بسم الله الرحمن الرحيم
1- فأول ما على طالب العلم أن يحسن نيته، ويصلح طويته، ويتصور أن هذا العمل الذي قصد له، والأمر الذي أراده هو الشريعة التي شرعها الله - سبحانه - لعباده، وبعث بها رسله، وأنزل بها كتبه، ويجرد نفسه عن أن يشوب ذلك بمقصد من مقاصد الدنيا، أو يخلطه بما يكدره من الإرادات التي ليست منه، كمن يريد به الظفر بشيء من المال أو الوصول إلى نوع من الشرف أو البلوغ إلى رئاسة من رئاسات الدنيا، أو جاه يحصِّله به؛ فإن العلم طيب، لا يقبل غيره، ولا يحتمل الشركةَ. والروائحُ الخبيثةُ إذا لم تغلب على الروائح الطيبة - فأقل الأحوال أن تساويها وبمجرد هذه المساواة لا يتبقى للطيب رائحة. والماءُ الصافيْ العذبُ الذي يستلذه شاربه، كما يكدره الشيء اليسير من الماء المالح فضلاً عن غير الماء من القاذورات، بل يُنَغِّص لذته مجرد وجود القذاة فيه ووقوع الذباب عليه، هذا على فرض أن مجرد تشريك العلم مع غيره له حكم هذه المحسوسات وهيهات ذاك؛ فإن من أراد أن يجمع في طلبه العلم بين قصد الدنيا والآخرة فقد أراد الشطط، وغلط أقبح الغلط؛ فإن طلب العلم من أشرف أنواع العبادة وأجلها وأعلاها، وقد قال الله - سبحانه -: [وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ] البينة 5. فقيَّد الأمر بالعبادة بالإخلاص الذي هو روحها، وصح عن رسول الله"حديث: "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئٍ ما نوى". ص82
2- فإن وطنت نفسك أيها الطالب، على الإنصاف وعدم التعصب لمذهب من المذاهب، ولا لعالم من العلماء، بل جعلت الناس جميعاً بمنزلة واحدة في كونهم منتمين إلى الشريعة، محكوماً عليهم بها لا يجدوا لأنفسهم عنها مخرجاً، ولا يستطيعون متحولاً، فضلاً عن أن يرتقوا إلى ما هو فوق ذلك من كونه يجب على أحد من الأمة العمل على رأي واحد منهم، أو يلزمه تقليده، وقبول قوله - فقد فزت بأعظم فوائد العلم، وربحت بأنفس فرائده. ولأمر ما جعل -- صلى الله عليه وآله وسلم -- المنصف أعلم الناس، وإن كان مقصراً؛ فإنه أخرج الحاكم في المستدرك، وصححه مرفوعاً "أعلم الناس أبصرهم بالحق إذا اختلف الناس، وإن كان مقصراً في العمل، وإن كان يزحف على أسته". هكذا في حفظي؛ فليراجع المستدرك؛ فانظر كيف جعل - صلى الله عليه وآله وسلم - المنصف أعلم الناس، وجعل ذلك هو الخصلة الموجبة للأعلمية، ولم يعتبر غيرها. ص89 - 90.
3- ومن جملة الأسباب التي يتسبب عنها ترك الإنصاف، ويصدر عنها البعد عن الحق، وكتم الحجة وعدم ما أوجبه الله من البيان: حب الشرف والمال اللذين هما أعدى على الإنسان من ذئبين ضاريين، كما وصف ذلك رسول الله ". ص106
4- ومن جملة الأسباب التي يتسبب عنها ترك الإنصاف، وكتم الحق، وغمط الصواب - ما يقع بين أهل العلم من الجدال والمراء؛ فإن الرجل قد يكون له بصيرة، وحسن إدراك، ومعرفة بالحق، ورغوب إليه، فيخطئ في المناظرة، ويحمله الهوى، ومحبة الغلب، وطلب الظهور على التصميم على مقاله، وتصحيح خطئه، وتقويم معوجِّه بالجدال والمراء. وهذه الذريعة الإبليسية، والدسيسة الشيطانية قد وقع بها من وقع في مهاوٍ من التعصبات، ومزالق من التعسفات عظيمةِ الخطر، مخوفة العاقبة. وقد شاهدنا من هذا الجنس ما يقضي منه العجب؛ فإن بعض من يسلك هذا المسلك لا يجاوز ذلك إلى الحلف بالإيمان على حقيقة ما قاله، وصواب ما ذهب إليه، وكثيراً منهم يعترف بعد أن تذهب عنه سورة الغضب وتزول عنه نزوة الشيطان بأنه فعل ذلك تعمداً مع علمه بأن الذي قاله غير صواب. وقد وقع مع جماعة من السلف من هذا الجنس ما لا يأتي عليه الحَصر وصار ذلك مذاهب تروى، وأقوال تحكى كما يعرف ذلك من يعرفه. ص110 -111.
