف ما إذا أخفوها، قال ابن حزم في (مراتب الإجماع) ص 134:

(وأن لا يظهروا الصليب على كنائسهم ولا في شيء من طريق المسلمين…ولا يظهروا شعانين ولا صليباً ظاهراً، ولا يظهروا النيران في ششء من طرق المسلمين).

وإليك أقوال علماء المذاهب:

فمن الحنفية:

قال أبو بكر الكاساني الحنفي في (بدايع الصنائع) 7/114:(لا يمكنون من إظهار صليبهم في عيدهم ; لأنه إظهار شعائر الكفر، فلا يمكنون من ذلك في أمصار المسلمين، ولو فعلوا ذلك في كنائسهم لا يتعرض لهم وكذا لو ضربوا الناقوس في جوف كنائسهم القديمة لم يتعرض لذلك ; لأن إظهار الشعائر لم يتحقق، فإن ضربوا به خارجاً منها لم يمكنوا منه لما فيه من إظهار الشعائر).

وقال كمال الدين بن الهمام في (فتح القدير) 6/60: (إنهم أي أهل الذمة- إذا حضر لهم عيد يخرجون فيه صلبانهم وغير ذلك فليصنعوا في كنائسهم القديمة من ذلك ما أحبوا، فأما أن يخرجوا ذلك من الكنائس حتى يظهر في المصر فليس لهم ذلك، ولكن ليخرجوا خفية من كنائسهم).

ومن المالكية: قال الحطاب في (التاج والإكليل) 4/602: (قال ابن حبيب: يمنع الذميون الساكنون مع المسلمين إظهار الخمر والخنزير وتكسر إن ظهرنا عليها ويؤدب السكران منهم، وإن أظهروا صلبهم في أعيادهم واستسقائهم كسرت وأدبوا)

وقال الصاوي المالكي في حاشيته على الشرح الصغير 2/316: (وكذا يكسر صليبه إن أظهره).

ومن الشافعية: وقال الشافعي في (الأم) 4/210- في شروط مصالحة أهل الذمة وكتابتها-: (على أن ليس لكم أن تظهروا في شيء من أمصار المسلمين الصليب، ولا تعلنوا بالشرك، ولا تبنوا كنيسة، ولا موضع مجتمع لصلاتكم، ولا تضربوا بناقوس، ولا تظهروا قولكم بالشرك في عيسى ابن مريم، ولا في غيره لأحد من المسلمين).

وقال ابن حجر الهيتمي الشافعي في (تحفة المحتاج) 9/302:(ويمنعون أي أهل الذمة- من إظهار منكر بيننا؛ نحو خمر، وخنزير، وناقوس: وهو ما يضرب به النصارى لأوقات الصلاة، وعيد، ونحو لطم، ونوح، وقراءة نحو توراة، وإنجيل، ولو بكنائسهم ; لأن في ذلك مفاسد كإظهار شعار الكفر فإن انتفى الإظهار فلا منع، وتراق خمر لهم أظهرت، ويتلف ناقوس لهم أظهر).

ومن الحنابلة: وقال ابن مفلح الحنبلي في (الفروع) 6/276: (ويمنعون وجوباً من إظهار خمر وخنزير، فإن فعلا أتلفناهما وإلا فلا، نص عليه - وسبق أول الغصب -، وإظهار عيد وصليب وضرب ناقوس ورفع صوت بكتاب أو على ميت، وقال شيخنا: ومثله إظهار أكل في رمضان، ونص أحمد: لا يضربون بناقوس، ومراده والله أعلم: إظهاره، قال في الروضة وغيرها: ويمنع من التعرض للذمة فيما لم يظهروا).

وقال السفاريني في غذاء الألباب 1/240:(وما أظهروه من المحرمات في شرعنا تعين إنكاره عليهم، فإن كان خمرا جازت إراقته، وإن أظهروا صليبا أو طنبورا جاز كسره. وإن أظهروا كفرهم أدبوا على ذلك، ويمنعون من إظهار ما يحرم على المسلمين).

