منهج الموازنة في الحكم على الأعيان عند شيخ الإسلام
بسم الله الرحمن الرحيم
 الصفحة الرئيسية | المقالات و البحوث | المكتبة ( للتحميل ) | الصوتيات | التلاوات القرآنية | أرسل بحثك | توقيع الزوار | كلمة الموقع 
اخر المقالات مصري طول شاربه ( 84 ) سـم         وصفة علاجية تزيل الأمراض بالكلية         دعاء الهم والحزن         خلق الجان وقصة الشيطان         قصـة الذي استلف ألف دينار         كذبة نيسان ( ابريل )         بعض الدعوات المستجابات         الرؤى والأحلام         دعاء من استصعب عليه أمر         دعاء طرد الشيطان ووساوسه         أدعية .. ولكن في الاتجاه المعاكس         البريد الإلكتروني والصور الخليعة         الدعاء قبل إتيان الزوجة         كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم يسّبح ؟         نماذج من الدعاء .. من الكتاب و السنة         اصنع من الليمون شراباً حلواً         نسب أسرة آل محمود         ثرثرة النساء داء أم دواء ؟         دعاء الوسوسة في الصلاة والقراءة         قصة هود عليه السلام         جحر العقرب ؟!         أخطاء في الدعاء وما يكره فيه         أرجوك لا تتزوجني!!         للنساء فقط !! في غرفة النوم ؟ !!         الحب الإلكتروني         قصص لم تسمع بها         هذه دعوتنا         الرقية الشرعية.         الأقصى أم الهيكل؟         لماذا تتبع السلف الصالح ؟         ابتسم أنت في جدة         شيطان دوت نت         عورة المرأة المسلمة أمام المحارم         الحب الحرام         أذكار الصباح و المساء         شرح الأربعين النووية - الدرس الأول         جولة في بيوت الأرامل         وافق شن طبقه         شرح عقيدة أهل السنة والجماعة لابن عثيمين -الدرس الأول         الزواج العرفي بين الشباب والفتيات         الكاسيات العاريات         تفسير آيات - 1         خطر الزنا         حكم الغناء         هل كان إسلام الصحابة والتابعين صحيحا........بدون أن يتصوفوا؟؟    
المؤسس و المشرف :
      سعد بن زيد آل محمود
قائمة أخر المقالات إضافة
  الحمد لله ... مات ابني!
  أخطاء في الدعاء وما يكره فيه
  من يكشف الكروب؟
  العار الأكاديمي
  قصـة الذي استلف ألف دينار
قائمة أخر الكتب إضافة
  ابن الحاج
  الأولياء ومنهاج الكرامة بين أهل السنة وأهل الضلا...
  وأبيض يستسقى الغمام بوجهه
  ابن الحاج
  هل كان إسلام الصحابة والتابعين صحيحا........بدون...
قائمة أخر الصوتيات إضافة
  غزوة أحد دروس وعبر
  المداومة على العمل الصالح
  خطر الزنا
  حصاد الإجازة الصيفية
  وقفة محاسبة مع انتصاف شهر رمضان
تحويل التاريخ
راسلنا
توقيع الزوار
مداد قسم المقالات شجرة التصنيفات العقيدة الإسلامية منهج الموازنة في الحكم على الأعيان عند شيخ الإسلام
منهج الموازنة في الحكم على الأعيان عند شيخ الإسلام

ملفات متنوعة
أضيفت بتاريخ:   2007-11-25
التصدير إلى ورد نسخة طباعة القراء:   980
تنسيق الخط

ضع هذه المادة على جوالك باستخدام برنامج قارئ الباركود
qrcode
ما هي هذه الخدمة؟؟
 

بسم الله الرحمن الرحيم




ربما يحمل هذا الموضوع حساسية خاصة بسبب الاختلاف القائم بني بعض أعلام الدعوة إلى منهج السلف رضوان عليهم في مفهومه والعمل به، وإني إذْ أبحث فيه فإني لا أقصد أن أنتصر لطرف على آخر، بل أقصد المساهمة في الإصلاح ما استطعت، فكل المختلفين هم من رجال الدعوة الأفاضل وأعلامها، وكل له من الفضل والسبق ما يزكيه بإذن الله عن التعصب والانتصار للنفس، وإنما هو اجتهاد العلماء وهم مأجورون جميعًا رغم اختلافهم، وإن كان الاختلاف مذمومًا. ولا بد من الإشارة إلى أنَّ هذا المبحث (الموازنة بين الحسنات والسيئات في الحكم على الأشخاص) مرتبط بشكل حتمي بما سبق نشره في (الحكمة: العدد السابق: تزاحم الأحكام الشرعية عند شيخ الإسلام ابن تيمية) وقد سبقت الإشارة والتعليق على الموضوع في حينه. ولكن لما كان لهذا الموضوع خصوصيته وأهميته أفردته في هذا المبحث. كما لابد من الإشارة أيضًا إلى أن (الحكمة) نشرت في العدد التاسع بحثًا يرتبط بهذا الموضوع وهو (القواعد العلمية في النقد عند شيخ الإسلام) للأخ الباحث عبد الله بن محمد الحيالي. مواضع النزاع الواقعة بسبب الحكم إلى الأعيان من المشاكل القائمة في وقاعنا المعاصر والتي تسبب توهينًا للصف الإسلامي: مشكلة التطرف في تقييم كثير من الشخصيات الإسلامية التي ساهمت بقدر أو بآخر في بذل ما تملك من الفضل والخير في إصلاح واقع الأمة، ممن يعدون رموزًا وأعلامًا عند طوائف من المسلمين. وابتداء لا بدّ من معرفة أن كثير من هؤلاء الأعلام ليسوا علماء، بل هم دعاة برزوا في ظروف معينة صعبة وما أكثر المصاعب في واقع الأمة قلّ فيها العلماء، وزاد في الأمة البلاء فعظمت الحاجة إلى الجهود والفضل الذي قدمه هؤلاء الرجال ضمن تلك الظروف الزمانية والمكانية. وبالتالي فإن وقوع هؤلاء الأعلام في أنواع من الأخطاء والبدع والشطحات، أمر متوقع ليس بغريب، وتبرز هنا مشكلة أن هذه البدع قد يقتدي بها اتباعهم ظنًا منهم أنها من الدين، فتعين التنبيه عليها تحذيرًا وتنبيهًا لهم من الوقوع بها. وهنا لا بد من بذل الحكمة في النصح، فإن واقع الأمة لم يتحرر بعد من الجهل والتعصب والحزبية ونحوها من الموروثات السيئة التي خلفتها قرون السبات المظلم. ولكن بوادر الصحوة الإسلامية المعاصرة تنبيء عن نور ساطع ينير للبشرية سبيل الرشاد بإذن ربهم، بتوظيف جوانب الخير والقوة عند كل المسلمين، وتضعيف جوانب الجهل والتعصب بالتناصح الأخوي والتدرج المتفاعل مع الواقع. ولغرض البدء الصحيح في معالجة الإختلافات القائمة في هذا الباب يمكن تحليل الموضوع إلى الآتي:

1- موضع الخطأ (اجتهاد أو بدعة أو معصية).

2- حكم الشرع في من وقع بهذا الخطأ على وجه الإطلاق.

3- حكم الشرع على الشخص المعين الذين وقع بهذا الخطأ.

4- تقدير المصلحة الشرعية في الإعلان عن الشخص المعين الذي قارف الخطأ تحذيرًا ونصحًا للأمة. ولو اكتفينا بهذا القدر من التحليل، فإن المتتبع ليدرك بيسر أن المتنازعين من أهل العلم متفقون على تقرير موضع الخطأ وحكم الشرع فيمن وقع فيه على الإطلاق، ولكن يقع الاختلاف في الحكم على المعين من جهة، ثم تقدير المصلحة في إظهار هذا الحكم للعامة من جهة أخرى. وعلى هذا فإن الاختلاف في الحقيقة ليس اختلافًا منهجيًا، بل هو اختلاف محتمل، انحصر في موضعين هما من أصعب المواضع من جهة تحديد الحكم: الأول: الحكم على الأعيان حيث يشترط فيه ثبوت الشروط وانتفاء الموانع. والثاني: تقرير المصلحة حيث يرتبط تقريرها بالموازنة بين المصالح والمفاسد، وكلما تقاربت كلما زادت صعوبة تقرير أي الأمرين أرجح، فيتسع بذلك الإعذار للمختلفين.