5- ومن الأسباب المقتضية للتعصب: أن يكون بعض سلف المشتغل بالعلم قد قال بقول، ومال إلى رأي؛ فيأتي هذا الذي جاء بعده؛ فيحمله حب القرابة على الذهاب إلى ذلك المذهب والقول بذلك القول، وإن كان يعلم أنه خطأ، وأقل الأحوال إذا لم يذهب إليه أن يقول فيه: إنه صحيح، ويتطلب له الحجج، ويبحث عما يقويه، وإن كان بمكان من الضعف، ومحل من السقوط، وليس له في ذلك حظ ولا معه فائدة إلا مجرد المباهاة لمن يعرفه، والتزين لأصحابه بأنه في العلم مُعْرِقٌ، وأن بيته قديم فيه. ولهذا ترى كثيراً منهم يستكثر من: قال جدُّنا، قال والدُنا، اختار كذا، صنع كذا، فعل كذا. وهذا لاشك أن الطباع البشرية تميل إليه، ولا سيما طبائع العرب؛ فإن الفخر بالأنساب، والتحدث بما كان للسلف من الأحساب يجدون فيه من اللذة ما لا يجدونه في تعدد مناقب أنفسهم، ويزداد هذا بزيادة شرف النفس، وكرم العنصر، ونبالة الآباء. ولكن ليس من المحمود أن يبلغ بصاحبه إلى التعصب في الدين، وتأثير الباطل على الحق؛ فإن اللذة التي يطلبها، والشرف الذي يريده قد حصل له بكون[1] من سلفه ذلك العالم، ولا يضيره أن يترك التعصب له، ولا يمحق عليه شرفه. بل التعصب - مع كونه مفسداً للحظ الأخروي - يفسد عليه أيضاً الحظ الدنيوي؛ فإنه إذا تعصَّب لسلفه بالباطل فلا بد أن يعرف كل من له فهم أنه متعصب، وفي ذلك عليه من هدم الرفعة التي يريدها، والمزية التي يطلبها ما هو أعظم عليه وأشد من الفائدة التي يطلبها، بكون[2] له قريب عالم؛ فإنه لا ينفعه صلاح غيره مع فساد نفسه. وإذا لم يعتقد فيه السامع التعصب اعتقد بلادة الفهم، ونقصان الإدراك، وضعف التحصيل؛ لأن الميل إلى الأقوال الباطلة ليس من شأن أهل التحقيق الذين لهم كمال إدراك، وقوة فهم، وفضل دراية، وصحة رواية. بل ذلك دأب من ليست له بصيرة نافذة، ولا معرفة نافعة. فقد حصل عليه بما تلذذ به، وارتاح إليه من ذكر شرف السلف ما حقق عند سامعه بأنه من خلف الخلف. ص111 - 112.
6- وبالجملة فالخاصة إذا بقي فيهم شيء من العصبية كان إرجاعهم إلى الإنصاف متيسر غير متعسر بإيراد الدليل الذي تقوم به الحجة لديهم؛ فإنهم إذا سمعوا الدليل عرفوا الحق، وإذا جادلوا وكابروا فليس ذلك عن صميم اعتقاد، ولا عن خلوص نية. فرياضة الخاصة بإيراد الأدلة عليهم، وإقامة حجج الله، وإيضاح براهينه. وذلك يكفي؛ فإنهم لمِاَ قد عرفوه من علوم الاجتهاد، ومارسوه من الدقائق، لا يخفى عليهم الصواب، ولا يلتبس عليهم الراجح بالمرجوح، والصحيح بالسقيم، والقوي بالضعيف، والخالص بالمغشوش. ص118 - 119.
7- ورياضة العامة بإرشادهم إلى التعلم، ثم بذل النفس لتعليمهم ما هو الحق في اعتقاد ذلك المعلم بعد أن صار داعياً من دعاة الحق، ومرشداً من مرشدي المسلمين، ثم ترغيبهم بما وعد الله به، وإخبارهم بما يستحقه، من فعل كفعلهم من الجزاء والأجر، ثم يجعل لهم من القدوة بأفعاله مثل ما يجعله لهم من القدوة بأقواله أو زيادة؛ فإن النفوس إلى الاقتداء بالفعَّال أسرع منها إلى الاقتداء بالقوَّال. ص119
8- والعقبة الكؤود، والطريق المستوعرة، والخطب الجليل، والعبء الثقيل-إرشادُ طبقة متوسطة بين طبقة العامة والخاصة، وهم قوم قلدوا الرجال، وتلقنوا علم الرأي ومارسوه، حتى ظنوا أنهم بذلك قد فارقوا طبقة العامة وتميزوا عنهم. وهم لم يتميزوا في الحقيقة عنهم، ولا فارقوهم إلا بكون جهل العامة بسيطاً وجهل هؤلاء جهلاً مركباً، وأشد هؤلاء تغييراً لفطرته، وتكديراً لخلقته أكثرهم ممارسة لعلم الرأي، وأثبتهم تمسكاً بالتقليد، وأعظمهم حرصاً عيه؛ فإن الدواء قد ينجح في أحد هؤلاء في أوائل أمره، وأما بعد طول العكوف على ذلك، والشغف به والتحفظ له، فما أبعد التأثير وما أصعب القبول؛ لأن طبائعهم مازالت تزداد كثافة بازدياد تحصيل ذلك، وتستفيد غلظة وفظاظة باستفادة ذلك، وبمقدار ولوعهم بما هم فيه، وشغفهم به تكون عداوتهم للحق، ولعلم الأدلة، وللقائمين بالحجة. ولقد شاهدنا من هذه الطبقة ما لو سردنا بعضه لاستعظمه سامعه، واستفظعه؛ فإن غالبهم لا يتصور بعد تمرنه فيما هو فيه إلا مَنْصِباً يثب عليه، أو يتيماً يشاركه في ماله، أو أرملة يخادعها عن ملكها، أو فرصةً ينتهزها عند ملك أو قاض، فيبلغ بها إلى شيء من حطام الدنيا، ولا يبقى في طبائع هؤلاء شيء من نور العلم، وهدى أهله وأخلاقهم، بل هم أشبه شيء بالجبابرة، وأهل المباشرة للمظالم، ومع هذا فهم أشد خلق الله تعصباً وتعنتاً وبُعداً من الحق، ورجوعهم إلى الحق من أبعد الأمور وأصعبها؛ لأنه لم يبق في أفهامهم فضلة لتعقّل ذلك وتدبّره، بل قد صار بعضها مستغرقاً بالرأي، وبعضها مستغرقاً بالدنيا. فإن قلتَ: فهل بقي مطمع في أهل هذه الطبقة؟ وكيف الوصول إلى إرشادهم إلى الإنصاف وإخراجهم عن التعصب؟ قلتُ: لا مطمع إلا بتوفيق الله وهدايته؛ فإنه إذا أراد أمراً يسّر أسبابه، وسهّل طرائقه، وأحسن ما يستعمله العالم مع هؤلاء ترغيبهم في العلم، وتعظيم أمره، والإكثار من مدح علوم الاجتهاد، وأن بها يعرف أهل العلم الحق من الباطل، ويميّزون الصواب من الخطأ، وأن مجرد التقليد ليس من العلم الذي ينبغي عد صاحبه من جملة أهل العلم. ص119 – 120
9- ومن آفات التعصب الماحقة لبركة العلم أن يكون طالب العلم قد قال بقول في مسألة كما يصدر ممن يفتي، أو يصنف، أو يناظر غيره، ويشتهر ذلك القول عنه، فإنه قد يصعب عليه الرجوع عنه إلى ما يخالفه، وإن علم أنه الحق، وتبين له فساد ما قاله. ص141
10- ومن الآفات المانعة عن الرجوع إلى الحق أن يكون المتكلم بالحق حدث السن بالنسبة إلى من يناظره، أو قليل العلم أو الشهرة في الناس، والآخر بعكس ذلك؛ فإنه قد تحمله حمية الجاهلية والعصبية الشيطانية على التمسك بالباطل؛ أنفةً منه عن الرجوع إلى قول من هو أصغر منه سناً، أو أقل منه علماً، أو أخفى شهرةً؛ ظناً منه أن في ذلك عليه ما يحط منه، وينقص ما هو فيه. وهذا الظن فاسد؛ فإن الحط والنقص إنما هو في التصميم على الباطل، والعلوّ والشرف في الرجوع إلى الحق بيد من كان وعلى أي وجه حصل. ص142-144.
