بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي يحق الحق ويُبطلُ الباطل وهو القائل في كتابه الكريم: بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق.
وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له أرسل رسوله محمدًا - صلى الله عليه وسلم - بالهدى ودين الحق ليُظهره على الدين كله ولو كره الكافرون... أما بعد:
حول نُبوة الخضر وولايته وحياته وموته:
فيا أيها القارئ الكريم، ألهمني الله وإياك رشدنا ووقانَا شرّ أنفسنا، وبعد: انتهى بنا الحديث في لقائنا السابق بذكر حقائق أهل العلم التي دمغت أباطيل أهل الزيغ حول موضوع العلم اللدني الذي نسجت منه أوهام جهلة المتصوفة دينا اعتنقوه يخالف ما جاءت به رسل الله وما أنزله الله في كتبه وما جاء به قرآن ربنا وسنة نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم -، ولا نريد أن نعيد ما ذكرنا في المقال السابق؛ ولكن القوم أقاموا شطحاتهم على فهم سقيم لقصة الخضر - عليه السلام - مع موسى - عليه السلام -، وما قالوا به، قالوا: بحياة الخضر - عليه السلام - المستمرة وأنه لم يمت ولن يموت، وقالوا كذلك بولايته وعدم نبوته، وذكرنا فيما ذكرنا أن قولهم بالعلم اللدني على النحو الذي اعتقدوه ليس فيه حجة البتة من قصة الخضر سواء كان الخضر نبيًا أو وليا وسواء كان حيًا أو ميتًا، وأما مسألة ولاية الخضر - عليه السلام - أو نبوته واستمرار حياته أو موته، فهذه مسألة أخرى سنبين فيها وجه الحق إن شاء الله بأدلته الشرعية من الكتاب والسنة ومن أقوال سلف الأمة من أهل الفقه والحديث والتفسير، وعلى الله نتوكل ومنه نستمد العون ونسأله التوفيق والسداد.
أولاً: مسألة: هل الخضر نبي أو ولي؟
1- يقول صاحب روح المعاني في تفسيره قوله - تعالى -: آتيناه رحمة من عندنا: "الجمهور على أن المقصود بالرحمة الوحي والنبوة، وقد أُطلقت على ذلك في مواضع من القرآن، وأخْرَجَ ذلك ابن أبي حاتم عن ابن عباس، وهذا قول من يقول بنبوته - عليه السلام -، وفيه أقوال ثلاثة، فالجمهور على أنه - عليه السلام - نبي وليس برسول، وقيل هو رسول، وقيل هو ولي وعليه القشيري وجماعة، والمنصور ما عليه الجمهور، وشواهده من الآيات والأخبار كثيرة وبمجموعها يكادُ يحصلُ اليقين". انتهى.
فها هو الشيخ الألوسي - رحمه الله - ينقل الاختلاف في أمر نبوة الخضر وولايته ورسالته، ولكنه - رحمه الله - ينتصر لرأي الجمهور القائل بنبوته؛ لأنَّ هذا الرأي أدلته واضحة من الآيات والأخبار.
2- ونذهب الآن للإمام ابن كثير - رحمه الله - حيث يذكر لنا هذه الأدلة بشيء من التفصيل فيقول: "وقد دلَّ سياق القصة على نبوة الخضر من وجوه: أحدها: قوله - تعالى -: فوجدا عبدا من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما {الكهف: 65}".
الثاني: قول موسى له: هل أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشدا (66) قال إنك لن تستطيع معي صبرا (67) وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا (68) قال ستجدني إن شاء الله صابرا ولا أعصي لك أمرا (69) قال فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكرا {الكهف: 66- 70}.
