بسم الله الرحمن الرحيم
الخطبة الأولى
أما بعد: أيها المسلمون، أسأل الله جل وتعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يحفظ بلاد المسلمين من الزلازل والطوفان والمحن وسوء الفتن ما ظهر منها وما بطن، كما أسأله - عز وجل - أن يجعل ما نرى وما نسمع عبره لنا ولغيرنا.
عباد الله، إن هذه الأرض التي نعيش عليها من نعم الله علينا، فإن الله - سبحانه وتعالى - قد مكننا من هذه الأرض، نعيش على ظهرها، وندفن موتانا في باطنها، كما قال - تعالى -: ( أَلَمْ نَجْعَلْ الأَرْضَ كِفَاتًا أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا ) [المرسلات: 25، 26]، وقال - تعالى -: ( مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى ) [طه: 55].
ومن رحمته جل وعز أن أودع في هذه الأرض كل ما يحتاجه الناس، فبارك فيها وقدر فيها أقواتها، ثم جعلها - سبحانه وتعالى - ثابتة مستقرة لا تتحرك وأرساها بالجبال، حتى نتمكن من البناء عليها والعيش على ظهرها، ومع كل هذا فهذه الأرض قد تتحرك وتمتد ويحصل بسببها الزلازل المدمرة؛ تخويفًا للعباد وتأديبًا للبعض الآخر. والبحر كذلك، هذا البحر الهادئ الجميل قد يأمره الله جل وتعالى فيتحرك ويهيج، فيُغرق ويُدمّر، ( وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ وَمَا هِيَ إِلاَّ ذِكْرَى لِلْبَشَرِ ) [المدثر: 31].
إننا ـ معاشر الأحبة ـ في نعمة من الله تامة، أمن في أوطاننا، وصحة في أبداننا، ووفرة في أموالنا، وبصيرة في ديننا، فماذا أدينا من شكر الله الواجب علينا؟! فإن الله وعد من شكره بالمزيد، وتوعد من كفر بنعمته بالعذاب الشديد:( وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ) [إبراهيم: 7].
إن الله - سبحانه وتعالى - يُري عباده من آياته ليعتبروا ويتوبوا، فالسعيد من تنبه وتاب، والشقي من غفل واستمر على المعاصي ولم ينتفع بالآيات. كم نسمع من الحوادث ونشاهد من العبر، حروب في البلاد المجاورة أتلفت أممًا كثيرة، وشردت البقية عن ديارهم، يتمت أطفالاً ورمّلت نساءً، وأفقرت أغنياء وأذلت أعزاء، ولا تزال تتوقد نارها ويتطاير شرارها على من حولهم، وغير الحروب، هناك كوارث ينزلها الله بالناس، كالعواصف والأعاصير التي تجتاح الأقاليم والمراكب في البحار، والفيضانات التي تغرق القرى والزروع، وهناك حوادث السير في البر والبحر والجو، والتي ينجم عنها موت الجماعات من الناس في لحظة واحدة، وهناك الأمراض الفتاكة المستعصية التي تهدد البشر، وهناك الزلازل، كل ذلك يخوف الله به عباده، ويريهم بعض قوته وقدرته عليهم، ويعرفهم بضعفهم، ويذكرهم بذنوبهم، فهل اعتبرنا؟! هل تذكرنا؟! هل غيرنا من أحوالنا؟! هل تاب المتكاسل عن الصلاة فحافظ على الجمع والجماعات؟! وهل تاب المرابي والمرتشي والذي يغش في المعاملات؟! هل أصلحنا أنفسنا وطهرنا بيوتا من المفاسد والفضائيات؟! إن كل شيء من هذه الأحوال لم يتغير إلا ما شاء الله، بل إن الشر يزيد، وإننا نخشى من العقوبة المهلكة، ولا حول ولا قوة إلا بالله، فإن الله - تعالى -يقول: ( كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمْ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) [الأنفال: 52، 53].