11- وبالجملة فالأسباب المانعة من الإنصاف لا تخفى على الفَطِن، وفي بعضها دقّة تحتاج إلى تيقظ وتدبر، وتتفق في كثير من الحالات لأهل العلم والفهم والإنصاف، فالمعيار الذي لا يزيغ أن يكون طالب العلم مع الدليل في جميع موارده ومصادره لا يثنيه عنه شيء، ولا يحول بينه وبينه حائل. ص143.
12- واعلم أنه كما يتسبب عن التعصب محق بركة العلم، وذهاب رونقه، وزوال ما يترتب عليه من الثواب- كذلك يترتب عليه من الفتن المفضية إلى سفك الدماء وهتك الحرم، وتمزيق الأعراض، واستحلال ما هو في عصمة الشرع ما لا يخفى على عاقل، وقد لا يخلو عصر من العصور، ولا قطر من الأقطار من وقوع ذلك. ص145
13- ومن الأسباب المانعة من الإنصاف ما يقع من المنافسة بين المتقاربين في الفضائل، أو في الرئاسة الدينية، أو الدنيوية؛ فإنه إذا نفخ الشيطان في أنفهما، وترقَّت المنافسة بلغت إلى حد يحمل كل واحد منهما على أن يرد ما جاء به الآخر إذا تمكن من ذلك وإن كان صحيحاً جارياً على منهج الصواب. وقد رأينا وسمعنا من هذا القبيل عجائب صنع فيها جماعة من أهل العلم صنيع أهل الطاغوت، وردوا ما جاء به بعضهم من الحق، وقابلوه بالجدال الباطل والمراء القاتل. ص173
14- وينبغي لمن كان صادق الرغبة، قوي الفهم، ثاقب النظر، عزيز النفس، شهم الطبع، عالي الهمة، سامي الغريزة - أن لا يرضى لنفسه بالدون، ولا يقنع بما دون الغاية، ولا يقعد عن الجد والاجتهاد المُبلِّغين له إلى أعلى ما يراد، وأرفع ما يستفاد؛ فإن النفوس الأبية، والهمم العلية لا ترضى بدون الغاية في المطالب الدنيوية من جاه أو مال أو رئاسة أو صناعة أو حرفة حتى قال قائلهم:
إذا غامرت في شرف مروم *** فلا تقنع بما دون النجوم
فطعم الموت في أمر حقير *** كطعم الموت في أمر عظيم
وقال آخر مشيراً إلى هذا المعنى:
إذا ما لم تكن ملكاً مطاعاً *** فكن عبداً لخالقه مطيعا
وإن لم تملك الدنيا جميعاً *** كما تهواه فاتركها جميعا
هما شيئان من ملك ونسك *** ينيلان الفتى شرفاً رفيعا
وقال آخر:
فإما مكاناً يضرب النجم دونه *** سرادقه أو باكياً لحمام
وقد ورد هذا المعنى كثيراً في النظم والنثر، وهو المطلب الذي تنشط إليه الهمم الشريفة، وتقبله النفوس العلية. وإذا كان هذا شأنهم في الأمور الدنيوية التي هي سريعة الزوال، قريبة الاضمحلال- فكيف لا يكون ذلك من مطالب المتوجهين إلى ما هو أشرف مطلباً، وأعلى مكسباً، وأرفع مراداً، وأجل خطراً، وأعظم قدراً، وأعود نفعاً، وأتم فائدة. وهي المطالب الدينية مع كون العلم أعلاها وأولاها بكل فضيلة، وأجلها وأكملها في حصول المقصود، وهو الخير الأخروي؛ فإن الله - سبحانه - قد قرن العلماء في كتابه بنفسه وملائكته فقال: [شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ] آل عمران: 18. وقصر الخشية له التي هي سبب الفوز لديه عليهم، فقال: [إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ] فاطر: 28. وأخبر عباده بأنه يرفع علماء أمته درجات، فقال: [يَرْفَعْ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ] المجادلة: 11. وأخبرنا رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - "بأن العلماء ورثة الأنبياء". وناهيك بهذه المزية الجليلة، والمنقبة النبيلة؛ فأكرم بنفس تطلب غاية المطالب في أشرف المكاسب، وأحبب برجل أراد من الفضائل ما لا تدانيه فضيلة، ولا تساميه منقبة، ولا تقاربه مكرمة؛ فليس بعد ما يتصوره أهل الطبقة الأولى متصور؛ فإن نالوه على الوجه الذي تصوروه، فقد ظفروا من خير العاجلة والآجلة وشرف الدنيا والآخرة بما لا يظفر به إلا من صنع صنيعهم ونال نيلهم، وبلغ مبالغهم. وإن اخترمهم دونه مخترم، وحال بينهم وبينه حائل فقد أعذروا، وليس على من طلب جسيماً، ورام أمراً عظيماً أن منعته عنه الموانع، وصرفته عنه الصوارف من بأس، وما أحسن ما قاله الشريف الرضي الموسوي:
