بسم الله الرحمن الرحيم
مما لا شك فيه أن المسلم بحسن خلقه وطيب معاملته وكريم معشره يحبب الناس فيه ويأسر نفوسهم ويحرك مشاعرهم وقد قال عليه الصلاة السلام: "إن من خياركم أحسنكم أخلاقاً" رواه البخاري وقال: "إن من أحبكم إلي وأقربكم مني مجلساً يوم القيامة أحاسنكم أخلاقاً" حسنه الألباني، وقال أيضاً: "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق" رواه البخاري، من هذه الأحاديث نستشف فضل مكارم الأخلاق وأفضلية الحرص عليها؛ لذا أحببنا في هذا المقام أن نبحر في إطار الأخلاق، وما أحوجنا لها بهذا العصر حيث انتشرت الرذيلة وعم الفساد والله المستعان!!.
يقول ابن القيم - رحمه الله - عن حسن الخلق إنه على أركان أربع لا يتصور قيام ساقه إلا عليها: الصبر والعفة والشجاعة والعدل، فالصبر يحمله على الاحتمال وكظم الغيظ وكف الأذى والحلم وعدم الطيش، والعفة تحمله على اجتناب الرذائل والقبائح من القول والفعل، والشجاعة تحمله على عزة النفس وإيثار معالي الأخلاق والشيم، والعدل يحمله على اعتدال أخلاقه وتوسطه فيها بين طرفي الإفراط والتفريط!.
وفي هذه الأسطر سنتطرق لشرح حديث يبين مكارم الأخلاق كما ذكرها - عليه السلام -.. وعلَّنا نفي بشرحه..
روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: أمرني ربي بتسع: الإخلاص في السر والعلانية، والعدل في الرضا والغضب، والقصد في الغنى والفقر، وأن أعفو عمن ظلمني، وأصل من قطعني، وأعطي من حرمني، وأن يكون نطقي ذكراً، وصمتي فكراً، ونظري عبرة.
بين الرسول عليه الصلاة السلام في المسائل الست الأولى مكارم الأخلاق التي يجب على كل مؤمن ومؤمنة التحلي بها، وأن يجاهد نفسه في ذلك حتى يكتسبها وتصبح خلقاً له، فبين في الأولى الإخلاص للعبادة لله - عز وجل - بحيث لا يشرك بها أحداً سواء بالسر أم بالعلانية وبين لنا وجوب الإخلاص بالعبادة، وأنه لا يصح أي عمل بدون تحقيق الإخلاص، وبين في الأمر الثاني العدل وهو ضد الجور فلا يجور ولا يحيد في قوله أو حكمه وسواءً أكان في حال الرضا أم في حال الغضب، وبين الأمر الثالث القصد وهو عدم الإسراف وسواء أكان في حالة الغنى أم في حالة الفقر؛ أما في الأمر الرابع فبين أن من محاسن الأخلاق العفو عمن ظلم بعد مؤاخذته على ذلك قال - تعالى -: -والعافين عن الناس- وهم الذين يظهرون العفو والمغفرة ويعلنون السماح والعفو عمن اذاهم من طلب الثأر فلم يكظموا الغيظ فحسب، بل أظهروا الصفح والحلم عليها، قال - تعالى -والله يحب المحسنين- وهم الذين عفوا عمن ظلمهم، بل أحسنوا إليهم وأعانوهم بمالهم وكرمهم، فهو يسيء وهم يحسنون إليه وهذا أعلى المراتب ثم بين وصل من يقطع في الأمر الخامس فلا يجازيه بقطعه بل يصله ثم بين الأمر السادس وهو إعطاء من حرمه فلا يعامله بما عامله، بل يعطيه ما يحتاج إلى عطائه وهذه الصفات الست الأولى اشتملت على مكارم الأخلاق ثم بين الخصلة السابعة، وهي أن يكون نطقه ذكر الله - جل وعلا - وذكر الله له أجر عظيم قال - تعالى -: -ألا بذكر الله تطمئن القلوي-، فالإكثار من ذكر الله - عز وجل - له تأثير عجيب في انشراح الصدر الطمأنينة وزوال الهم والغم قال - تعالى -فاذكروني أذكركم-، ولو لم يكن للذكر فائدة إلا هذه لكفى ولو لم يكن له نفع سوى أن يذكرك ربك لكفى به نفعاً فيا له من مجد وشرف وفي الأمر الثامن بين أن يكون صمت الإنسان فكراً له فيما يرضي الله - تعالى -وما يوصل إليه من زيادة الإيمان وصالح الأعمال، وفي الأمر الأخير أن يكون نظره إذا نظر عبرة يعتبر بها وينتفع وفي الختام بين لنا الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن المسلم عليه أن يتحلى بالخصال التسع وتلك هي ثمرة العلم المطلوبة.