الردُّ على أهل البدع إذا لم يقصد به بيان الحق وهدي الخلق لم يكن عملاً صالحًا إنّ من أهم المقاصد الشرعية للبيان والدعوة هو هداية الخلق جميعًا لعبادة الله - تعالى - وفق شرعه، وصيانة الدين مما يعبث به الجهلة من أبنائه، وحمايته مما يكيد به أعدائه، وهذا معلوم من الدين بالضرورة. ثم إن الشريعة نصبت لهذه المقاصد وسائل لتحقيقها كاللين بالقول والفعل أو الشدة فيهما أو الثواب أو العقاب أو الاختصار أو التفصيل أو السكوت أو التأخير وغير ذلك من الوسائل. إن هذه الوسائل غير مقصودة لذاتها، بل هي مقصودة لغيرها فهي حتى للمقصد الواحد متنوعة من جهة ومتفاوتة من جهة ثانية، ثم إنها منضبطة بضوابط شرعية من جهة ثالثة، ومحكومة بالمقصد من جهة رابعة. وبالتالي فلا يباشر بتلك الوسائل إلا مقترنة باستحضار المقاصد والضوابط، فهي لا تستقل بنفسها البتة. فإن تمت مباشرتها مستقلة لم تكن مما أمر الله ولم تكن من الأعمال الصالحة، فإن أصبحت هي المقصودة لذاتها كانت ظلمًا، لأن الظلم وضع الشيء في غير موضعه. فإن اقترن بها ما يشينها من تعصب أو مقصد دنيوي لم تنصب له، كانت فسادًا. ذلك لأن المقصد الأسمي هو الإصلاح وهداية الناس إلى ما يحبه الله - تعالى - وبرضاه، كما قال - تعالى - على لسان شعيب - عليه السلام -: ﴿إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله﴾ [هود/ 88]، وقال على لسان إبراهيم - عليه السلام -: ﴿فاتبعني أهدك صراطًا سويا﴾ [مريم/43]، وقال على لسان مؤمن آل فرعون: ﴿يا قوم اتبعون أهدكم سبيل الرشاد﴾ [غافر/38]، بل أن الله - تعالى -قد وصف كتابه الكريم بالهدى: ﴿ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين﴾ [البقرة/2]،: ﴿وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه وهدى ورحمة لقوم يؤمنون﴾ [النحل/64]،: ﴿هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق﴾ [الفتح/28]، وغير ذلك من الآيات الكريمات. والدعوة إلى الله - تعالى -وبيان دينه من أعظم الوسائل لأعظم المقاصد، وبالتالي فالحفاظ عليها وعلى مقصدها الذي هو هداية الخلق من أعظم الطاعات لله - تعالى -. وبيان الحق لأهل البدع لا يخرج عن ذلك، فإن مقصد الدعوة في أهل البدع والضلال أولى منها في أهل الحق بل وأعظم أجرًا عند الله - تعالى -، ولذلك قال قال رسول الله لعلي بن أبي طالب حين أعطاه الراية يوم خيبر (انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم، فو الله لئن يهدي الله بك رجلاً واحدًا خير لك من أن تكون لك حمر النعم) (البخاري في الجهاد 143 عن سهل بن سعد). قال شيخ الإسلام في (منهاج السنة 5/239): "الرد على أهل البدع من الرافضة وغيرهم إن لم يَقْصُد فيه بيان الحق وهدي الخلق ورحمتهم والإحسان إليهم، لم يكن عمله صالحًا. ولذا غلّظ في ذم بدعة ومعصية كان قصده بيان ما فيها من الفساد ليحذرها العباد، كما في نصوص الوعيد وغيرها. وقد يهجر الرجل عقوبة وتعزيرًا والمقصود بذلك ردعه وردع أمثاله، للرحمة والإحسان، لا لتشفي والانتقام" . ولكي لا يفهم من كلام شيخ الإسلام أن مجرد حسن القصد يسوغ الغلظة والشدة فقد بين أن القصد يجب أن يكون الرحمة والإحسان، حيث يكون المقصود رجحان كون تلك الغلظة والشدة مظنة الصلاح والإصلاح لذلك الشخص بعينه وفي ذلك الوقت وفي تلك الحال، إذ الأصل عدم الغلظة والشدة في الدعوة بل اللين والرحمة كما في قوله - تعالى -: ﴿اذهبا إلى فرعون إنه طغى فقولا له قولاً لينا﴾ [طه/44]، وقوله - تعالى -: ﴿فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظًا غليظ القلب لانفضوا من حولك﴾ [آل عمران/159]، ولا يعدل عن الأصل إلا في حال معين عارض يكون فيه هذا العدول أرجح. ولهذا نقل عن علي - رضي الله عنه - أنه قال: "حدثوا الناس بما يعرفون أتحبون أن يكذب الله ورسوله". (رواه البخاري تعليقًا في العالم 49). الخطأ في الاجتهاد في مسائل العقيدة قد يظن البعض أنه لا يمكن وقوع الاجتهاد في مسائل العقيدة، وأن من أخطأ في مسألة من مسائل العقيدة فإنه لا يتصور أن يكون معذورًا أو مأجورًا، لأن حديث أجر المجتهد المخطئ لا ينطبق إلا على من اجتهد في مسائل الفقه العملية. إن هذا التصور في الحقيقة ليس له سند شرعي وأنه لا فرق في العذر والأجر في كل مجتهد ممن هو معدود في العلماء الذين اجتهدوا في مسائل الدين فأخطأوا قبل أن يظهر لهم الحق فيها. وقد أكد شيخ الإسلام عدم الفرق هذا في مواضع عدة: فقال في كلامه على اختلاف اجتهادات الصحابة في المسائل الشرعية في المجموع (19/123): "وتنازعوا في مسائل علمية اعتقادية، كسماع الميت صوت الحي، وتعذيب الميت ببكاء أهله، ورؤية محمد ربه قبل الموت، مع بقاء الجماعة والألفة. وهذه المسائل منها ما أحد القولين خطأ قطعًا، ومنها ما المصيب في نفس الأمر واحد عند الجمهور اتباع السلف والآخر مؤد لما وجب عليه بحسب قوة إدراكه" أ. هـ. وقال في كلامه على الاجتهاد في المسائل الأصولية العلمية وغيرها ناقلاً مذاهب المختلفين فيها في المجموع (19/206 207): "والقول المحكي عن عبيد الله بن الحسن العَنْبَري هذا معناه: أنه كان لا يؤثم المخطيء من المجتهدين من هذه الأمة لا في الأصول ولا في الفروع، وأنكر جمهور الطائفتين من أهل الكلام والرأي على عبيد الله هذا القول، وأما غير هؤلاء فيقول: هذا قول السلف وأئمة الفتوى كأبي حنيفة والشافعي، والثوري وداود بن علي وغيرهم، لا يؤثمون مجتهدًا مخطئًا في المسائل الأصولية ولا في الفروعية، كما ذكر ذلك عنهم ابن حزم وغيره، ولهذا كان أبو حنيفة والشافعي