لابد أن أركبها صعبةً *** وقاحة تحت علام وقاح
أُجْهِدها أو تنثني بالردى *** دون الذي أملت أو بالنجاح
إما فتى نال المنى فاشتفى *** أو بطل ذاق الردى فاستراح
وكنت في أيام الطلب وعصر الشباب قد نظمت قصيدة في هذا المعنى على هذا النمط، أذكر منها الآن أبياتاً هي: قد أتعب السير رحالي ***وقد آن لها بعد الوحى أن تُراح
فما يهاب العتْبَ مَنْ فاز مِنْ *** غايةِ أمنيَّته بالنجاح
سعى فلما ظفرت بالمنى *** يمينُه ألقى العصا واستراح
ص180 - 182
15- وعلى العاقل أن يعلم أنه لن يصيبه إلا ما كتبه الله له، ولا يعدوه ما قدّره له، وأنه قد فرغ من أمر رزقه الذي فرضه الله له؛ فلا القعود يصده، ولا السعي وإتعاب النفس يوجب الوصول إلى ما لم يأذن به الله. وهذا معلوم من الشرع قد توافقت عليه صرائح الكتاب والسنة، وتطابقت عليه الشرائع. وإذا كان الأمر هكذا فما أحق هذا النوع العاقل من الحيوان الذي دارت رحى التكليف عليه، ونيطت أسباب الخير والشر به - أن يشتغل بطلب ما أمره الله بطلبه، وتحصيل ما خلقه الله لتحصيله، وهو الامتثال لما أمره به من طاعته، والانتهاء عما نهاه عنه من معاصيه. ومن أعظم ما يريده الله منه ويقربه إليه ويفوز به عنده: أن يشغل نفسه، ويستغرق أوقاته في طلب معرفة هذه الشريعة التي شرعها الله لعباده، وينفق ساعاته في تحصيل هذا الأمر الذي جاءت به رسل الله إلى عباده ونزلت به ملائكته. ص184 – 185
16- وإن لحسن النية وإخلاص العمل تأثيراً عظيماً في هذا المعنى؛ فمن تعكَّست عليه بعض أموره من طلبة العلم، أو أكْدَتْ عليه مطالبه، وتضايقت مقاصده - فليعلم أنه بذنبه أصيب، وبعدم إخلاصه عوقب، أو أنه أصيب بشيء من ذلك محنة له وابتلاء واختباراً؛ لينظر كيف صبره واحتماله، ثم يفيض عليه بعد ذلك من خزائن الخير ومخازن العطايا في ما لم يكن بحسبان، ولا يبلغ إليه تصور؛ فليعض على العلم بناجذه، ويشد عليه يده، ويشرح به صدره؛ فإنه لا محالة واصل إلى المنزل الذي ذكرنا، نائل للمرتبة التي بيّنا. ص186
17- وما أحسن ما حكاه بعض أهل العلم عن الحكيم أفلاطون فإنه قال: الفضائل مُرة الأوائل حلوة العواقب، والرذائل حلوة الأوائل مُرة العواقب. وقد صدق؛ فإن من شغل أوائل عمره، وعنفوان شبابه بطلب الفضائل لا بد له أن يفطم نفسه عن بعض شهواتها، ويحبسها عن الأمور التي يشتغل بها أترابه ومعارفه من الملاهي ومجالس الراحة، وشهوات الشباب، فإذا انتهى إليه ما هم فيه من تلك اللذات والخلاعات وجد في نفسه بحكم الشباب، وحداثة السن، وميل الطبع إلى ما هناك مرارة، واحتاج إلى مجاهدة يرد جامح طبعه، ومتفلت هواه ومتوثِّب نشاطه، لا يتم له إلا بإلجام شهوته بلجام الصبر، ورباطها بمربط العفة. وكيف لا يجد مرارة الحبس للنفس من كان في زاوية من زوايا المساجد ومقصورة من مقاصر المدارس، لا ينظر إلا في دفتر ولا يتكلم إلا في فن من الفنون، ولا يتحدث إلا إلى عالم أو متعلم، وأترابه ومعارفه من قرابته وجيرانه وذوي سنه وأهل نشأته وبلده يتقلبون في رفاهة العيش ورائق القصف!؟ وإذا انضم لذلك الطالب إلى هذه المرارة الحاصلة له بعزف النفس عن شهواتها مرارة أخرى هي إعواز الحال، وضيق المكسب وحقارة الدخل - فإنه لا بد أن يجد من المرارة المتضاعفة ما يعظم عنده موقعه، لكنه يذهب عنه ذلك قليلاً قليلاً؛ فأول عقدة تنحل عنه من عقد هذه المرارة عند أن يتصور ما يؤول به الأمر، وينتهي إليه حاله من الوصول إلى ما قد وصل إليه من يجده في عصره من العلماء، ثم تنحل عنه العقدة الثانية بفهم المباحث، وحفظ المسائل، وإدراك الدقائق؛ فإنه عند ذلك يجد من اللذة والحلاوة ما يذهب بكل مرارة، ثم إذا نال من المعارف حظاً، وأحرز منها نصيباً، ودخل في عداد أهل العلم كان متقلباً في اللذات النفسانية التي هي اللذات الحقيقية، ولا يعدم عند ذلك من اللذات الجسمانية ما هو أفضل وأحلى من اللذات التي يتقلب فيها كل من كان من أترابه. وهو إذا وازن بين نفسه الشريفة وبين فرد من معارفه الذين لم يشتغلوا بما اشتغل به اغتبط بنفسه غاية الاغتباط، ووجد من السرور والحبور ما لا يقادر قدره. ص186 - 187