ومن الظاهرية:وقال ابن حزم - رحمه الله - في (المحلى): (الصغار هو أن يجري حكم الإسلام عليهم، وأن لا يظهروا شيئا من كفرهم، ولا مما يحرم في دين الإسلام قال - عز وجل -: (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله)).

فتبين مما سبق سقوط هذه الشبهة من أساسها وأن أهل الذمة لا يقرون على إظهار ششء من شعائر دينهم بين المسلمين.



الفصل الخامس شبهة قياس هذه التماثيل على لعب البنات

وهناك من علماء الضلالة من قاس أصنام (بوذا) على لعب البنات التي رخص فيها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .

والجواب عن هذه الشبهة من وجوه:

الوجه الأول:

إن هذا من أفسد القياسات، فإن هذا القياس يشبه قياس الاختيار على الإكراه في جواز الكفر بعد الإيمان في قوله - تعالى - (من كفر بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان)، فيقول: كما جاز الكفر في حالة الإكراه فكذلك يجوز في حالة الاختيار، فإن هؤلاء قاسوا نفس التماثيل التي ورد النهي الشديد عنها باللعب التي خصها الشارع من المنهي عنه كما خص حالة الإكراه في جواز الكفر، والقياس الصحيح أن تقاس هذه التماثيل على (اللات) و (العزى) لاتفاقها في العلة وهي كونها تعبد من دون الله - تعالى -، مع وجود المضاهاة أيضاً، فكما أن (اللات) و (العزى) أصنام كان يعبدها العرب، فتماثيل (بوذا) كذلك تعبد من دون الله ولا زالت إلى هذا الزمن فالجميع حكمها سواء.

الوجه الثاني:

أن العلماء قد ذكروا أن التماثيل مجمع على تحريمها بكافة أشكالها إلا لعب البنات خاصة، وقد حكى الإجماع غير واحد وسبق ذكره، مع أن لعب البنات غير متفق على إباحتها فمن العلماء من ذهب إلى أن إباحتها منسوخة بعموم الأدلة الناهية عن التصوير(6).

الوجه الثالث:

أنه لو سلّمنا صحة هذا القياس وهو عن الصحة بمعزل - فإن على من زعم أن لعب عائشة صور حقيقية لذوات الأرواح إقامة الدليل على ذلك وليس إلى ذلك سبيل، فإنها ليست نقشاً ولا نحتاً، كانت من خرق وعهن يدل على ذلك ما يلي:

1-أن لعب ذلك الزمان هي من صنع الصغيرات، ولا يقول عاقل بأنهن يعرفن النقش والنحت وإقامة اللعب مقام التماثيل المنحوتة كما نراها اليوم.

2- حديث عائشة الأصل في ذلك وهو في الصحيح فإن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لما رأى لعبها سألها: ما هذا الذي أرى وسطهن؟ قالت: فرس، قال: وما هذا الذي عليه؟ قالت: جناحان، وورد فيه أنه من رقاع.

فإن هذا يدل على أن هذا التصوير غير ظاهر حتى يعرف بلا سؤال، بل هو مركب إما من أخشاب بعضها على بعض أو خرق أو نحو ذلك.

2-وحديث الربيع بنت معوّذ وهو في الصحيحين وفيه (فكنا نصومه ونصوّم صبياننا، ونجعل لهم اللعبة من العهن) والعهن الصوف-.

فلا يصح هذا القياس على كل حال، اتحدت العلة أو اختلفت، والله المستعان.



خاتمة

واعلم أخي المسلم أن أصل الأصول هو التوحيد، فمن سلم توحيده فهو السالم، فإنه يجب على كل مسلم ليتم إيمانه أمران:

الأمر الأول: الإيمان بالله وحده.

الأمر الثاني: الكفر بالطاغوت.