وغيرهما يقبلون شهادة أهل الأهواء إلا الخطابية ويصححون الصلاة خلفهم. والكافر لا تقبل شهادته على المسلمين ولا يصلي خلفه، وقالوا هذا هو القول المعروف عن الصحابة والتابعين لهم بإحسان وأئمة الدين أنهم لا يكفرون ولا يفسقون ولا يؤثمون أحدًا من المجتهدين المخطئين، لا في مسألة عملية ولا علمية، قالوا: والفرق بين مسائل الفروع والأصول إنما هو من أقوال أهل البدع من أهل الكلام والمعتزلة والجهمية ومن سلك سبيلهم، وانتقل هذا القول إلى أقوام تكلموا بذلك في أصول الفقه، ولم يعرفوا حقيقة هذا القول ولا غيره. قالوا: والفرق بين ذلك في مسائل الأصول والفروع، كما أنها محدثة في الإسلام لم يدل عليها كتاب ولا سنة ولا إجماع، بل ولا قالها أحد م السلف الأئمة" أ. هـ. ثم قال شيخ الإسلام مؤكدًا وناصرًا هذا الأصل فقال في المجموع (19/216 217): "وهذا فصل الخطاب في هذا الباب، فالمجتهد المستدل من إمام وحاكم وعالم وناظر ومفت وغير ذلك إذا اجتهد واستدل فاتقى الله ما استطاع كان هذا هو الذي كلفه الله إياه، وهو مطيع لله مستحق للثواب إذا اتقاه ما استطاع، ولا يعاقبه الله البتة خلافًا للجهمية المجبرة، وهو مصيب، بمعنى أنه مطيع لله. لكن قد يعلم الحق في نفس الأمر وقد لا يعلمه، خلافًا للقدرية والمعتزلة في قولهم: كل من استفرغ وسعه علم الحق، فإن هذا باطل كما تقدم، بل كل من استفرغ وسعه استحق الثواب" أ. هـ. وقال شيخ الإسلام في المجموع (20/33 36): "والخطأ المغفور في الاجتهاد هو في نوعي المسائل الخبرية والعلمية كما بسط في غير [هذا] الموضع. كمن اعتقد ثبوت شيء لدلالة آية أو حديث، وكان لذلك ما يعارضه ويبين المراد ولم يعرفه، مثل من اعتقد أن الذبيح اسحق لحديث اعتقد ثبوته، أو اعتقد أن الله لا يُرى، لقوله: ﴿لا تدركه الأبصار﴾ [الأنعام/ 103]، ولقوله: ﴿وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيًا أو من وراء حجاب﴾ [الشورى/ 51]، كما احتجت عائشة بهاتين الآيتين على انتفاء الرؤية في حق النبي ، وإنما يدلان بطريق العموم. وكما نقل عن بعض التابعين أن الله لا يُرى، وفسروا قوله: ﴿وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة﴾ [القيامة/22]، بأنها تنتظر ثواب ربها، كما نقل ذلك عن مجاهد وأبي صالح. أو من اعتقد أن الميت لا يعذب ببكاء الحي، لاعتقاد أن قوله - تعالى -: ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾ [فاطر/18] يدل على ذلك، وأن ذلك يقدم على رواية الراوي لأن السمع يغلط، كما اعتقد ذلك طائفة من السلف والخلف. أو أعتقد أن الميت لا يسمع خطاب الحي، لاعتقاده أن قوله: ﴿إنك لا تسمع الموتى﴾ [النمل/80] يدل على ذلك. أو اعتقد أن الله لا يعجب، كما اعتقد ذلك شريح، لاعتقاده أن العجب إنما يكون من جهل السبب، والله منزه عن الجهل. أو أعتقد أن عليا أفضل الصحابة لاعتقاده صحة حديث الطير، وأن النبي قال: (اللهم أئتني بأحب الخلق إليك، يأكل معي من هذا الطائر). أو أعتقد أن من جبس للعدو وعلمهم بغزو النبي فهو منافق، كما اعتقد ذلك عمر في حاطب، وقال: دعني اضرب عنق هذا المنافق. أو أعتقد أن من غضب لبعض المنافقين غضبة فهو منافق، كما أعتقد ذلك أسيد بن حضير في سعد بن عبادة، وقال: إنك منافق تجادل عن المنافقين. أو أعتقد أن بعض الكلمات أو الآيات أنها ليست من القرآن، لأن ذلك لم يثبت عنده بالنقل الثابت، كما نقل عن غير واحد من السلف أنهم أنكروا ألفاظًا من القرآن، كإنكار بعضهم: ﴿وقضى ربك﴾ [الإسراء/23]، وقال: إنما هي (ووصى ربك). وأنكر بعضهم قوله: ﴿وإذ أخذ الله ميثاق النبيين﴾ [آل عمران /81]، وقال: إنما هو ميثاق بني إسرائيل، كذلك هي في قراءة عبد الله. وإنكار بعضهم: ﴿أفلم ييأس الذين آمنوا﴾ [الرعد/ 31]، إنما هي (أو لم يتبين الذين آمنوا). وكما أنكر عمر علي هشام بن الحكم، لما رآه يقرأ سورة الفرقان على غير ما قرأها. وكما أنكر طائفة من السلف على بعض القراء بحروف لم يعرفوها، حتى جمعهم عثمان على المصحف الإمام. وكما أنكر طائفة من السلف والخلف أن الله يريد المعاصي، لاعتقادهم أن معناه أن الله يحب ذلك ويرضاه ويأمر به. وأنكر طائفة من السلف والخلف أن الله يريد المعاصي، لكونهم ظنوا أن الإرادة لا تكون إلا بمعنى المشيئة لخلقها، وقد علموا أن الله خالق كل شيء، وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، والقرآن جاء بلفظ الإرادة بهذا المعنى وبهذا المعنى، لكن كل طائفة عرفت أحد المعنيين وأنكرت الآخر. وكالذي قال لأهله إذا أنا مت فأحرقوني، ثم ذروني في اليم فو الله لئن قدر الله علي ليعذبني عذابًا لا يعذبه أحد من العالمين. وكما قد ذكره طائفة من السلف في قوله - تعالى -: ﴿يظن أن لن يقدر عليه أحد﴾ [البلد/ 5]، وفي قول الحوارين: ﴿هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء﴾ [المائدة/112]، وكالصحابة الذين سألوا النبي: هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فلم يكونوا يعلمون أنهم يرونه. وكثير من الناس لا يعلم ذلك، إما لأنه ظن أنه كذب وغلط" أ. هـ. يتبين من كلام شيخ الإسلام أن الأصل العام في مذهب السلف رضوان الله عليهم عدم التفريق في جواز الاجتهاد بين المسائل الفقهية والمسائل العقائدية التي لا تعلم من الدين بالضرورة، ثم أن هناك سعة وتنوعًا في الاختلاف في هذه المسائل العقائدية. وأكد شيخ الإسلام على بقاء الأخوة والألفة عند سلف الأمة الصالح ولو مع وقوع مثل هذا الاختلاف. فضرب أمثلة لبيان جواز وقوع الأخطاء الإٌعتقادية اجتهادًا تتنوع كالتالي:

1- عدم اعتقاد صحة حديث هو في الحقيقة صحيح أو اعتقاد صحة حديث هو في الحقيقة غير صحيح. كمن فضل عليًا - رضي الله عنه - لاعتقاده صحة حديث الطير. ويلاحظ أنه أطلق الفاعل ولم يقيده بكونه صحابي أو غير صحابي، أو تابعي أو غير تابعي. حيث قد يحتج البعض بأن وقوع الخطأ من الصحابي لا حجة فيه، من جهة أن الدين لم يكتمل وأن القرآن ينزل، وأن النبي يعلّم الصحابة ما يجب عليهم اعتقاده، بخلاف من بعدهم ممن ولد بعد اكتمال الدين.

2- اعتقاد تعارض آية مع حديث، كما وقع مع عائشة - رضي الله عنها - في الرؤية، وكما وقع عند طائفة من السلف والخلف في تعذيب الميت ببكاء الحي. وكما ذكره مطلقًا عند من أنكر سماع الميت للحي استدلالاً بالآية. 3- اجتهاد في تأويل النص، كما وقع لمجاهد وأبي صالح في الرؤية، وكما وقع لشريح في صفة العجب، وكما وقع لطائفة من السلف والخلف في إنكار الإرادة. إقامة الحجة من المعلوم أن العذاب أو العقاب لا يكون إلا بعد إقامة الحجة الشرعية؛ ولكن قد يعتقد البعض إنَّ ذلك يتحقق بتلاوة آيات من القرآن الكريم أو ذكر أحاديث نبوية أو أقوال لعلماء معينين، ثم يحق له بعد ذلك أن يباشر إطلاق أحكام التكفير والتبديع والتفسيق على من ألقى إلى أسماعهم تلك النصوص. ولا شك أن الأمر أعظم من ذلك وأنه لو ساغ ذلك لاضطرب أمر الأمة ولقاتل بعضها بعضًا، وكل من القاتل والمقتول يتدين إلى الله بهذا القتال لتطبيق حكم الله على الكفار والمبتدعة والفساق، على حسب ظنهم واعتقادهم، وهم جميعًا صادقون مع أنفسهم في هذا الظن الذي هو باطل في الحقيقة. ومع أن هذا المبحث لا يتسع لاستيفاء مثل هذا الموضوع الخطير، فإنه لا بد من ذكر بعض الضوابط العامة التي تنفع الداعية المسلم في ضبط الأحكام المتعلقة بالأعيان في تعامله مع المجتمع:

1- ما هي مهمة المسلم؟ إن المهمة الأساس للداعية بعد العبادة هي بيان الحق والدعوة إليه، كما قال - تعالى -: ﴿وما على الرسول إلا البلاغ المبين﴾ [النور/54]. وأن العبد مسؤول يوم القيامة عن التبليغ دون الحكم على الأعيان. وإن اهتمام الداعية المسلم بأحكام التكفير أو التبديع ونحوها على الأعيان المسلمين سيوقعه في التقصير في أمرين: الأول: المهمة الأساس، مهمة الدعوة والبيان، ذلك لأنه سينشغل بإثبات تلك الأحكام والتحقيق عن أفعال المعينين ومدى انطباقها عليهم من جهة إثبات الشروط وانتفاء الموانع. والثاني: وقوعه عمليًا بالخصام مع المسلمين الملتزمين إجمالاً دون غيرهم من أعداء الدين. وفي هذا إضعاف للألفة الواجبة بين المسلمين أمام أعدائهم.

2- الحكم على الأعيان من مهام القضاء الشرعي. إن الحكم على الأعيان المظهرين للإسلام على وجه العموم هو من مسائل القضاء الشرعي الذي يختص به العلماء الذين ينتصبون للقضاء دون غيرهم. وأما بالنسبة للحكام التي تستوجب الاستتابة والتعزير فلا بد من التعزير بالسلطان. فإن أكثر هذه الأحكام تستلزم الإستتابة مع استيفائها ثبوت الشروط وانتفاء الموانع، حيث تكون الإستبانة أعظم فسادًا من التائب منها؛ وبالتالي يكون استحقاقه للحكم ظاهر. ولا شك أن فقد الإستتابة يضيع هذا الضابط. أما تصدي غير العلماء والقضاة لهذه المهام فإن فيه فسادًا عظيمًا، من حيث عدم الضابط في تحديد وحصر من يقوم بذلك من جهة، ثم إن القصور القائم في هؤلاء سينتج عنه باطل ظاهر فيما يخرجونه من الأحكام، يزيد الفرقة والبغي بين المسلمين من جهة أخرى.

3- أحكام التبديع والتفسيق على المعينين مثل أحكام التكفير لا تكون إلا بعد إقامة الحجة وثبوت الشروط وانتفاء الموانع: قال في المجموع (10/372): "فإن نصوص الوعيد التي في الكتاب والسنة ونصوص الأئمة بالتكفير والتفسيق ونحو ذلك لا يستلزم ثبوت موجبهًا في حق المعين إلا إذا وجدت الشروط وانتفت الموانع، لا فرق في ذلك بين الأصول والفروع، هذا في عذاب الآخرة فإن المستحق للوعيد من عذاب الله ولعنته وغضبه في الدار الآخرة خالد في النار أو غير خالد، وأسماء هذا الضرب من الكفر والفسق يدخل في هذه القاعدة سواء كان بسبب بدعة اعتقادية أو عبادية أو بسبب فجور في الدنيا وهو الفسق بالأعمال" أ. هـ. وقال في (المجموع): "والصحيح أن هذه الأقوال التي يقولونها التي يعلم أنها مخالفة لما جاء به الرسول كفر، وكذلك أفعالهم التي هي من جنس أفعال الكفار بالمسلمين هي كفر أيضًا. وقد ذكرت دلائل ذلك في غير هذا الموضع، لكن تكفير الواحد المعين منهم والحكم بتخليده في النار موقوف على ثبوت شروط التكفير وانتفاء موانعه. فإنا نطلق القول بنصوص الوعيد والتكفير والتفسيق، ولا نحكم للمعين بدخوله في ذلك العام حتى يقوم فيه المقتضى الذي لا معارض له. وقد بسطت هذه القاعدة في (قاعدة التكفير)" أ. هـ.

4- ما الفرق بين تبليغ النبي وتبليغ الدعاة اليوم؟ إن الفرق بين تبليغ النبي وصحابته رضوان الله عليهم وبين تبليغ الدعاة المعاصرين فرق ظاهر، من حيث إثبات حقيقة نسبة المسألة المراد تبليغها إلى النبي دلالة ونقلاً، فليس هناك إشكال في إثبات ذلك بالنسبة لعصر الصحابة والتابعين، في حين لا يكون هذا سهلاً كلما زاد البعد عن العصور الأولى بسبب كثرة الاختلاف في الاجتهادات الفقهية وغيرها على مرّ الزمن من قبل العلماء والمنسوبين إلى العلم عند عوام الناس، هذا من حيث الدلالة، أما من حيث ثبوت النقل فقد نسبت كثير من النصوص غير الصحيحة إلى النبي إما وضعًا أو ضعفًا، وكما هو معلوم إن العامي الذي يقتدي بعالم أو مذهب ما: لا يمكن أن يثبت له صاحب السنة الصحيحة بسهولة أن ما يقوله أصدق نسبة؛ وذلك من حيث الدلالة والنقل إلى النبي مما يقول له من يتبعه أو يقلده، فضلاً عن إنه غير مستعد أصلاً للخوض في تفاصيل الأدلة على إثبات ذلك بسبب قصوره في إدراك تفاصيل الاستدلال والأدلة، وبالتالي يبقى معذورًا إذا لم يظهر له أن الحق عندك وليس عند عالمه وإمامه.