18- وكنت في أوائل أيام طلبي للعلم في سن البلوغ أو بعدها بقليل تصورت ما ذكرته هنا فقلت:
سددت الأُذْنَ عن داعي التصابي *** فلا داعٍ لدي ولا مجيبُ
وأنفقت الشبيبة غير وانٍ *** لمجد الشيب فليهن المشيب
وقلت - أيضاً - رامزاً إلى هذا المعنى:
وأبدي رغبة لنجود نجد *** وشوقاً لانْتشاقي منه ريحاً
وما بسوى العقيق أقام قلبي *** وأضحى بين أهليه طريحاً ص188 19-
وأما كون الرذائل حلوة الأوائل مُرة العواقب فَصِدْقُ هذا غير خافٍ على ذي لب؛ فإن من أرسل عنان شبابه في البطالات، وحل رابط نفسه فأجراها في ميادين اللذات - أدرك من اللذة الجسمانية من ذلك بحسب ما يتفق له منها ولا سيما إذا كان ذا مال وجمال، ولكنها تنقضي عنه اللذة، وتفارقه هذه الحلاوة إذا تكامل عقله، ورجح فهمه، وقوي فكره؛ فإنه لا يدري عند ذلك ما يدهمه من المرارات التي منها الندامة على ما اقترفه من معاصي الله، ثم الحسرة على ما فوَّته من العمر في غير طائل، ثم الكربة على ما أنفقه من المال في غير حلّه، ولم يفز من الجميع بشيء، ولا ظفر من الكل بطائل. وتزداد حسرته، وتتعاظم كربته إذا قاس نفسه بنفس من اشتغل بطلب المعالي من أترابه في مقتبل شبابه؛ فإنه لا يزال عند موازنة ذاته بذاته، وصفاته بصفاته في حسرات متجددة، وزفرات متصاعدة، ولا سيما إذا كان بيته في العلم طويل الدعائم، وسلفه من المتأهلين لتلك المعالي والمكارم؛ فإنه حينئذٍ تذهب عنه سكرة البطالة، وتنقشع عنه عماية الجهالة بكروب طويلة، وهموم ثقيلة، وقد فاته ما فات وقد حيل بين العير والنزوان، وحال الجريض دون القريض، وفي الصيف ضيعت اللبن؛ فانظر - أعزك الله - أي الرجلين أربح صفقة، وأكثر فائدة، وأعظم عائدة؛ فقد بين الصبح لذي عينين، وعند الصباح يحمد القوم السرى. ص188 - 189.
20- لا ينبغي لعالم أن يدين بغير مادان به السلف الصالح من الصحابة والتابعين وتابعيهم من الوقوف على ما تقتضيه أدلة الكتاب والسنة، وإبراز [2] الصفات كما جاءت، ورد علم المتشابه إلى الله - سبحانه -، وعدم الاعتداد بشيء من تلك القواعد المدونة في هذا العلم، المبنية على شفا جرف هار من أدلة العقل التي لا تعقل، ولا تثبت إلا بمجرد الدعاوي والافتراء على العقل بما يطابق الهوى، ولا سيما إذا كانت مخالفة لأدلة الشرع الثابتة في الكتاب والسنة؛ فإنها حينئذٍ حديث خرافة ولعبة لاعب، فلا سبيل للعباد يتوصلون به إلى معرفة ما يتعلق بالرب - سبحانه - وبالوعد والوعيد، والجنة والنار، والمبدأ والمعاد إلا ما جاءت به الأنبياء - صلوات الله عليهم وسلامه - عن الله - سبحانه -. وليس للعقول وصول إلى تلك الأمور، ومن زعم ذلك فقد كلف العقول ما أراحها الله منه ولم يتعبدها به، بل غاية ما تدركه، وجل ما تصل إليه هو ثبوت الخالق الباري، وأن هذه المصنوعات لها صانع، وهذه الموجودات لها موجد، وما عدا ذلك من التفاصيل التي جاءتنا في كتب الله - عز وجل - وعلى ألسن رسله فلا يستفاد من العقل، بل من ذلك النقل الذي منه جاءت، وإلينا به وصلت. ص198
21- واعلم أني عند الاشتغال بعلم الكلام وممارسة تلك المذاهب والنحل لم أزدد بها إلا حيرة ولا استفدت منها إلا العلم بأن تلك المقالات خزعبلات فقلت إذ ذاك مشيراً إلى ما استفدته من هذا العلم.