إن الله - سبحانه - توعد الذين لا يتعظون بالمصائب ولا تؤثر فيهم النوازل فيتوبون من ذنوبهم، توعدهم بأن يستدرجهم بالنعم ثم يأخذهم على غرة ويقطع دابرهم، كما قال - تعالى -: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمْ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) [الأنعام: 42-45]. إنه ـ والله ـ يُخشى علينا اليوم الوقوع في مثل هذا، معاصينا تزيد، ونعم الله تتكاثر علينا. فاتقوا الله عباد الله، واحذروا نقمة الله التي حلت بمن قبلكم ومن حولكم أن تحل بكم، الدنيا لدينا معمورة، والمساجد مهجورة، ليس لدينا تقصير في الدنيا، لكن التقصير في الدين.
أيها المسلمون، لقد ضج العالم كله بما حصل في الأيام الماضية من تحرك البحر في المحيط بسبب زلزال فيه، تحرك الماء بسببه فحصل ما حصل. تحرك قاع المحيط وفاضت المياه بطوفان جرف الأخضر واليابس في ثمان دول على الأقل، أفاق الناس ورواد المنتجعات على كارثة تعادل في مأساويتها الحروب الكبرى، فموجات المد البحري ابتلعت قرى بأكملها، وحتى قمم الجبال وأسطح المنازل لم تعصم الضحايا من الماء، رائحة الموت امتدت لمسافات كبيرة، وانشغلت فرق الإنقاذ بانتشال الجثث التي تحلل معظمها قبل العثور عليها، واختلطت الأشلاء البشرية بجيف الحيوانات، وتحولت المستشفيات لمراكز تجمع القتلى. أما ملايين المشردين فيواجهون خطر الموت إما جوعًا أو من الأوبئة الفتاكة، ولم يبق أمامهم سوى انتظار مساعدات الدول الأخرى؛ لعجز دولهم عن إنقاذهم والنحيب على قتلاهم.
إن ما جرى في آسيا من الطوفان العظيم لهو آيةٌ من آيات الله، وجنديٌ من جنوده، يرسلهُ الله على من يشاء من عباده، ويصرفهُ عمن يشاء، دمر به مدنًا كاملة، أهلك به الزرع والضرع، وأباد به الحرث والنسل، لقد تغيرت خارطة العالم. كان الناس يعيشون في هدوءٍ سياحي وأجواءٍ هادئة، لم ينذرهم الفلكيون، ولا الكهنةُ ولا العرافون، وفجأةً جاء بأسُ الله، فأخذهم ضحًى وهم يلعبون، وجاءهم بياتًا وهم نائمون، فخرجوا من بيوتهم يهرعون، وفي الطرقات يجأرون، لا يلوون على شيء، ينظرون عن أيمانهم فلا يرون إلا المباني المتهاوية، وينظرون عن شمائلهم فلا يرون إلا الجثث والقتلى، وينظرون خلفهم فلا يرون إلا الفيضانات، وينظرون تلقاء وجوههم فلا يرون إلا الموت، أين يذهبون؟! بل أين يهربون؟! وإلى أين يفرون؟! أظلم عليهم النهار، وفرق جمعهم الدمار، خر عليهم السقفُ من فوقهم، وتفجرت الأرضُ من تحت أقدامهم، وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون. عواصف بحرية، وهزةٌ أرضيه، وإن شئت فقل: عقوبةٌ إلهية.