5- الإعذار وتعسر حصر الموانع للشخص المعين: وهذا ضابط في غاية الأهمية، ذلك لأن كثيرًا ممن يتصدى للحكم على أعيان المسلمين يحاول أن يختصر هذه الموانع ويحصرها، ثم يعمد إلى إثبات عدمها في هذا المعين لم يحكم عليه بما شاء، ظانًا أنه قد استوفى تحقيق إثبات الشروط وانتفاء الموانع. وهو في الحقيقة مخطئ، ذلك لأن الموانع أمر نسبي يختلف من شخص لآخر كما يختلف باختلاف الأحوال، فما يمكن أن يفهمه شخص معين، قد لا يفهمه شخص آخر لاختلاف المدارك واختلاف البنية العلمية السابقة، وهذا لا يمكن ضبطه البتة. كما إن كثيرًا من الناس يُعلم أنهم صادقون مع أنفسهم في ردهم الحق ظنًا منهم أنه خطأ وأن ما عندهم هو الحق الذي جاء به الرسول، ولكن تعرض عليهم شبه لا يمكن ضبطها، يعجزون معها على فهم الحق. فهؤلاء لا يمكن أن يقال عنهم أن الحجة أقيمت عليهم حتى لو بذل الداعي لهم عظيم وسعه في إفهامهم والنصح لهم بما يمليه عليه واجب الدعوة والبيان. وإذا كان هذا صحيحًا عند المخالفين، فإن ضبط الصدق أمر غيبي متعسر ليس هو مما كلف الله به العباد أن ينقبوا عنه في قلوب بعضهم، وإنما يتولى الله - تعالى - وحده سرائر الناس، ولأن الله - تعالى - يعلم أن العباد عاجزون عن ضبط ذلك، وأنهم إذا أصابوا في البعض فإنهم سيخطئون في البعض الآخر. ونذكر أدناه أهم الموانع التي من شأنها أن تكون عذرًا للمسلم في عدم المؤاخذة بما فعل من باطل: الجهل: الجهل هو من أعظم أسباب التخلف والضعف في الأمة، كما قال - تعالى -: ﴿إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلومًا جهولا﴾ [الأحزاب/ 72]. وقد أرسل الله - تعالى -الرسل مبلغين ومبشرين ومنذرين؛ ليخرج الناس من الظلمات إلى النور معبدين لله - تعالى - كما أمر، مقيمين لشرعه كما حكم. ولكن، من رحمة الله - تعالى - على عباده أن جعل الجهل عذرًا في عدم العذاب كما قال - تعالى -: ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا﴾ [الإسراء/ 15]، ولكنه عذر قدري، لا يجوز التمسك به أو إبقائه إن أمكن رفعه بالعلم، وغلا ما أرسل الله رسله، ولا أنزل كتبه، ولا أمر بالدعوة إلى سبيله، ولأعذر الناس بجهلهم وأدخلهم الجنة. وقد يحصل الجهل مع عدم التمكن من العلم، وقد يحصل مع التمكن من العلم بسبب هوى أو تقصير أو انشغال بالدنيا، فيؤاخذ المرء بقدر ذلك الهوى والتقصير، لا يؤاخذ كمن هو عالم غير جاهل، وتفصيل هذا في غير هذا الموضع. وقد يعلم المرء مقدمات يجهل لوازمها الشرعية بسبب دقة تلك اللوازم أو العجز عن فهمها فيحصل جهل بالكثير من تلك اللوازم الشرعية، وهذا النوع كثير الوقوع. قال في المجموع (7/ 538): "الجهل ببعض أسماء الله وصفاته لا يكون صاحبه كافرًا إذا كان مقرًا بما جاء به رسول الله ، ولم يبلغه ما يوجب العلم بما جهله على وجه يقتضي كفره إذا لم يعلمه" أ. هـ. وقال في الرد على البكري (ص 259): "كنت أقول للجهمية من الحلولية والنفاة الذين نفوا أن الله فوق العرش لما وقعت محنتهم: أنا لو وافقتكم كنت كافرًا؛ لأني أعلم أن قولكم كفر، وأنتم عندي لا تكفرون لأنكم جهال. وكان هذا خطابًا لعلمائهم وقضاتهم وشيوخهم وأمرائهم" أ. هـ. وقال في كلامه على مذهب وحدة الوجود (2/367): "وأما الجهال الذين يحسنون الظن بقول هؤلاء ولا يفهمونه، ويعتقدون أنه من جنس كلام المشايخ العارفين، الذين يتكلمون بكلام صحيح لا يفهمه كثير من الناس، فهؤلاء تجد فيهم إسلامًا وإيمانًا ومتابعة للكتاب والسنة بحسب إيمانهم التقليدي، وتجد فيهم إقرارًا لهؤلاء وإحسانًا للظن بهم وتسليمًا لهم بحسب جهلهم وضلالهم، ولا يتصور أن يثني على هؤلاء إلا كافر ملحد أو جاهل ضال" أ. هـ. ثم قال (2/379): "ولكن لقولهم سر خفي وحقيقة باطنة لا يعرفها إلا خواص الخلق، وهذا السر أشد كفرًا وإلحاحًا من ظاهره، فإن مذهبهم فيه دقة وغموض وخفاء قد لا يفهمه كثير من الناس. ولهذا تجد كثيرًا من عوام أهل الدين والخير والعبادة ينشد قصيدة ابن الفارض ويتواجد عليها ويعظمها، ظانًا أنها من كلام أهل التوحيد والمعرفة وهو لا يعلم مراد قائلها، وكذلك كلام هؤلاء يسمعه طوائف من المشهورين بالعلم والدين، فلا يفهمون حقيقته" أ. هـ. وقال في كلامه على مباينة الله - تعالى -للعالم (5/306): "ويقول المثبت نفي مباينته للعالم وعلوه على خلقه باطل، بل هذه الأمور مستلزمة لتكذيب الرسول فيما أثبته لربه وأخبر عنه، وهو كفر أيضًا، لكن ليس كل من تكلّم بالكفر يكفر، حتى تقوم عليه الحجة المثبتة لكفره؛ فإذا قامت عليه الحجة كفر حينئذ؛ بل نفي هذه الأمور مستلزم للتكفير للرسول فيما أثبته لربه وأخبر به عنه؛ بل نفي للصانع وتعطيل له في الحقيقة. وإذا كان نفي هذه الأشياء مستلزمًا للكفر بهذا الاعتبار وقد نفاها طوائف كثيرة من أهل الإيمان، فلازم المذهب ليس بمذهب، إلا أن يستلزمه صاحب المذهب، فخلق كثير من الناس ينفون ألفاظًا أو يثبتونها بل ينفون معاني أو يثبتونها ويكون ذلك مستلزمًا لأمور هي كفر، وهم لا يعلمون بالملازمة بل يتناقضون، وما أكثر تناقض الناس لا سيما في هذا الباب، وليس التناقض كفرًا" أ. هـ. الخطأ في الاجتهاد: الخطأ في الاجتهاد من أوسع أبواب الموانع الشرعية إذا اتقى المستدل الله - تعالى -وبذل ما يستطيع من العلم. والتوكيد هنا على التقوى أمر هام، فإن المرء المسلم لا ينبغي أن يعمد إلى الاستدلال من نفسه إذا كان جاهلاً وهو يقدر على سؤال من يعتقد علمه من العلماء، إلا إذا اضطر لذلرك لظرف ما، وإلا حصل فساد عظيم، كما يوجد شيء من ذلك في واقعنا المعاصر. قال شيخ الإسلام في المجموع (19/316): "فالمجتهد المستدل من إمام وحاكم وعالم وناظر ومفت وغير ذلك إذا اجتهد واستدل فاتقى الله ما استطاع كان هذا هو الذي كلفه الله إياه، وهو مطيع لله مستحق للثواب إذا اتقاه ما استطاع، ولا يعاقبه الله البتة خلافًا للجهمية المجبرة، وهو مصيب، بمعنى أنه مطيع لله. لكن قد يعلم الحق في نفس الأمر وقد لا يعلمه، خلافًا للقدرية والمعتزلة في قولهم: كل من استفرغ وسعه علم الحق، فإن هذا باطل كما تقدم، بل كل من استفرغ وسعه استحق الثواب" أ. هـ. وقال في المجموع (10/546): "وهذا من أسباب فتن تقع بين الأمة، فإن أقوامًا يقولون ويفعلون أمورًا هم مجتهدون فيها، وقد أخطئوا فتبلغ أقوامًا يظنون أنهم تعمدوا فيها الذنب، أو يظنون أنهم لا يعذرون بالخطأ، وهم أيضًا مجتهدون مخطئون، فيكون هذا مجتهدًا مخطئًا في فعله، وهذا مجتهدًا مخطئًا في إنكاره، والكل مغفور لهم، وقد يكون أحدهما مذنبًا، كما قد يكونان جميعًا مذنبين" أ. هـ. التأويل: التأويل هو نوع من الاجتهاد الخاطئ مبني على مقدمات يعتقد المتأول صحتها مع أنها في نفس الأمر ليست صحيحة. قال في المجموع (3/ 283 284): "وإذا كان المسلم متأولاً في القتال أو التكفير لم يكفر بذلك كما قال عمر ابن الخطاب لحاطب بن أبي بلتعة: يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق، فقال النبي : إنه قد شهد بدرًا، وما يدريك أن الله اطلع على أهل بدر، فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم؟، وهذا في الصحيحين، وفيهما أيضًا من حديث الإفك: أن أسيد بن الحضير قال لسعد بن عبادة: إنك منافق تجادل عن المنافقين، واختصم الفريقان فأصلح النبي بينهم، فهؤلاء البدريون فيهم من قال لآخر منهم: إنك منافق، ولم يكفر النبي لا هذا ولا هذا، بل شهد للجميع بالجنة. وكذلك ثبت في الصحيحين عن أسامة بن زيد أنه قتل رجلاً بعد ما قال لا إله إلا الله وعظم النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك لما أخبره وقال: يا أسامة أقتلته بعد ما قال لا إله إلا الله؟ وكرر ذلك عليه حتى قال أسامة: تمنيت أني لم أكن أسلمت يومئذ. ومع هذا لم يوجب عليه قودًا، ولا دية، ولا كفارة، لأنه كان متأولاً ظن جواز قتل ذلك القائل لظنه أنه قالها تعوذًا" أ. هـ. وقال في المجموع (12/ 494): "فمن كان قد آمن بالله ورسوله ولم يعلم بعض ما جاء به الرسول فلم يؤمن به تفصيلاً، إما أنه لم يسمعه أو سمعه من طريق لا يجب التصديق بها، أو اعتقد معنى آخر لنوع من التأويل الذي يعذر به، فهذا قد جعل فيه من الإيمان بالله وبرسوله ما يوجب أن يثيبه الله عليه، وما لم يؤمن به فلم تقم عليه به الحجة التي يكفر مخالفها"أ. هـ. قال في المجموع (22/23): "فالأحوال المانعة من وجوب القضاء للواجب والترك للمحرم: الكفر الظاهر والكفر الأصلي وكفر الردة والجهل الذي يعذر به لعدم خطاب أو لمعارضة تأويل باجتهاد أو تقليد" أ. هـ. قال في كلامه على وجوب الصلاة في المسجد في المجموع (23/ 231): "فإن قيل فأنتم اليوم تحكمون بنفاق من تخلف عنها وتجوزون تحريق البيوت عليه إذا لم يكن فيها ذرية. قيل له: من الأفعال ما يكون واجبًا ولكن تأويل المتأول يسقط الحد عنه، وقد صار اليوم كثير ممن هو مؤمن لا يراها واجبة عليه، فيتركها متأولاً، وفي زمن النبي لبم يكن لأحد تأويل، لأن النبي قد باشرهم بالإيجاب" أ. هـ. قد يكون التأويل الذي قصده شيخ الإسلام في عدم شهود الجماعة في المسجد، هو البعد والاتساع مثلاً أو الجهل أو التقليد لمن لا يذهب إلى وجوبها، ونحو ذلك. تفاوت قدرة الناس من جهة، ودقة وظهور العلم من جهة أخرى. من الموانع المهمة التي تؤثر في قبول ورد المسائل الشرعية، لا سيما المسائل العلمية التي وقع فيها الخلاف بين الأمة: التفاوت الواقع في أمرين مترابطين: الأول: في قابلية استيعاب العوام لفهم دلالة تلك المسائل وأدلتها والتمييز بين الاختلاف الواقع بين هذه الدلالات والأدلة. والثاني: في دقة المسائل الشرعية نفسها، حيث يتفاوت ذلك تفاوتًا كبيرًا بين مسائل ظاهرة الوضوح دلالة وأدلة، ومسائل خفية دقيقة دلالة، وأدلة لا يهتدي إلى الحق فيها إلا من آتاه الله - تعالى -نظرًا محققًا ونقلاً مصدقًا وتوفيقًا من عند الله مباركًا. من الواضح أن التفاوت الأول هو تفاوت فطري، والثاني هو تفاوت قدري، وبالتالي فلا لوم على أحد فيهما. إن اجتماع هذين التفاوتين سبب معتبر للخلاف، لا سيما في المسائل العلمية الدقيقة. ولكن هل يسلم لمثل هذا الخلاف؟ لا شك أنه لا يسلم إلا للحق من حيث هو حق، ولكن يراعى هذا التفاوت من جهة زيادة البيان إيضاحًا ومن جهة الرفق فيه، ثمّ من جهة إعذار المخالف بعدم رميه بأحكام التكفير والتبديع ونحوها. قال في المجموع (3/312): لا ريب أنه يجب على كل أحد أن يؤمن بما جاء به الرسول إيمانًا عامًا مجملاً، ولا ريب أن معرفة ما جاء به الرسول على التفصيل فرض على الكفاية فإن ذلك داخل في تبليغ ما بعث الله به رسول، وداخل في تدبر القرآن وعقله وفهمه، وعلم الكتاب والحكمة وحفظ الذكر، والدعاء إلى سبيل الرب بالحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن، ونحو ذلك مما أوجبه على المؤمنين فهو واجب على الكفاية منهم. وأما ما يجب على أعيانهم فهذا يتنوع بتنوع قدرهم ومعرفتهم وحاجتهم، وما أمر به أعيانهم فلا يجب على العاجز عن سماع بعض العلم أو عن فهم دقيقه ما يجب على القادر على ذلك، ويجب على من سمع النصوص وفهمها من علم التفصيل ما لا يجب على من لم يسمعها، ويجب على المفتي والمحدث والمجادل ما لا يجب على من ليس كذلك" أ. هـ. وقال في المجموع (3/314): "فإذا كان كثير مما تنازعت فيه الأمة من هذه المسائل الدقيقة فقد يكون عند كثير من الناس مشتبهًا لا يقدر فيه دليل يفيد اليقين، لا شرعي ولا غيره، لم يجب على مثل هذا في ذلك مالا يقدر عليه، وليس عليه أن يترك ما يقدر عليه من اعتقاد قوي غلب على ظنه لعجزه عن تمام اليقين، بل ذلك الذي يقدر عليه، لا سيما إذا كان مطابقًا للحق فالاعتقاد المطابق للحق ينفع صاحبه ويثاب عليه ويسقط به الفرض إذا لم يقدر على أكثر منه. لكن ينبغي أن يعرف أن عامة من ضل في هذا الباب، أو عجز فيه عن معرفة الحق فإنما لتفريطه في اتباع ما جاء به الرسول، وترك النظر والاستدلال الموصل إلى معرفته، فلما أعرضوا عن كتاب الله ضلوا، كما قال - تعالى -: ﴿فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى﴾ [طه/ 123] قال ابن عباس: تكفل الله لمن قرأ القرآن وعمل بما فيه أن لا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة ثم قرأ هذه الآية" أ. هـ. وقال في المجموع (20/165 166): "ولا ريب أن الخطأ في دقيق العلم مغفور للأمنة وإن كان ذلك في المسائل العلمية، ولولا ذلك لهلك أكثر فضلاء الأمة، وإذا كان الله يغفر لمن جهل تحريم الخمر لكونه نشأ بأرض جهل؛ مع كونه لم يطلب العلم، فالفاضل المجتهد في طلب العلم بحسب ما أدركه في زمانه ومكانه إذا كان مقصوده متابعة الرسول بحسب إمكانه هو أحق أن يتقبل الله حسناته ويثيبه على اجتهاداته، ولا يؤاخذه الله بما أخطأ تحقيقًا لقوله: ﴿ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا﴾ [البقرة/ 286]. قال أيضًا في المجموع (2/379): "ولكن لقولهم سر خفي وحقيقة باطنة لا يعرفها إلا خواص الخلق، وهذا السر أشد كفرًا وإلحادًا من ظاهره، فإن مذهبهم فيه دقة وغموض وخفاء قد لا يفهمه كثير من الناس. ولهذا تجد كثيرًا من عوام أهل الدين والخير والعبادة ينشد قصيدة ابن الفارض ويتواجد عليها ويعظمها، ظانًا أنها من كلام أهل التوحيد والمعرفة وهو لا يعلم مراد قائلها، وكذلك كلام هؤلاء يسمعه طوائف من المشهورين بالعلم والدين، فلا يفهمون حقيقته" أ. هـ. وقال في المجموع في كلامه على الآمدي والرازي (5/563): "لكن لم يعرف هؤلاء حقيقة ما جاء به الرسول، وحصل اضطراب في المعقول به، فحصل نقص في معرفة السمع والعقل، وإن كان هذا النقص هو منتهى قدرة صاحبه لا يقدر على إزالته، فالعجز يكون عذرًا للإنسان في أن الله لا يعذبه إذا اجتهد الاجتهاد التام. هذا على قول السلف والأئمة في أن من اتقى الله ما استطاع إذا عجز عن معرفة بعض الحق لم يعذب به" أ. هـ. شيوع البدع: من الموانع المهمة لقبول الحق أو الصواب هو شيوع الباطل أو الخطأ، حيث يكون هذا الشيوع عند عوام المسلمين مظنة إلى كون الحق معه لشيوعه وانتشاره عند علمائهم وأئمتهم. ومن المعلوم أن العامي لاحظ له ولا خبرة بالأدلة والاستدلال، وبالتالي فلا بد من التدرج والتبسط والرفق في البيان، حتى يحصل المقصود من البيان وإظهار الحجة وإقامتها، ومن ثم يترتب العقاب على من خالفها بلا مانع معتبر في الشرع. قال في المجموع (3/239): "والذي على السلطان في مسائل النزاع بين الأمة أحد أمرين: إما أن يحملهم كلهم على ما جاء به الكتاب والسنة، واتفق عليه سلف الأمة، لقوله - تعالى -: ﴿فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول ﴾ [النساء/ 59]. وإذا تنازعوا فهم كلامهم (أي كلام السلف): إن كان ممن يمكنه فهم الحق فإذا تبين له ما جاء به الكتاب والسنة دعى الناس إليه، وأن يقر الناس على ما هم عليه، كما يقرهم على مذاهبهم العلمية. فأما إذا كانت البدعة ظاهرة تعرف العامة أنها مخالفة للشريع كبدعة الخوارج والروافض والقدرية والجهمية فهذه على السلطان أن ينكرها، لأن علمها عام، كما عليه الإنكار على من يستحل الفواحش والخمر وترك الصلاة، ونحو ذلك. ومع هذا فقد يكثر أهل الأهواء في بعض الأمكنة والأزمنة حتى يصير بسبب كثرة كلامهم مكافئًا عند الجهال لكلام أهل العلم والسنة حتى يشتبه الأمر على من يتولى أمر هؤلاء فيحتاج حينئذ إلى من يقول بإظهار حجة الله وتبيينها حتى يكون العقوبة بعد الحجة. وإلا فالعقوبة قبل الحجة ليست مشروعة: قال - تعالى -: ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً﴾ [الإسراء/ 15]. ولهذا قال الفقهاء في البغاة إن الإمام يراسلهم فإن ذكروا شبهة بينها، وإن ذكروا مظلمة أزالها، كما أرسل علي ابن عباس إلى الخوارج فناظرهم حتى رجع منهم أربعة آلاف، وكما طلب عمر بن عبد العزيز دعاة القدرية والخوارج فناظرهم حتى رجع منهم أربعة آلاف، وكما طلب عمر بن عبد العزيز دعاة القدرية والخوارج فناظرهم حتى ظهر لهم الحق، وأقروا به، ثم بعد موته نقض غيلان القدري التوبة فصلب" أ. هـ.