وغاية ما حصّلته من مباحثي *** ومن نظري من بعد طول التدبر
هو الوقف ما بين الطريقين حيرة *** فما علم من لم يلق غير التحير
على إنني قد خضت منه غماره *** وما قنعت نفسي بدون التبحر
وعند هذا رميت بتلك القواعد من حالق، وطرحتها خلف الحائط، ورجعت إلى الطريقة المربوطة بأدلة الكتاب والسنة المعمودة بالأعمدة التي هي أوثق ما يعتمد عليه عباد الله، وهم الصحابة ومن جاء بعدهم من علماء الأمة المقتدين بهم، السالكين مسالكهم، فطاحت الحيرة، وانجابت ظلمة العماية، وانقشعت سحابة الجهالة، وانكشفت ستور الغواية، ولله الحمد، على أني - ولله الشكر - لم اشتغل بهذا الفن إلا بعد رسوخ القدم في أدلة الكتاب والسنة، فكنت إذا عرضت مسألة من مسائله، مبنية على غير أساس رجعت إلى ما يدفعها من علم الشرع، ويدمغ زائفها من أنوار الكتاب والسنة، ولكني كنت أقدر في نفسي أنه لو لم يكن لدي إلا تلك القواعد والمقالات فلا أجد حينئذ إلا حيرة، ولا أمشي إلا في ظلمة، ثم إذا ضربت بها وجه قائلها، ودخلت إلى تلك المسائل من الباب الذي أمر الله بالدخول منه كنت حينئذ في راحة من تلك الحيرة، وفي دعة من تلك الخزعبلات، والحمد لله رب العالمين عدد ما حمده الحامدون بكل لسان في كل زمان. ص198 – 199
22- وبالجملة فالمجتهد على التحقيق: هو من يأخذ الأدلة الشرعية من مواطنها على الوجه الذي قدمناه، ويفرض نفسه موجوداً في زمن النبوة، وعند نزول الوحي وإن كان في آخر الزمان وكأنه لم يسبقه عالم، ولا تقدمه مجتهد. فإن الخطابات الشرعية تتناوله كما تناولت الصحابة من غير فرق. وحينئذ يهون الخطب، وتذهب الروعة التي نزلت بقلبه من الجمهور، وتزول الهيبة التي تداخل قلوب المقصرين. ص206
23- ومما يزيد من أراد هذه الطبقات علواً ويفيده قوة إدراك، وصحة فهم، وسيلان ذهن - الاطلاع على أشعار فحول الشعراء ومُجِيْديهم، والمشهورين منهم باستخراج لطائف المعاني، ومطربات النكات مع ما يحصل له بذلك من الاقتدار على النظم، والتصرف في فنونه؛ فقد يحتاج العالم إلى النظم لجواب ما يرد عليه من الأسئلة المنظومة، أو المطارحات الواردة إليه من أهل العلم، وربما ينظم في فن من الفنون لغرض من الأغراض الصحيحة؛ فإن من كان بهذه المنزلة الرفيعة من العلم إذا كان لا يقتدر على النظم كان ذلك خدشة في وجه محاسنه، ونقصاً في كماله. وهكذا الاستكثار من النظر في بلاغات أهل الإنشاء المشهورين بالإجادة والإحسان المتصرفين في رسالاتهم ومكاتباتهم بأفصح لسان وأبين بيان؛ فإنه ينتفع بذلك إذا احتاج إلى الإنشاء، أو جاوب صديقاً، أو كاتب حبيباً؛ لأنه ينبغي أن يكون كلامه على قدر علمه، وهو إذا لم يمارس جيد النظم والنثر كان كلامه ساقطاً عن درجة الاعتبار عند أهل البلاغة، والعلم شجرة ثمرتها الألفاظ، وما أقبح بالعالم المتبحر في كل فن أن يتلاعب به في النظم والنثر من لا يجاريه في علم من علومه، ويتضاحك منه من له أدنى إلمام بمستحسن الكلام ورائق النظام، ويستعين على بلوغ ما يليق به ويطابق رتبته بمثل علم العروض والقوافي، وأنفع ما في ذلك منظومة الجزاز وشروحها، وبمثل المؤلفات المدونة لذلك، وأنفع ما ينتفع به (المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر) لابن الأثير. ثم لا بأس على من رسخ قدمه في العلوم الشرعية أن يأخذ بطرف من فنون هي من أعظم ما يصقل الأفكار، ويصفي القرائح، ويزيد القلب سروراً، والنفس انشراحاً، كالعلم الرياضي والطبيعي والهندسة والهيئة والطب. ص206-207.
24- وبالجملة فالعلم لكل فن خير من الجهل به بكثير، ولاسيما من رشح نفسه للطبقة العلية، والمنزلة الرفيعة. ص207
25- وإني لأعجب من رجل يدعي الإنصاف والمحبة للعلم، ويجري على لسانه الطعن في علم من العلوم لا يدري به، ولا يعرفه، ولا يعرف موضوعه، ولا غايته، ولا فائدته، ولا يتصوره بوجه من الوجوه. ص208
26- وأما من كان أهلاً للعلم وفي مكان من الشرف فإنه يزداد بالعلم شرفاً إلى شرفه، ويكتسب به من حسن السِّمت وجميل التواضع ورائق الوقار وبديع الأخلاق ما يزيد علمه علواً وعرفانه تعظيماً، فيتخلق بأخلاق الأنبياء ومن يمشي على طريقهم، من عاملي العلماء وصالحي الأمة، ويعرف للعلم حقه، ويعظمه بما ينبغي من تعظيمه، فلا يكدره بالمطامع، ولا يشوبه بالخضوع لأهل الدنيا، ولا يُجَهِّمه بالتوصل به إلى ما في يد الأغنياء فيكون عنده مخدوماً لا خادماً، ومقصوداً لا قاصداً. ص216