حصيلة القتلى ـ إلى الآن ـ قرابة الثمانين ألف شخص. وآسيا تشهد أكبر عمليات إغاثة في التاريخ البشري. والمشرّدون بالملايين، والقتلى من السواح بالآلاف مما أدى إلى مأتم عالمي كبير. وفي أندونيسا أكدت الحكومة مقتل 40 ألف شخص مع اكتشاف مزيد من الضحايا في غرب جزيرة سومطرا، حيث دمر الطوفان قرى بأكملها، فلا إله إلا الله. وفي سريلانكا بلغ عدد القتلى نحو 22 ألفا على الأقل، وشبّه الناجون موجات المد بحوائط وصل ارتفاعها إلى نحو عشرة أمتار، جرفت في طريقها الأخضر واليابس. أما في الهند فقد تجاوزت حصيلة الطوفان 9000 قتيل، وما زال الآلاف مفقودين، ولا تزال عمليات انتشال الجثث مستمرة. إن أكثر من ثلثي الضحايا من الأطفال الذين جرفتهم المياه رغم محاولات ذويهم حملهم بعيدا عن البحر. وما زالت فرق الإنقاذ تسابق الزمن لانتشال جميع جثث القتلى لمنع انتشار الأوبئة الفتاكة. إن روائح الجثث المتعفنة تنتشر في محيط القرى المنكوبة. وقد ذكر المتخصصون أن هذا الزلزال يعادل في قوته قوة مائة وخمس وسبعين قنبلة ذرية، فلا إله إلا الله.
لقد رأى العالم مناظر مفزعة، لا يتحمل أن ينظر إليها، صور المئات من الناس والمياه يدخل عليهم في بيوتهم وتأخذ الصغير والكبير، فنادق ضخمة على تلكم السواحل كنسها البحر وأغرق كل من فيها. الأم ترمي بطفلها لكي تنجو بنفسها، ومناظر مروعة لا يمكن وصفها.
ومن رحمة الله على البشرية وعلى العالم أن هذا الزلزال حدث في البحر، ولو قدّر حدوثه على اليابسة لفاقت أثاره التدميرية بعشرات المرات.
أيها المسلمون، وهذا الذي حصل لا شك أنه عقوبة من الله على ما يرتكبه العباد من الكفر والمعاصي والمخالفات. إن تلك السواحل التي أغرقها البحر سواحل معروفة بالفساد والعهر والدعارة، ونسبة غير قليلة من الذين أهلكهم الله - تعالى -من السواح الأجانب من أوربا وأمريكا ومن غيرها قد جعلوا من تلك المناطق مواخير للفساد.
وقد سمعنا من يقول من الجغرافيين والعلمانيين: إن هذه الزلازل ظواهر طبيعية، لها أسباب معروفة لا علاقة لها بأفعال الناس ومعاصيهم، كما جرى ذلك على ألسنة بعض الصحفيين والإعلاميين، حتى صار الناس لا يخافون عند حدوثها ولا يعتبرون بها، كما قال أشباههم من قبل عندما أصابهم الكوارث والنكبات: (قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ )[الأعراف: 95]، فيعتبرون ذلك حالة طبيعية وليست عقوبات لهم، فيستمرون على غيهم وبغيهم، ولا يتوبون من ذنوبهم.
إن الكتاب والسنة ـ يا عباد الله ـ يدلان على أن هذه الزلازل والفيضانات كغيرها من الكوارث، إنما تصيب العباد بسبب ذنوبهم، وكونها تقع لأسباب معروفة لا يخرجها عن كونها مقدّرة من الله - سبحانه - على العباد لذنوبهم، فهو مسبب الأسباب وخالق السبب والمسبب، اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ [الزمر: 62، 63]. فإذا أراد الله شيئًا أوجد سببه ورتب عليه نتيجته، كما قال - تعالى -: ( وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا )[الإسراء: 16].
فاتقوا الله عباد الله، واعتبروا بما يجري حولكم وبينكم، وتوبوا إلى ربكم، وتذكروا قول الله - تعالى -: ( قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ )[الأنعام: 65-67].
لقد أخبر النبي أن الزلازل ستكثر في آخر الزمان، وأنه بسبب ذنوب الناس ومعاصيهم، فقد روى الإمام أحمد والبخاري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله: ((لا تقوم الساعة حتى يقبض العلم ويتقارب الزمان وتكثر الزلازل وتظهر الفتن ويكثر الهرج))، فاللهم سلم.
لما حدث الخسف بقارون لم يكن السبب أن القشرة الأرضية كانت لينة وهينة، بل السبب أنه عصى الله ورسوله، كما قال الله عنه: ( فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنْ المُنْتَصِرِينَ) [القصص: 81].