شيوع شبه أهل البدع:

إن الشبهة سبب عظيم لشيوع كثير من الباطل بين العوام لكونها مركبة من حق مع ما فيها من الباطل وإزالة الشبهة أمر واجب، ولكنه ليس بالسهل مثل إزالة البدع الظاهرة أو المعاصي المعلومة، وإن أمكن إزالتها من البعض فإنه لا يتوقع الداعي أن تزول من العموم بسبب تفاوت الفهم والظهور والقناعة بين الناس، فتعد بذلك عذرًا معتبرًا ومانعًا مهما في الحكم على الأعيان. قال في المجموع (5/483): "وقل طائفة من المتأخرين إلا وقع في كلامها نوع غلط لكثرة ما وقع من شبه أهل البدع، ولهذا يوجد في كثير من المصنفات في أصول الفقه وأصول الدين والفقه والزهد والتفسير والحديث من يذكر في الأصل العظيم عدة أقوال ويحكي من مقالات الناس ألوانًا، والقول الذي بعث الله به رسوله لا يذكره لعدم علمه به لا لكراهته لما عليه الرسول" أ. هـ. وقال في المجموع في كلامه على مقالات الكفر (3/355): أنهم يخالفون ما اتفقت عليه الملل كلها وأهل الفطر السليمة كلها؛ لكن مع هذا قد يخفي كثير من مقالاتهم على كثير من أهل الإيمان حتى يظن أن الحق معهم، لما يوردونه من الشبهات، ويكون أولئك المؤمنون مؤمنين بالله ورسوله باطنًا وظاهرًا؛ وإنما التبس عليهم واشتبه هذا كما التبس على غيرهم من أصناف المبتدعة، فهؤلاء ليسوا كفارًا قطعًا، بل يكون منهم الفاسق والعاصي؛ وقد يكون منهم المخطئ المغفور له؛ وقد يكون معه من الإيمان والتقوى ما يكون معه به من ولاية الله بقدر إيمانه وتقواه" أ. هـ.



عذر عن غلبة:

قال في كلامه على بدعة ذكر الاسم المجرد مكررًا دون الكلمة التامة (10/567): "وما نقل عن أبي يزيد والنوري والشبلي وغيرهم من ذكر الاسم المجرد، فمحمول على أنهم مغلوبون، فإن أحوالهم تشهد بذلك، مع أن المشايخ الذين هم أصح من هؤلاء وأكمل لم يذكروا إلا الكلمة التامة، وعند التنازع يجب الرد إلى الله والرسول، فليس فعل غير الرسول حجة على الإطلاق والله أعلم" أ. هـ.



التقليـد:

لما كان غالب عوام المسلمين مقلدين لأئمة المذاهب واتباعهم، فإن البدع والأخطاء التي يقع بها هؤلاء الاتباع المنتسبين إلى المذهب المعين تنعكس بشكل عادي على من يقلدونهم ويأتمون بهم، وبالتالي فإن مهمة نشر العلم الشرعي الصحيح بين هؤلاء المشايخ أمر في غاية الأهمية لإصلاح المجتمع من جهة، ثم إعذار الناس بتقليدهم عند وقوعهم بتلك البدع، مع نصحهم ودعوتهم إلى اتباع الحق بالحكمة والموعظة الحسنة هو كذلك من الواجبات الشرعية التي لا ينبغي أن يغفل عنها الداعية إلى الله - تعالى -. قال في كلامه على ترك المسلم للواجبات (22/10): "بل إذا عفى للكافر بعد الإسلام عما تركه من الواجبات لعدم الإعتقاد وإن كان الله قد فرضها عليه وهو معذب على تركها، فلأن يعفو للمسلم عما تركه من الواجبات لعدم اعتقاد الوجوب، وهو غير معذبه على الترك لاجتهاده أو تقليده أو جهله الذي يعذر به أولى وأحرى، وكما أن الإسلام يجب ما كان قبله فالتوبة تجب ما كان قبله فالتوبة تجب ما كان قبلها لا سيما توبة المعذور الذي بلغه النص أو فهمه بعد أن لم يكن تمكن من سمعه وفهمه، وهذا ظاهر جدًا للغاية" أ. هـ. وقال (10/ 371): إن ما ثبت قبحه من البدع وغير البدع من المنهي عنه في الكتاب والسنة أو المخالف للكتاب والسنة إذا صدر عن شخص من الأشخاص فقد يكون على وجه يعذر فيه، إما لاجتهاد أو تقليد يعذر فيه، وإما لعدم قدرته كما قررته في غير هذا الموضع" أ. هـ.