27- وبين هاتين الطائفتين طائفة ثالثة، ليست من هؤلاء ولا من هؤلاء، جعلوا العلم مكسباً من مكاسب الدنيا، ومعيشة من معايش أهله لا غرض لهم فيه إلا إدراك منصب من مناصب أسلافهم، ونيل رئاسة من الرئاسات التي كانت لهم، كما نشاهده في غالب البيوت المعمورة بالقضاء أو الإفتاء أو الخطابة أو الكتابة، أو ما هو شبيه بهذه الأمور؛ فإن من كان طالباً للوصول إلى شيء من هذه الأمور، ذهب إلى مدارس العلم يتعلم ما يتأهل به لما يطلبه، وهو لا يتصور البلوغ إلى الثمرة المستفادة من العلم، والغاية الحاصلة لطالبه فيكون ذهنه كليلاً، وفهمه عليلاً، ونفسه خائرة، ونيته خاسرة، بل غاية تصوره ومعظم فكرته في اقتناص المنصب والوصول إليه، فيخدم في مدة طلبه واشتغاله أهل المناصب ومن يرجو منهم الإعانة على بلوغ مراده أكثر مما يخدم العلم، ويتردد إلى أبوابهم ويتعثر في مجالسهم، ويذوق به من الإهانة ما فيه أعظم مرارة ويتجرع من الغصص ما يصغر قدر الدنيا بالنسبة إليه. فإذا نال ذلك المنصب ضرب بالدفاتر وجه الحائط، وألقاها خلف السور لعدم الباعث عليها من جهة نفسه والمُنشِّط على العلم والمرغب فيه. ص216 – 217
28- ومن هذه الحيثية تنازل منصب العلم، وتهاون الناس به؛ لأنهم يرون رجلاً قد لبس لباس أهل العلم، وتزيَّا بزيهم، وحضر مجالسهم، ثم ذهب إلى مجالس أهل الدنيا ومن لهم قدرة على إيصال أهل الأعمال الدنيوية إليها من وزير أو أمير، فتصاغر لهم، وتذلَّل، وتهاون، وتحقر، حتى يصير في عداد خدمهم ومن هو في أبوابهم. ص218
29- ولا أقول: إن أهل العلم العارفين به المطلعين على أسراره يمنعون أنفسهم من المناصب الدينية، وكيف أقول بهذا وهذه المناصب إذا لم تربط بهم ضاعت، وإذا لم يدخل فيها الأخيار تتابع فيها الأشرار، وإذا لم يقم بها أهل العلم قام بها أهل الجهل، وإذا أدبر عنها أهل الورع أقبل إليها أهل الجور؟! وكيف أقول هذا وأهل العلم هم المأمورون بالحكم بين الناس بالحق والعدل والقسط، وما أنزل الله وما أراهم الله، والقيام بين الناس بحججه، والتبليغ لأحكامه، وتذكيرهم بما أمر الله بالتذكير به وإرشادهم إلى ما أرشدهم الله إليه، ولأهل القضاء والإفتاء ونحوهما من هذه الأمور أوفر نصيب وأكبر حظ؟!. ولكني أقول: إنه ينبغي لطالب العلم أن يطلبه كما ينبغي، ويتعلمه على الوجه الذي يريده الله منه، معتقداً أنه أعلى أمور الدين والدنيا، راجياً أن ينفع به عباد الله بعد الوصول إلى الفائدة منه. ومن جملة النفع إذا احتاج إليه الملوك وأهل الدنيا أن يلي منصباً من المناصب، فطلبوا منه ذلك، وعوَّلوا عليه في الإجابة معترفين بحق العلم منقادين إلى ما يوجبه الشرع معظمين لما أوجب الله تعظيمه، وكان قد بلغ إلى منزلة في العلم تصلح ذلك المنصب، وشهد له أهل العلم بكمال التأهل، وإحراز عدته - فهذا إذا كان الحال هكذا لا يحل له أن يمتنع من الإجابة، أو يأبى من قبول ذلك؛ فإنه إذا فعل ذلك كان تاركاً لما أوجبه الله عليه من القيام بحجته، ونشر أحكامه، وإرشاد عباده إلى معالمه، ونهيهم عن تجاوز حدوده. ولا شك أن ذلك من أوجب الواجبات على أهل العلم وأهم المهمات. ولو جاز ذلك لمن طلب منهم وعُوِّل عليه لجاز لغيره من أهل العلم أن يصنع كصنعه، ويسلك مسلكه؛ فتتعطل معاهد الشرع، وتذهب رسومه "ويتخذ الناس رؤساء جهالاً يقضون بغير علم فيضلون ويضلون" وذلك من علامات القيامة، وأشراط الساعة - كما ورد به الخبر الصحيح-. ص219 – 220
30- وبالجملة: فمن كان قاصداً إلى علم من العلوم كان عليه أن يتوصل إليه بالمؤلفات المشهورة بنفع من اشتغل بها، المحررة أحسن تحرير، المهذبة أبلغ تهذيب. ص227
31- فالعالم المرتاض بما جاءنا عن الشارع، الذي بعثه الله - تعالى - متمماً لمكارم الأخلاق - إذا أخذ نفسه في تعليم العباد وإرشادهم إلى الحق، وجَذْبهم عن الباطل، ودَفْعهم عن البدع، والأخذ بحجزهم عن كل مزلقة من المزالق ومدحضة من المداحض، بالأخلاق النبوية، والشمائل المصطفوية الواردة في الكتاب العزيز والسنة المطهرة، فيَسَّر ولم يعسر، وبشر ولم ينفر، وأرشد إلى ائتلاف القلوب واجتماعها، ونهى عن التفرق والاختلاف، وجعل غاية همه وأقصى رغبته جلب المصالح الدينية للعباد ودفع المفاسد عنهم - كان من أنفع دعاة المسلمين، وأنجع الحاملين لحجج رب العالمين، وانجذبت له القلوب، ومالت إليه الأنفس، وتذلل له الصعب، وتسهل عليه الوعر، وانقلب له المتعصب منصفاً، والمبتدع متسنناً، ورغب في الخير من لم يكن يرغب فيه، ومال إلى الكتاب والسنة من كان يميل عنهما، وتردى بأثواب الرواية من كان متجلبباً بالرأي، ومشى في رياض الاجتهاد واقتطف من طيب ثمراته، واستنشق من عابق رياحينه من كان معتقلاً في سجن التقليد، مكبلاً بالقيل والقال، مكتوفاً بآراء الرجال. ص231 - 232