وعندما أخبر النبي – صلى الله عليه وسلم - أن هذه الأمة سيكون فيها خسف ومسخ وقذف لم يذكر أن السبب هو تصدع سطح الأرض وانشقاقها، إنما السبب هو المعاصي، فقال: ((سيكون في هذه الأمة خسف ومسخ وقذف؛ إذا ظهرت القيان والمعازف وشربت الخمور)). وعندما أخبر عن الرجل الذي خُسف به لم يقل: إن السبب في الخسف هزة أرضية، بل خسف به بسبب تكبره وتجبره، فقال: ((بينما رجل يجر إزاره إذ خسف به، فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة)). وعندما وقع زلزال في المدينة على عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، فجاء إلى أم المؤمنين عائشة - رضي الله عنها - وسألها، فماذا قالت له؟! قالت: كثرت الذنوب في المدينة، فماذا قال؟! جمع الناس وقال لهم: (والله، ما رجفت المدينة إلا بذنب أحدثته أو أحدثتموه، والله لئن عادت لا أساكنكم فيها أبدًا).
أيها المسلمون، لقد جرت سنته - تعالى -في خلقه أن يعامل عباده حسب ما عملوا؛ إن خيرًا فخير وإن شرًا فشر، (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُواْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) [الروم: 41]. وشؤم هذه الذنوب والمعاصي والتي يعاقَب الناس بسببها لا يصيب المباشرين لها فقط، بل يصل حتى للصالحين والمؤمنين، فقد سألت أم المؤمنين زينب بنت جحش - رضي الله عنها -، سألت رسول الله فقالت: أنهلك وفينا الصالحون؟! قال: ((نعم، إذا كثر الخبث)). والخبث كل معصية عُصي الله - تعالى -بها في البر أو البحر أو في الليل أو النهار، لذلك كان من الواجب علينا جميعًا أن نحذر من ذلك، وأن لا نأمن مكر الله خاصة مع ارتكاب المعاصي، قال الله - تعالى -: ( أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ أَوَ أَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ اللَّهِ فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ ) [الأعراف: 97-99].
ومن سنته - تعالى -أنه قد يمهل أقوامًا ويرجئ عذابهم إلى وقت آخر، ويمدّهم مع ذلك بالأموال والبنين، ويوسع عليهم في حياتهم، ويسهل لهم الصعاب، ويمهد لهم سبل المعاش، فيظن الجهال منهم بسنة الله أنهم على خير، وأنهم ناجون غير معاقبين، والحقيقة أن الله يستدرجهم ويملي لهم من حيث لا يتصوّرون، حتى يأخذهم أخذ عزيز مقتدر، وفي ذلك يقول - سبحانه وتعالى -: ( أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ بَل لاَّ يَشْعُرُونَ ) [المؤمنون: 55، 56]. ووجود الأموال والأولاد وكل ما في الدنيا من مغريات، كل ذلك لا قيمة له عند الله إذا ما كان أصحابها يعصون ربهم، ( وَمَا أَمْوالُكُمْ وَلاَ أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَى? إِلاَّ مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ) [سبأ: 37]. نعم، إلا من آمن وعمل صالحًا، فالله - سبحانه - لا يعتبر أحدًا لعظيم جاهه ورئاسته، ولا لغناه وثروته، ولا لحسبه ونسبه، ولا لجميل منظره وصورته وبهائه، إنما المعتبر عنده - سبحانه - المؤمن الذي يخضع له، كما قال - سبحانه -: ( قُلْ مَا يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبّي لَوْلاَ دُعَاؤُكُمْ ) [الفرقان: 77] أي: ما يبالي بكم ولا لكم عنده قدر ولا قيمة لولا دعاؤكم، أي: لولا إيمانكم وعبادتكم.