إعذار عام:

هناك موانع متداخلة مع ما سبق من الموانع، وقد تكون مركبة مع بعضه يرجع تقديرها إلى الشخص نفسه، يصعب على الناظر تحديدها وضبطها، ولكن يمكن تقدير وجودها عند من تصدر منه الشطحات إعذارًا له ما أمكن إلى ذلك من سبيل، مع وجوب النصح والبيان. قال في كلامه على نزول الرب - جل وعلا - (5/ 243): "وأما من يتوهم أن السموات تنفرج ثم تلتحم فهذا من أعظم الجهل، وإن وقع فيه طائفة من الرجال" أ. هـ.



5- إن المظهر للإسلام لا يكون إلا واحدًا من اثنين لا ثالث لهما: مؤمن أو منافق. هذا ضابط كلي يجعل المسلم ينظر إلى المجتمع الإسلامي وأفراده نظرة أخوة ومحبة ونظرة حذر وتوقف م الوقوع في المسلم بتكفير أو تفسيق أو تبديع أو نحو ذلك، فإن أمامنا إما مؤمنين أو منافقين مظهرين للإسلام لا يمكن التنقيب عن قلوبهم، وبالتالي يعاملون معاملة المسلمين. وأهل البدع لا يخرجون عن ذلك فيهم المنافق، وفيهم المؤمن المتأول المعذور ببدعته، ويدخل في ذلك كل المتنازعون في الصفات والقدر على اختلاف عقائدهم؛ وقد يكون فيهم أيضًا ظلم وعدوان، مثلما يكون من عوام المسلمين، فيعاملون بقدر ذلك ومقتضاه: وقد يكون في أهل البدع أيضًا من الإيمان والتقوى ما يرفع منزلته عند الله - تعالى -، وأيضًا يقال هنا إن هذا لا يصير بدعته حسنة أو مقبولة، بل تبقى قبيحة مذمومة، وإنما الكلام في الأعيان وأعذارهم. قال في كلامه على الكافر من أهل القبلة (3/352): " وفصل الخطاب في هذا الباب بذكر أصلين: أحدهما: أن يعلم أن الكافر في نفس الأمر من أهلب الصلاة لا يكون إلا منافقًا، فإن الله بعث محمدًا وأنزل عليه القرآن وهاجر إلى المدينة صار الناس ثلاثة أصناف: مؤمن به وكافر به مظهر الكفر ومنافق مستخف بالكفر. ولهذا ذكر الله هذه الأصناف الثلاثة في أول سورة البقرة، وذكر أربع آيات في نعت المؤمنين وآيتين في الكفار ويضع عشر آية في المنافقين". ثم قال: وإذا كان كذلك فأهل البدع فيهم المنافق الزنديق فهذا كافر، ويكثر مثل هذا في الرافضة والجهمية، فإن رؤساءهم كانوا منافقين زنادقة، وأول من ابتدع الرفض كان منافقًا. وكذلك التجهم فإن أصله زندقة ونفاق، ولهذا كان الزنادقة المنافقون من القرامطة الباطنية المتفلسفة وأمثالهم يميلون إلى الرافضة والجهمية لقربهم منهم. ومن أهل البدع من يكون فيه إيمان باطنًا وظاهرًا، لكن فيه جهل وظلم حتى أخطأ ما أخطأ من السنة؛ فهذا ليس بكافر ولا منافق، ثم قد يكون منه عدوان وظلم فيكون فاسقًا أو عاصيًا؛ وقد يكون مخطئًا متأولاً مغفورًا له خطأه؛ وقد يكون مع ذلك معه من الإيمان والتقوى ما يكون معه من ولاية الله بقدر إيمانه وتقواه، فهذا أحد الأصلين" أ. هـ. وقال في المجموع (5/134): " وكل من أظهر الإسلام ولم يكن منافقًا فهو مؤمن، له من الإيمان بحسب ما أوتيه من ذلك، وهو ممن يخرج من النار، ولو كان في قلبه مثقال ذرة من الإيمان، ويدخل في هذا جميع المتنازعين في الصفات والقدر على اختلاف عقائدهم. ولو كان لا يدخل الجنة إلا من يعرف الله كما يعرفه نبيه ، لم تدخل أمته الجنة، فإنهم أو أكثرهم لا يستطيعون هذه المعرفة، بل يدخلون الجنة وتكون منازلهم متفاضلة بحسب إيمانهم ومعرفتهم. وإذا كان الرجل قد حصل له إيمان يعبد الله به، وأتى آخر بأكثر من ذلك عجز عنه الأول لم يحمل مالا يطيق، وإن يحصل له بذلك فتنة: لم يحدث بحديث يكون له فيه فتنة" أ. هـ. فهذا أصل عظيم في تعليم الناس ومخاطبتهم، والخطاب العام بالنصوص التي اشتركوا في سماعها، كالقرآن والحديث المشهور، وهم مختلفون في معنى ذلك. والله - تعالى - أعلم. وانظر أيضًا (5/254 255).



6- ما الذي يجب على المكلف اعتقاده؟ وهذا ضابط مهم في النظر إلى عامة المسلمين، حيث يبين شيخ الإسلام أن هناك اعتبارين في الواجب من الاعتقاد: الأول الإيمان المجمل بما جاء به الرسول من عند الله، وهذا في الغالب ليس موضع النزاع القائم بين المسلمين. والثاني: الإيمان المفصل، حيث يكون ضابطه عند شيخ الإسلام هو أن يقر العبد بالمفردات التي ثبت عنده أن النبي أخبر بها. وهذا في الحقيقة ضابط نسبي، لا سيما بالنسبة للعوام، فإن العامي يثبت عنده ما يثبت لمن يقلده أو يتبعه أو يثق بعلمه، وهذا أمر غير منضبط، وبالتالي يقع الإعذار عند الخطأ، ولكن هذا لا يعني عدم بيان الحق بل يجب ذلك حتى يثبت له أنه الحق، وأما إذا لم يثبت عنده ما يثبت لمن يقلده أو يتبعه أو يثق بعلمه، وهذا أمر لا غير منضبط، وبالتالي يقع الإعذار عند الخطأ، ولكن هذا لا يعني عدم بيان الحق بل يجب ذلك حتى يثبت له أنه الحق، وأما إذا لم يثبت عنده مع ذلك لمانع ما فلا يعني هذا أن الحجة قد قامت عليه، بل يكون هذا المبلغ قد أدى ما عليه من البيان، ويكون الذي سمع البلاغ إما معذورًا في الظاهر والباطن، أو معذورًا في الظاهر دون الباطن ويكون حاله حال المنافقين الذين يعاملون معاملة المسلمين.

RSS v2.0 FEED أضف الصفحة إلى MySpace! أضف الصفحة إلى iGoogle أضف الصفحة إلى My Yahoo أضف الصفحة إلى Microsoft live أضف الصفحة إلى facebook برنامج قارىء RSS Subscribe Bookmark and Share


تعليقات القراء على المقالات : أضف تعليقك الآن

ملاحظة هامة : هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها.

الأسئلة والتعليقات المقتضبة أو تلك التى لا تتعلق بموضوع المحاضرة ستحذف تلقائيا.

لا توجد تعليقات

إلى الأعلى


أرسال لصديق

التلاوت القرآنية

الدروس والمحاضرات

أحصائيات
    عدد المقالات (26769)
    عدد الكتب (4770)
    عدد الصوتيات (114455)
القائمة البريدية
القائمة البريدية
المعلومات المنشورة في هذا الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي قائلها أو كاتبها كما يحق لك الاستفادة من محتويات الموقع في الاستخدام الشخصي غير التجاري مع ذكر المصدر 
Midad.com ©  2012
وقت تحميل الصفحة: 0.403 ثانية  |   خريطة الموقع  |   Rss  |  كيف تستخدم هذا الموقع