32- ومن جملة ما ينبغي له تصوره، ويعينه استحضاره أن يعلم أن هذه الشريعة المباركة هي ما اشتمل عليه الكتاب والسنة من الأوامر والنواهي، والترغيبات والتنفيرات، وسائر ما له مدخل في التكليف، من غير قصد إلى التعمية والألغاز، ولا إرادة لغير ما يفيده الظاهر، ويدل عليه التركيب ويفهمه أهل اللسان العربي؛ فمن زعم أن حرفاً من حروف الكتاب والسنة لا يراد به المعنى الحقيقي والمدلول الواضح فقد زعم على الله ورسوله زعماً يخالف اللفظ الذي جاءنا عنهما، فإن كان ذلك لمسوغ شرعي تتوقف عليه الصحة الشرعية أو العقلية التي يتفق العقلاء عليها، لا مجرد ما يدعيه أهل المذاهب والنحل على العقل، مطابقاً لما قد حببه إليهم التعصب، وأدناه من عقولهم البعد عن الإنصاف - فلا بأس بذلك، وإلا فدعوى التجوز مردودة مضروب بها في وجه صاحبها. ص235-236
33- ومن جملة ما يستعين به على الحق، ويأمن معه من الدخول في الباطل وهو لا يشعر أن يقرر عند نفسه أن هذه الشريعة لما كانت من عند عالم الغيب والشهادة، الذي لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، ويعلم ما تكن الصدور وتخفيه الضمائر، ويحول بين المرء وقلبه - كانت المخادعة بالحيل الباطلة، والتخلص مما طلبه بالوسائل الفاسدة، من أعظم المعاصي له، وأقبح التجاري [3] عليه. وجميع هذه الحيل التي دوَّنها أهل الرأي هي ضد لما شرعه، وعناد له، ومراوغة لأحكامه، ومجادلة باطلة لما جاء في كتابه وسنة رسوله. ومن تفكر في الأمر كما ينبغي، وتدبره كما يجب اقشعر له جلده، ووقف عنده شعره؛ فإن هذا الذي وضع للعباد هذه الحيل كأنه يقول لهم هذا الحكم الذي أوجبه الله عليكم أو حرمه قد وجدت لكم عنه مخلصاً، ومنه متحولاً بذهني الدقيق وفكري العميق، هو كذا وكذا. فهذا المخذول قد بلغ من التجري على الله - تعالى - مبلغاً يتقاصر عنه الوصف؛ لأنه ذهب يعانده ويضاد ما تعبدنا به بمجرد رأيه الفايل، وتخيله الباطل مقراً على نفسه بقبيح صنعه، وأنه جاء بما يريح العباد من الحكم الشرعي، فإن كان مع هذا معتقداً أن ذلك التحيل الذي جاء به يحلل الحرام ويحرم الحلال - فهو - مع كذبه على الله وافترائه على شريعته - قد ضم ذلك إلى ما يستلزم أنه يدعي لنفسه أن يشرع للعباد من عند نفسه غير ما شرعه لهم، وذلك ما يكون إلا لله - سبحانه - فإن كان هذا المخذول يدعي لنفسه الألوهية مع الله - سبحانه - فحسبك من شرٍّ سماعُه. وإن كان لا يدعي لنفسه ذلك فيقال له: ما بالك تصنع هذا الصنع؟ وأي أمر ألجاك إليه؟ وأوقعك فيه؟ فإن قال: رأيت الله - عز وجل - قد صنع مثل هذا في قصة أيوب، وصنعه رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - في المريض الذي زنى. فيقال له: ما أنت وهذا؟ لا كثر الله في أهل العلم من أمثالك، ومن أنت حتى تجعل لنفسك ما جعله الله لنفسه؟ فلو كان هذا الأمر الفظيع سائغاً لأحد من عباد الله لكان لهم أن يشرعوا كما شرع، وينسخوا من أحكام الدين ما شاءوا كما نسخ. ثم أي جامع بين هذه أو بين ما شرعه الله من ذلك؟ فإنه مجرد خروج من مأثم، وتحلل من يمين قد شرع الله - تعالى - فيها إتيان الذي هو خير كما تواترت بذلك الأحاديث الصحيحة، حتى ثبت في الصحيح أن رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - حلف على ذلك فقال: "والله لا أحلف على شيء فأرى غيره خيراً منه إلا أتيت الذي هو خير وكفرت عن يميني". فأين هذا مما يصنعه أسراء التقليد من الكذب على الله - تعالى - وعلى شريعته وعلى عباده. ص237-238
34- ومن جملة هذه الوصايا الطاغوتية والنذور الشيطانية، ما يفعله كثير من الناس من النذور والوصايا على قبور الأموات؛ فإنه لا مقصد لهم بذلك إلا استجلاب الخير، واستدفاع الشر من صاحب القبر، وهو قد صار بين أطباق الثرى، يعجز عن نفع نفسه فضلاً عن نفع غيره؛ فلا يصح شيء من ذلك، بل يتوجَّب على أهل الولايات صرفه في مصالح المسلمين، ويعرِّفون الناس بقبح ما يصنعونه من ذلك، وأنه من الأمور التي لا يحل اعتقادها، وأن الضر والنفع واستجلاب الخير واستدفاع الشر بيد الله - عز وجل - ليس لغيره فيه حكم، ولا له عليه اقتدار. فإن رجعوا عن ذلك وتابوا وإلا انتقل صاحب الولاية معهم إلى ما هو أشد من ذلك، ولا يدعهم حتى يتوبوا. وهكذا ما يقع من الأوقاف على القبور؛ فإنها من الحُبَس الشيطانية، والدلس الطاغوتية. ولا يحل تقرير شيء منها ولا السكوت عنه، بل صرفها في مصالح المسلمين من أهم الأمور وأوجبها؛ فإن في عدم إنكارها وإبطالها مفسدة عظيمة تنشأ عنها الاعتقادات الباطلة، المفضية بصاحبها إلى نوع من أنواع الشرك وهو لا يشعر. ص245- 246
---------------------
[1] هكذا في الأصل، ولعلها: بكونه.
[2] لعلها: إمرار.
[3] لعلها: التجري.