ولقد أهلك الله - عز وجل - أممًا وأقوامًا وقرونًا وأجيالاً كانوا أشد منا قوة وأطول أعمارًا وأرغد عيشًا وأكثر أموالاً، فاستأصلهم وأبادهم، ولم يَبق لهم ذكرٌ ولا أثر، وتركوا وراءهم قصورًا مشيدة وآبارًا معطلة وأراضيَ خالية وزروعًا مثمرة ونعمة كانوا فيها فاكهين، فأورث كل ذلك قومًا آخرين، (فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاء وَالأرْضُ وَمَا كَانُواْ مُنظَرِينَ )[الدخان: 29]، وفي هذا يقول - سبحانه -: (أَلَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مّن قَرْنٍ مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأرْضِ مَا لَمْ نُمَكّن لَّكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاء عَلَيْهِم مَّدْرَارًا وَجَعَلْنَا الأنْهَارَ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ) [الأنعام: 6].
ما الذي أغرق قوم نوح بالطوفان؟! وقوم عاد لماذا أرسل عليهم الريح فأصبحوا عبرة للمعتبرين؟! وقوم ثمود لماذا أهلكهم الله بالصحية فماتوا على بكرة أبيهم؟! وقوم لوط لماذا أمر الله جبريل - عليه السلام - برفع مدنهم إلى أعلى الفضاء ثم جعل عاليها سافلها مع رجمهم بالحجارة من سجيل؟! ولماذا أغرق الله فرعون وقومه في البحر؟! فالأجساد غرقى، والأرواح حرقى، والنار يعرضون عليها صباحًا ومساءً، فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لا يُنصَرُونَ [القصص: 40، 41]، وهكذا باقي الأمم السابقة كقوم شعيب وقارون وقوم تبع وغيرهم، قال - جل وعلا -: (فَكُلاً أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) [العنكبوت: 40].
إن الله جل وتعالى عاقب كل هؤلاء بسبب الكفر والشرك والذنوب والمعاصي. والمتأمل في أحوال المسلمين اليوم يجد أن لديهم من الشرك والبدع وسائر المعاصي ما الله به عليم. لقد فشا في كثير من مجتمعات المسلمين الربا والزنا، وشربت الخمور والمسكرات، وأدمنت المخدرات، كثر أكل الحرام وتنوعت الحيل؛ شهادات باطلة، وأيمان فاجرة، وخصومات ظالمة، ارتفعت أصوات المعازف والمزامير، وفشت رذائل الأخلاق ومستقبح العادات في البنين والبنات، حورب الدين وأهله، وسيم الدعاة والمصلحون أشدّ العذاب والنكال، سُخر منهم واستهزئ بهم، ونال سفلة القوم الترحيب والرفعة وصُدّروا في المجالس، وأصبح قدوة الشباب الفنان فلان والمطرب فلان واللاعب فلان، حين ابتعد الناس عن الطريق المستقيم كثر الكفر والفسوق، وقل الشكر وإرجاع الحقوق، كذب وتزوير، خيانة وخداع، أمر بالمنكر ونهي عن المعروف، وإصرار على الذنوب وعدم التوبة، تبرج وسفور، منع للخير، وإغلاق للمؤسسات الخيرية، وآفة الآفات الحكم بغير شرع الله والتحاكم إليه، والظلم والجور، إلى غير ذلك من الذنوب والآثام التي تؤذن بعذاب الله وعقابه، وكان حقا على الله أن يعاقب من فعل بعض هذه المنكرات، فكيف بها جميعا؟!
إن الأمة حين تغفل عن سنن الله تغرق في شهواتها، وتضل طريقها حتى تقع في مصارع السوء. إنها سنة الله حين تفشو المنكرات وتقوم الحياة على الذنوب والآثام والانحلال الخلقي وفشوّ الدعارة وسلوك مسالك اللهو والترف، حينها ينزل الله العذاب والعقاب.