ويعلّق ابن كثير على الآيات فيقول: "فلو كان وليا وليس بنبي لم يخاطبه بهذه المخاطبة، ولم يرد على موسى هذا الرد، بل موسى إنما سأل صحبته لينال ما عنده من العلم الذي اختصه الله به دونه، فلو كان غير نبي، لم يكن معصومًا ولم تكن لموسى- وهو نبيّ عظيم ورسول كريم واجب العصمة- كبير رغبة ولا عظيم طلبة في علم ولي غير واجب العصمة، ولما عَزَمَ على الذهاب إليه والتفتيش عنه، ثم لما اجتمع به تواضع له وعظمه، واتبعه في صورة المستفيد منه فدل على أنه نبي مثله يوحى إليه كما يوحى إليه؛ وقد خصَّه الله ببعض العلم الذي لم يطلع عليه موسى الكليم. يقول: وقد احتج الرماني أيضًا بهذا المسلك الثالث: أن الخضر أقدم على قَتْلِ الغلام، وما ذاك إلا بوحي إليه من الملك العلام، وهذا دليل مستقل على نبوته، وبرهان ظاهر على عصمته؛ لأن الولي لا يجوز له الإقدام على قتل النفوس بمجرد ما يُلقى في خَلَدِه، لأن خاطره ليس بواجب العصمة، إذ يجوز عليه الخطأ بالاتفاق لكن لما أقدم الخضر على قتل الغلام لأنه عنده فيه من الله برهان دلَّ ذلك على نبوته، وأنه مؤيد من الله بعصمته. يقول: وقد رأيت الشيخ ابن الجوزي يسلك هذا المسلك بعينه في الاحتجاج على نبوة الخضر وصححه.
الرابع: أنه لما فسَّر الخضر تأويل الأفاعيل لموسى ووضح له عن حقيقة أمره، قال بعد ذلك كله: رحمة من ربك وما فعلته عن أمري يعني: ما فعلته من تلقاء نفسي، بل أمر أمرت به وأوحي إلي فيه.
ثم قال الإمام بعد عرضه هذه الأدلة: فدلت هذه الوجوه على نبوته، ولا ينافي ذلك ولايته بل ولا رسالته، كما قال آخرون، وإذا ثبتت نبوته كما ذكرناه: لم يبق لمن قال بولايته وأن الولي قد يطلع على حقيقة الأمور دون أرباب الشرع الظاهر مستند يستندون إليه ولا معتمد يعتمدون عليه. انتهى من البداية والنهاية مع تصرف يسير.
3- وبالنسبة لقوله - تعالى -: فوجدا عبدا من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما {الكهف: 65}. يستدل بها الشيخ الشنقيطي - رحمه الله - صاحب أضواء البيان على نبوة الخضر، فيقول: "إن الرحمة يأتي إطلاقها على النبوة في القرآن، وكذلك العلم المؤتى من الله تكرر إطلاقه في القرآن أيضًا على علم الوحي، فمن إطلاق "الرحمة على النبوة قوله - تعالى - "الزخرف": وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم (31) أهم يقسمون رحمة ربك... الآية، أي نبوته حتى يتحكموا في إنزال القرآن على رجل من القريتين عظيم، وقوله - تعالى - في سورة "الدخان": فيها يفرق كل أمر حكيم (4) أمرا من عندنا إنا كنا مرسلين (5) رحمة من ربك الآية، وقوله - تعالى - من آخر القصص: وما كنت ترجو أن يلقى إليك الكتاب إلا رحمة من ربك... الآية. ومن إطلاق إيتاء العلم على علم النبوة قوله - تعالى -: وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما، وقوله: وإنه لذو علم لما علمناه الآية، إلى غير ذلك من الآيات. ا.هـ.
4 أما الإمام القرطبي فيوجز المسألة ويقول - رحمه الله -: "هو نبي عند الجمهور، الآية تشهد بذلك؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يتعلم ممن هو دونه، ولأن الحكمة بالباطن لا يطلع عليها إلا الأنبياء". ا.ه.
ثانيًا: أما مسألة كونه حيًا أو ميتًا بمعنى: هل مات الخضر أم لا يزال على قيد الحياة؟ اعلم أن العلماء اختلفوا في هذا، فذهب كثير من أهل العلم إلى أنه حي وأنه يشرب من عين تسمى عينُ الحياة، ومن نَصَرَ القول بحياته القرطبي في تفسيره، والنووي في شرح مسلم وغيره، وابن الصلاح، والنقاش وحكايات كثيرة عن أهل التصوف.
قال ابن عطية: "وأطنب النقاش في هذا المعنى وذكر في كتابه أشياء كثيرة عن علي بن أبي طالب وغيره، وكلها لا تقوم على ساق". ا.ه.