كما قال - تعالى -(فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى)، وإن من الكفر بالطاغوت تكفير المشركين كالبوذيين والهندوس واليهود والنصارى والمجوس وغيرهم، وخلع معبوداتهم وإزالتها عند القدرة عليها، والبراءة منهم ومما يعبدون من دون الله كما قال - تعالى -(قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برءاء منكم ومما تعبدون من دون الله وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده)، فتأمل في هذه الآية:فقد جمعوا في البراءة بين أمرين:

1- (منكم): أي البراءة من نفس الكفار.

2- (ومما تعبدون من دون الله): أي البراءة من نفس أصنامهم ومعبوداتهم.

ولعمر الله ما تبرأ مما يعبد (البوذيون) من دافع عنها وأراد بقاءها وتباكى عليها ونشر ذلك بين الملأ، وكان عضداً للوثنيين على المسلمين.

نسأل الله - تعالى - أن يجنبنا الزيغ والضلالة، وأن يوفقنا للهدى والتوحيد والسنة، وأن يتوفانا مسلمين، وأن يلحقنا بالصالحين.

وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.



ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) حكى الإجماع النووي وابن العربي وغيرهما، وانظر (عارضة الأحوذي) 7/253، (شرح النووي لصحيح مسلم) 14/91، (مواهب الجليل) 2/552، (حاشية ابن عابدين) 6/647.

(2) رواه أحمد (4/101)، والطبراني في الكبير والأوسط، وقال الهيثمي في (المجمع) 8/120 (رجاله ثقات).

(3) رواه الطيالسي (16) و أحمد (1/87)، وقال الهيثمي في (المجمع) 5/172 (قلت: في الصحيح طرف منه رواه أحمد وابنه وفيه (أبو محمد الهذلي) ويقال: أبو مورع ولم أجد من وثقه وقد روى عنه جماعة ولم يضعفه أحد، وبقية رجاله رجال الصحيح).

(4) انظر (الطبقات) لابن سعد 5/505، (تاريخ الطبري) 2/180.

(5) قارن بين قول ابن القيم - رحمه الله تعالى - (لا يجوز إبقاء مواضع الشرك والطواغيت بعد القدرة على هدمها وإبطالها يوماً واحداً)، وبين قول القرضاوي الذي أخذته الغيرة على أصنام (بوذا)- فقال: (لا يجوز هدم هذه الآثار)!.

(6) ذهب إلى ذلك البيهقي والمنذري وابن الجوزي وغيرهم، انظر (فتح الباري) 10/544، (الآداب الشرعية) لابن مفلح 3/509، (تحفة الأحوذي) 5/429، (أحكام التصوير في الفقه الإسلامي) 252.

RSS v2.0 FEED أضف الصفحة إلى MySpace! أضف الصفحة إلى iGoogle أضف الصفحة إلى My Yahoo أضف الصفحة إلى Microsoft live أضف الصفحة إلى facebook برنامج قارىء RSS Subscribe Bookmark and Share


تعليقات القراء على المقالات : أضف تعليقك الآن

ملاحظة هامة : هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها.

الأسئلة والتعليقات المقتضبة أو تلك التى لا تتعلق بموضوع المحاضرة ستحذف تلقائيا.

لا توجد تعليقات

إلى الأعلى


أرسال لصديق

التلاوت القرآنية

الدروس والمحاضرات

أحصائيات
    عدد المقالات (26769)
    عدد الكتب (4770)
    عدد الصوتيات (114455)
القائمة البريدية
القائمة البريدية
المعلومات المنشورة في هذا الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي قائلها أو كاتبها كما يحق لك الاستفادة من محتويات الموقع في الاستخدام الشخصي غير التجاري مع ذكر المصدر 
Midad.com ©  2012
وقت تحميل الصفحة: 0.071 ثانية  |   خريطة الموقع  |   Rss  |  كيف تستخدم هذا الموقع