وإذا كانت كل هذه المصائب تحدث في بلاد المسلمين إلا من رحم الله فهل تستغرب بعد ذلك أن يعاني المسلمون هذه الأيام من الهزائم الحربية على أيدي أعدائهم؟! وهل تستغرب حصول المصائب الأخرى كالفقر والمرض والتخلف والتعرض للفيضانات والسيول والزلازل والخسف وغير ذلك؟! لا تستغرب أبدًا، وصدق الله: ( وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ ) [الشورى: 30].
فنسأل الله - تعالى -أن يرحم ضعفنا، وأن يغفر ذنبنا، وأن لا يؤاخذنا بما فعل السفهاء منا.
بارك الله لي ولكم في القرآن والسنة...
الخطبة الثانية
أما بعد: أيها الناس، اتقوا الله - تعالى -، وتوبوا إليه من ذنوبكم قبل أن يحل بكم ما حل بغيركم من العقوبات.
إن ما يحدث في الأرض اليوم من الزلازل المدمرة والفيضانات المروعة والأعاصير القاصفة والحروب الطاحنة والمجاعات المهلكة والأمراض الفتاكة وحوادث المراكب البرية والبحرية والجوية التي يذهب فيها الأعداد الكبيرة من البشر وتسلط قطاع الطرق ومختطفي الطائرات وسطو اللصوص والتفجيرات كل ذلك يحدث بسبب الذنوب والمعاصي، كما قال - تعالى -: ( وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ ) [الشورى: 30]، وقال - تعالى -: ( وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ) [الأنعام: 129].
وإنه يحدث منا من الذنوب والمعاصي ما لا يحصى، مما نتخوف منه نزول العقوبة صباحًا ومساءً، كما قال - تعالى -: ( أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمْ الأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمْ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ ) [النحل: 45، 46]. وختامًا فهذه بعض الوقفات مع طوفان آسيا:
الوقفة الأولى: عدم توقع الناس لحدوث هذا الطوفان الذي فاجأ العالم بغتة، لا خبراء الأرصاد، ولا الأجهزة الحساسة، ولا الفلكيون، وفي هذا إشارة إلى ضعف الإنسان وقصور علمه مهما بلغ، (وَفَوْقَ كُلّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ )[يوسف: 76].
الوقفة الثانية: أن هذه الدول والتي تسمي نفسها بالدول العظمى والكبرى، والتي منها أمريكا وبعض دول أوربا وإسرائيل، ممن يغترون بقوتهم العسكرية والتقنية والاقتصادية، مما جعلهم يتسلطون على غيرهم ظلمًا وعدوانًا، كما هو حاصل الآن في فلسطين والعراق وأفغانستان وغيرها من البلاد، كل هؤلاء لو أراد الله جل وتعالى لأهلكهم في لحظات، إما بالأمواج أو بالرياح أو بالأعاصير أو بغيرها من جنود الله - عز وجل -، (وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ )[المدثر: 31].
الوقفة الثالثة: أن هذا الزلزال لا يعدّ شيئًا أمام زلزال الآخرة، فماذا يعمل الإنسان هناك؟! وكيف يكون حاله؟! ( إِذَا زُلْزِلَتْ الأَرْضُ زِلْزَالَهَا وَأَخْرَجَتْ الأَرْضُ أَثْقَالَهَا وَقَالَ الإِنسَانُ مَا لَهَا يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه) [سورة الزلزلة].
إذا كان هذا الزلزال جعل أعدادًا من الناس يخرجون من بيوتهم، لاذوا بالفرار، وتركوا أمهاتهم وآباءهم وأزواجهم وأبناءهم، كل يقول: نفسي نفسي، فانتقل ـ أخي ـ بحسك وشعورك إلى مشهد يوم القيامة في قوله - تعالى -: (فَإِذَا جَاءتِ الصَّاخَّةُ يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْء مِنْ أَخِيهِ وَأُمّهِ وَأَبِيهِ وَصَاحِبَتِهُ وَبَنِيهِ لِكُلّ امْرِئ مّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ ضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ) [عبس: 33- 42].
فنسأل الله جل وتعالى أن يهدينا سواء السبيل...