وقال ابن كثير - رحمه الله -: "وقد تصدى الشيخ أبو الفرج ابن الجوزي - رحمه الله - في كتابه عجالة المنتظر في شرح حالة الخضر للأحاديث الواردة في ذلك من المرفوعات، فبين أنها موضوعة، ومن الآثار عن الصحابة والتابعين فمن بعدهم فبين ضعف أسانيدها ببيان أحوالها وجهالة رجالها، وقد أجاد في ذلك أحسن الانتقاد". انتهى كلام ابن كثير.
وقال الشيخ محمد الأمين صاحب أضواء البيان - رحمه الله -: "وحكايات الصالحين عن الخضر أكثر من أن تحصر، ودعواهم أنه يجتمع هو وإلياس كل سنة، ويروون عنهما بعض الأدعية، كل ذلك معروف، ومستند القائلين بذلك ضعيف جدّا؛ لأن غالبه حكايات عن بعض من يُظن به الصلاح، ومنامات وأحاديث مرفوعة عن أنس وغيره، وكله ضعيف لا تقوم به حجة.
ويتابع الشيخ - رحمه الله - حديثه قائلاً: "ومن أقوى الأدلة عند القائلين بحياة الخضر التعزية حين توفي النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - والذي ذكره ابن عبد البر في تمهيده عن علي - رضي الله عنه - قال: لما توفي النبي - صلى الله عليه وسلم - وسُجِّي بثوب هَتَف هاتف من ناحية البيت يسمعون صوته ولا يرون شخصه: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، السلام عليكم أهل البيت: كل نفس ذائقة الموت الآية، إن في الله خلفًا من كل هالك، وعوضًا من كل تالف، وعزاء من كل مصيبة فبالله تقووا، وإياه فارجوا، فإن المصاب من حرم الثواب، فكانوا يرون أنه الخضر؛ يعني أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -.
ثم يقول الشيخ - رحمه الله -: والاستدلال على حياة الخضر بآثار التعزية كهذا الأثر الذي ذكرناه آنفًا مردود من وجهين: الوجه الأول: أنه لم يثبت بسند صحيح. ثم نقل قول ابن كثير - رحمه الله -، حيث قال: وحكى الثوري وغيره بقاء الخضر إلى الآن، ثم إلى يوم القيامة قولين، ومال هو وابن الصلاح إلى بقائه، وذكروا في ذلك حكايات عن السلف وغيرهم، وجاء ذكره في بعض الأحاديث، ولا يصح شيء من ذلك، وأشهرها حديث التعزية وإسناده ضعيف. ا.ه. من أضواء البيان.
وأقول بعد ذلك مستعينًا بالله - سبحانه وتعالى-: لو صحت الرواية لاشتهر الأمران للصحابة رضوان الله عليهم، ولوصل إلينا واضحًا جليًا، ثم إن الرواية تحمل في طياتها عنوان ضعفها بل وضعها ففيها قوله - تعالى -: كل نفس ذائقة الموت، فهذه الآية الكريمة تستغرق كل نفس من لدن آدم إلى ما شاء الله، فكيف يستثنى منها الخضر - عليه السلام -، وسواء كان وليًا أم نبيًا فلا مجال للاستثناء من الآية وغيرها من الآيات التي توجب الموت على الجميع إلا بدليل، ولا دليل، وهل يعقل أن يموت إبراهيم وموسى وعيسى ومن قبلهم نوح ثم يموت خاتم النبيين محمد - صلى الله عليه وسلم - ويبقى الخضر إلى يومنا هذا كما يدعون إلى قيام الساعة؟ ليس من العقل ولا من الشرع أن يقال ببقاء الخضر واستثنائه من الموت استنادًا إلى حكايات ورؤى ومنامات وإلى روايات موضوعة أو ضعيفة فالقول ببقاء الخضر وعدم موته قول لا ساق له مع احترامنا لمن قال ذلك من أهل العلم، فأدلته لا تستطيع أبدًا أن تثبت في مواجهة أدلة من قال بوفاته وممن قال بوفاته من أهل العلم وأئمة الفقه والحديث: البخاري، وإبراهيم الحربي، وأبو الحسن بن المنادي، وابن الجوزي، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم، وابن كثير، وغيرهم خلق كثير - رحم الله الجميع- وأدلتهم قوية واضحة تعتمد على كتاب الله وسنة النبي - صلى الله عليه وسلم - الصحيحة الثابتة.
والحمد لله رب العالمين.